‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط
تخضع الكيانات البشرية، في منظور الفلسفة التاريخية، للقوانين نفسها التي تُحكم المادة: الميلاد، والنمو، ثم الذبول والمرض. غير أن ثمة استثناءً يخرج عن هذا المطرد المادي حين نتعامل مع "الأمة"،
shutterstock - Dragon Images
وتحديداً تلك التي لا تتأسس على عصبية الجغرافيا أو عرق الدم، بل تقوم على منطق "الفكرة" ومحورية "العقيدة".
إن الجسد الحضاري لهذه الأمة قد يعتل، وقد تصيبه أعراض العجز الشديد حتّى يُخيل للناظرين من الخارج أن الرمق الأخير قد شارف على الانقضاء، لكن التاريخ أثبت في كل منعطف حرج أن هذا الجسد لا يموت؛ لأن علته ليست تداعي البنية، بل هي غفوة مؤقتة لمصدر حياته الأصيل.
إن الفكرة الحقّة لا تملك قابلية للفناء الذاتي. ولو كان الموت مقدوراً لهذه الأمة بحكم المعادلة المادية وحدها، لكان أحرى بها أن تُقبر في مهدها الأول.
في لحظة الهجرة، حين اختُصر الوجود كله في رجلين داخل غار حراء تتطلّع إليهما أقدام المتربصين، أو في ساحة بدر، يوم استقر العِداء العالمي كله على ثلة قليلة مستضعفة لا تملك من أدوات الحسم المادي شيئاً. كان المنطق التاريخي السائد حينها يتنبأ بالنهاية المحتومة، إلا أن ما حدث كان انبعاثاً يناقض العقل الحسابي المجرد؛ لأن البقاء لم يكن مديناً للكثرة، بل للروح المنغرسة في نفوس حملتها.
تتكرر هذه الجدلية في صور تاريخية شديدة القسوة، كشفت عن سر الاستعصاء على الموت:
- عاصفة الردة: حين اهتزت الأركان عقب رحيل النبوة، وانفصمت العرى الظاهرة، فقامت الأمة مجدداً لا بقوة السلاح وحده، بل بعزيمة رجل واحد أدرك أن العقيدة لا تقبل المساومة.
- الاجتياح التتاري: يوم سالت دماء بغداد، واحتُرقت مكتباتها، وظن العالم أن الحضارة الإسلامية قد مُحيت من خارطة الوجود، فإذا بالمغلوب يمتص الفاتح عقائدياً، ويتحول التتار أنفسهم إلى حماة للفكرة التي جاؤوا لإبادها.
- المذابح والاستعمار الحديث: من أهوال الاستعمار في الجزائر، إلى جراح الشيشان، وتطهير البوسنة والهرسك. صورٌ متعددة لبطشٍ مادي عارم استهدف اقتلاع الأمة من جذورها، لكن الناتج كان دوماً إعادة اكتشاف للذات، وانبعاثاً غير متوقع من تحت الركام.
إن التحليل الفلسفي لهذا الصمود يؤكد أن الأفكار والشرائع لا تُقاتل بنفسها في عالم الشهادة، بل تحتاج إلى "وعاء بشري" يتجسد فيه الإيمان ليتحول إلى فاعلية تاريخية.
الموت المحتوم لا يأتي من جسامة الخطب ولا من تكالب الأعداء في الخارج، بل يحدث فقط يوم تفرغ النفوس من الإرادة، وتجف العزائم في القلوب. طالما يوجد رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يحملون الهمّ، ويؤمنون بالرسالة، فإن الفكرة تظل عصية على الاستئصال، وتتحول كل أزمة تخوضها الأمة من محنة " الفناء " إلى عملية تمحيص وصقل للجذور.
قد تمر الأمة في حاضرها – كما مرت في ماضيها – بلحظات انكسار ووهن، يُخيّل للبعيد معها أن الشعلة قد انطفأت إلى غير رجعة. غير أن قراءة التاريخ من منظور عقدي وفلسفي تؤكد أن المرض في بدنه ليس إلا عارضاً زائفاً، وأن عافية الجذور المتمثلة في ناصعية الفكرة وصلابة المؤمنين بها هي القيمة الثابتة.
إن الفكرة الموصولة بالسماء لا تموت لأنها لا تستمد بقاءها من التوازنات المادية المتغيرة، بل من عزيمة النفوس التي أدركت أن وجودها مرتبط بوجود رسالتها، وأن الفجر يخرج دوماً من رحم الظلمة الأشد كُلمة.
من هنا وهناك
-
مقال بقلم نايف خير: المحكمة العليا حسمت موقفها قبل أن تنتهي المداولات. واصدار الحكم المجحف !!!!
-
اجندات الحملات الانتخابية للمعسكرات المختلفة، وماذا اكثر ما يخشاه نتنياهو؟! بقلم: سهيل دياب- الناصرة
-
‘منطق التآلف في حضارة التخالف: دراسة في فلسفة القبول المعرفي!‘ - بقلم : د نوّاف علي الطوري من رهط
-
تشرين… موسم الرمان | بقلم أريج منصور
-
‘كيف يسقط الكونغرس الأمريكي أوراق التوت عن دبلوماسية طهران في نيويورك؟‘ - بقلم: د. سامي خاطر
-
‘هرمز على حافة التصعيد ‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘شرعية الغضب واستحقاق التغيير: هل تستيقظ الأمم المتحدة على صدى أزمة إيران المزمنة؟‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
‘غرينلاند في قلب الصراع القطبي: أميركا تبني «عيناً استراتيجية» على روسيا والصين‘ - بقلم: البروفسور حسين الديك
-
حكومة إسرائيل: بين الاستعلاء السياسيّ وسياسة الاستعلاء | بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘كلفة الانتخابات لا تجعل التصويت إلزاميًا‘ - بقلم: منير يوسف قبطي





أرسل خبرا