‘كلفة الانتخابات لا تجعل التصويت إلزاميًا‘ - بقلم: منير يوسف قبطي
قدّم المستشار المالي والخبير الاقتصادي نبيل توتري، في حديثه لقناة هلا الفضائية، معلومات مهمة عن التكلفة المرتفعة للانتخابات، لكنه انتهى إلى استنتاج يحتاج إلى مراجعة عندما قال إن العامل الذي يحصل على أجره
صورة شخصية
قدّم المستشار المالي والخبير الاقتصادي نبيل توتري، في حديثه لقناة هلا الفضائية، معلومات مهمة عن التكلفة المرتفعة للانتخابات، لكنه انتهى إلى استنتاج يحتاج إلى مراجعة عندما قال إن العامل الذي يحصل على أجره في يوم الانتخابات يجب عليه أن يصوّت. فالمعلومات الاقتصادية التي عرضها تستحق النقاش، أما ربط الأجر بضرورة التصويت فينقل الحديث من التحليل المهني إلى خطاب يضغط على المواطن للمشاركة، ويخلط بين إتاحة الحق وفرض ممارسته.
بحسب الأرقام التي قدمها توتري، تبلغ تكلفة الانتخابات نحو أربعة مليارات شيكل، منها قرابة مليار شيكل مخصصة للجنة الانتخابات من أجل إدارة العملية الانتخابية، وتشغيل مراكز الاقتراع، وتوظيف العاملين، وتأمين الانتخابات وصيانة الأنظمة المحوسبة وتحديثها. كما أشار إلى تقرير لاتحاد الصناعيين يقدّر خسارة الاقتصاد في يوم الانتخابات بنحو 2.6 مليار شيكل، نتيجة تعطيل ملايين العاملين، وانخفاض الإنتاج، وتراجع بعض العائدات الضريبية، فضلًا عن الأجور المرتفعة التي يحصل عليها من يواصلون العمل في ذلك اليوم.
هذا الجانب من حديث توتري كان ناجحًا ومفيدًا؛ لأنه كشف أن «العرس الانتخابي» يحمل فاتورة باهظة تدفعها الدولة والمشغّلون والاقتصاد عمومًا. ومن حق الجمهور أن يعرف هذه الأرقام، وأن يسأل إن كان تعطيل سوق العمل يومًا كاملًا هو الوسيلة الوحيدة لضمان مشاركة المواطنين.
ويجب، مع ذلك، التمييز بين النفقات الفعلية والخسائر التقديرية. فما تنفقه لجنة الانتخابات يمثل تكلفة مباشرة، بينما يعبّر مبلغ 2.6 مليار شيكل عن تقدير للإنتاج الذي كان يمكن تحقيقه لو كان ذلك اليوم يوم عمل عاديًا. وقد يُعوَّض جزء من هذا النشاط في أيام أخرى، كما قد تنتعش بعض قطاعات التجارة والمطاعم والترفيه خلال العطلة. لكن ذلك لا يلغي وجود عبء اقتصادي حقيقي يستحق البحث.
المشكلة تبدأ حين ينتقل توتري من عرض هذه الوقائع إلى القول إنه «من غير المنطقي أن يتعطل العامل ولا يصوّت». فهنا يتحول أجر يوم الانتخابات، ضمنيًا، من حق للعامل إلى مقابل مشروط بسلوك سياسي. وكأن الدولة أو المشغّل يقولان له: لقد دفعنا لك أجر هذا اليوم، ولذلك أصبح عليك أن تسدد المقابل بصوتك.
هذا الربط غير صحيح قانونيًا ولا منطقيًا. فالعطلة الانتخابية لم تُقر لشراء مشاركة المواطن، وإنما لإزالة عائق العمل وإتاحة الفرصة أمامه للوصول إلى صندوق الاقتراع. إنها تضمن إمكانية ممارسة الحق، لكنها لا تفرض ممارسته. وهناك فرق جوهري بين أن تقول الدولة للمواطن: «لقد وفرت لك الوقت كي تصوّت إذا أردت»، وبين أن تقول له: دفعت لك أجرًا، ولذلك يجب أن تصوّت.
