مقال بقلم نايف خير: المحكمة العليا حسمت موقفها قبل أن تنتهي المداولات. واصدار الحكم المجحف !!!!
" ما جرى اليوم في المحكمة العليا في قضية سامي أبوشحادة يطرح سؤالًا أكبر من مجرد السماح لمرشح أو منعه من خوض الانتخابات. المسألة تتعلق بصورة القضاء، وبمعنى المداولات القضائية،
نايف خير
وبالحق الأساسي للناخب في أن يختار ممثليه بنفسه.
دخلت القضية إلى المحكمة بعد أن قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب ترشح سامي أبو شحادة، إلى جانب قرارات أخرى طالت مرشحين وقوائم عربية. وكان من الطبيعي أن تكون المحكمة هي العنوان الذي يُنتظر منه فحص الأدلة، والاستماع إلى الأطراف، ومناقشة الحجج القانونية، ثم إصدار قرار معلل.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن رئيس المحكمة العليا أعلن، أثناء المداولات، أن هناك أغلبية لشطب ترشح أبو شحادة، بل وطلب منه دراسة إمكانية الاستمرار في ترشحه، قبل أن تنتهي المداولات ويصدر الحكم النهائي.
هنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كانت الأغلبية قد حسمت موقفها، فما الذي تبقى من التداول؟
نحن لا نتحدث هنا عن الاعتراض على قرار قضائي لمجرد أنه لم يأتِ كما يرغب طرف سياسي معين، بل عن مبدأ أعمق: القضاء يجب أن يمنح الانطباع بأن القضية ما زالت مفتوحة أمام الحجج والأدلة حتى اللحظة الأخيرة، وأن القرار النهائي هو نتيجة المداولات وليس مقدمة عليها.
قضية أبو شحادة ليست قضية شخص واحد فقط. إنها قضية تتصل بحق جمهور واسع في اختيار ممثليه، ولذلك فإن كل كلمة تصدر من قاعة المحكمة تصبح ذات وزن سياسي وجماهيري وقانوني كبير.
لجنة الانتخابات المركزية كانت قد قررت في 23 أيلول/سبتمبر شطب ترشح أبو شحادة، بينما دفع محاموه بأن الأدلة المقدمة لا تستوفي المستوى المطلوب قانونيًا لإثبات تأييده للكفاح المسلح، وأن القضية تستند بصورة أساسية إلى مقال نشره في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفي المقابل، قدمت المستشارة القضائية للحكومة والمدعي العام موقفًا مؤيدًا للمصادقة على الشطب، معتبرين أن المقال يعكس، بحسب تفسيرهما، دعمًا للكفاح المسلح.
إذن نحن أمام خلاف قانوني حقيقي حول تفسير الأدلة ومعيار الشطب، وليس أمام قضية بسيطة يمكن اختزالها بشعار أو موقف سياسي.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل المحكمة العليا تحاكم فعلًا الأدلة، أم أن المناخ السياسي المحيط بالقضية بدأ يفرض نفسه على المشهد القضائي؟
هذا السؤال مشروع، خصوصًا أن قضية أبو شحادة جاءت وسط أجواء سياسية شديدة الاستقطاب، وفي ظل مطالبات علنية من قوى سياسية بإقصاء مرشحين وقوائم عربية من الانتخابات. وقد شهد محيط المحكمة اليوم احتجاجات ومواجهات سياسية وإعلامية على خلفية القضية.
ولا ينبغي أن يتحول القضاء إلى ساحة أخرى للصراع السياسي.
فالانتخابات، في جوهرها، تقوم على مبدأ بسيط: أن يختار المواطن من يمثله، وأن تكون القيود على هذا الحق استثنائية ومبنية على أساس قانوني واضح ومقنع.
قد يختلف الناس جذريًا مع سامي أبو شحادة، وقد يختلفون مع مواقفه السياسية وتصريحاته، وهذا حق مشروع في المجتمع الديمقراطي. لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى سؤال حول حقه في الترشح، كما أن الدفاع عنه لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل ما قاله أو فعله.
المطلوب هو معيار واحد، واضح وثابت، يُطبق على الجميع.
فإذا كانت هناك أدلة قانونية تستوفي الشروط المطلوبة للشطب، فلتعرض المحكمة هذه الأدلة ولتفسرها في حكم معلل وواضح. وإذا كانت الأدلة لا تستوفي المستوى المطلوب، فليكن ذلك واضحًا أيضًا.
أما أن يشعر الجمهور، قبل انتهاء المداولات، بأن النتيجة أصبحت معروفة، فهذه مسألة تستحق النقاش، ليس دفاعًا عن شخص بعينه، وإنما دفاعًا عن ثقة الناس بالمؤسسة القضائية نفسها.
إن خطورة المسألة لا تكمن فقط في مصير سامي أبو شحادة، وإنما في السابقة التي يمكن أن يتركها القرار للمستقبل.
لأن السؤال الذي سيبقى بعد هذه القضية هو: هل يستطيع الناخب العربي أن يختار ممثليه بحرية، أم أن هناك جهة أخرى ستقرر له مسبقًا من يحق له أن يكون على ورقة الاقتراع؟
خاتمة
القضية اليوم أكبر من سامي أبو شحادة، وأكبر من التجمع أو المشتركة أو أي حزب آخر.
إنها قضية ثقة.
والقضاء الذي يريد من الجمهور احترام قراراته، عليه أيضًا أن يحافظ على صورة المداولات التي تسبق هذه القرارات، وأن يترك للناس انطباعًا واضحًا بأن الحكم صدر بعد سماع الجميع وفحص الأدلة، لا أن النتيجة حُسمت قبل أن تنتهي المرافعات.
فالعدالة لا تُقاس فقط بالحكم النهائي، وإنما أيضًا بالطريقة التي يصل بها القضاء إلى هذا الحكم. وعندما يشعر المواطن أن النتيجة سبقت المداولات، فإن السؤال لا يعود فقط: ماذا قررت المحكمة؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل أُعطيَت المداولات حقها كاملًا؟
نايف خير
من هنا وهناك
-
المحامي زكي كمال يكتب: الحادي عشر من أيلول 2001 والسابع من اكتوبر 2023.. تغليب القوة والحرب، الى أين؟
-
‘رؤية نحو المستقبل‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘هندسة السقوط: هل تعجل الأزمات الاقتصادية بانهيار النظام الإيراني؟‘ - بقلم: د. سامي خاطر
-
‘حكومة وحدة قومية في إسرائيل، تعود خياراً ممكناً‘ - بقلم: أمير مخول
-
‘الحواجز الإسرائيلية... حين يصبح الطريق سؤالاً مفتوحاً‘ - بقلم: علاء كنعان
-
‘ أطفال بلا عنوان عن المرافقة الفردية والعائلية كواجب أخلاقي ومجتمعي‘ - بقلم: فداء مرعي عبد الهادي
-
‘العرب في الكنيست بين وَحدة الصَّوت وتحدّيات الواقع‘ - بقلم: الشيخ محسن عبد القادر
-
‘من الاحتجاج إلى التأثير: دور المشاركة السياسية في قلب موازين القوى!‘ - بقلم: د. نوّاف الطوري من رهط
-
‘باب المندب: هندسة الواقع وإعادة رسم التوازنات البحرية‘ - بقلم: أسعد عبدالله عبدعلي
-
‘أعضاء الكنيست العرب: تعالوا نرفع الغُبنَ عن المدارس الأهلية المسيحية‘ - بقلم: زهير دعيم





أرسل خبرا