ويُعرف هذا النوع من الاستدلال منطقيًا باسم «النتيجة غير اللازمة» أو Non Sequitur، لأن النتيجة لا تترتب بالضرورة على المقدمات. ارتفاع تكلفة الانتخابات، وحصول العامل على يوم عطلة مدفوع، لا يؤديان منطقيًا إلى وجوب التصويت. وكما أن توفير الدولة خدمة عامة لا يلزم كل مواطن باستخدامها، فإن توفير الوقت لممارسة الحق الانتخابي لا يحوّل ذلك الحق تلقائيًا إلى واجب.
ولو أرادت الدولة اعتماد التصويت الإلزامي، لاحتاج الأمر إلى قانون صريح يحدد طبيعة هذا الواجب والاستثناءات والعقوبات المترتبة على مخالفته، وإلى نقاش عام واسع حول علاقته بحرية الفرد. أما ما دام القانون يمنح المواطن حق التصويت من دون إلزامه به، فلا يمكن إنشاء هذا الإلزام من خلال تفسير اقتصادي ليوم العطلة.
حرية الانتخابات لا تقتصر على حق المواطن في اختيار حزب أو مرشح، بل تشمل أيضًا حقه في عدم اختيار أيٍّ من الخيارات المعروضة. وقد نرى أن المقاطعة تضعف تأثير المجتمع، وندعو المواطنين إلى المشاركة، لكن الإقناع شيء، وتحميل الممتنع مسؤولية أخلاقية لأنه تقاضى أجرًا شيء آخر. فالمواطن قد يمتنع بسبب اللامبالاة، أو فقدان الثقة، أو عدم اقتناعه بالمرشحين والبرامج، أو احتجاجه على النظام السياسي نفسه.
لذلك، فإن القول إن العامل الذي لا يصوّت يكون قد حصل على عطلة وأجر من دون مبرر يحمّله مسؤولية ليست عليه، ويعفي الأحزاب من مسؤوليتها الأساسية. فبدل سؤال المواطن: لماذا لم تصوّت رغم أنك تقاضيت أجرك؟ ينبغي سؤال الأحزاب: ماذا قدمت كي تستحق صوته؟ وهل وفرت له برامج واضحة ومرشحين جديرين بالثقة وقدرة حقيقية على التأثير والمحاسبة؟
من حق نبيل توتري، كأي مواطن، أن يشجع الناس على المشاركة في الانتخابات، لكن من الضروري الفصل بين صفته خبيرًا اقتصاديًا وبين موقفه المؤيد للتصويت. فعندما يعرض الأرقام ويشرح أثر العطلة في الإنتاج والعائدات الضريبية، يكون في مجال التحليل الاقتصادي. أما عندما يستنتج أن العامل ملزم بالتصويت لأنه تقاضى أجره، فإنه ينتقل إلى الدعاية للمشاركة الانتخابية، حتى لو لم يدعُ إلى التصويت لحزب معين.
ومع ذلك، يفتح الجانب الاقتصادي من حديثه الباب أمام سؤال عملي مهم: إذا كان يوم العطلة الشاملة يكلف الاقتصاد مبالغ كبيرة، فهل يمكن تنظيم الانتخابات بطريقة تقلل هذه الخسائر من دون التضييق على حق المواطن؟
يمكن منح العامل عدة ساعات مدفوعة للتصويت بدل تعطيل يوم عمل كامل، أو تمديد ساعات الاقتراع، أو إتاحة التصويت المبكر. ويمكن أيضًا وضع صناديق اقتراع في المؤسسات الكبيرة والمناطق الصناعية والمستشفيات، أو تشغيل صناديق متنقلة تنتقل وفق جدول معلن بين أماكن العمل البعيدة.
لكن هذه البدائل يجب أن تخضع لإشراف كامل من لجنة الانتخابات، وأن تضمن سرية التصويت ومنع تكراره، وألا تسمح لصاحب العمل أو الإدارة بالتأثير في العامل أو معرفة اختياره. وإذا كان وجود الصندوق داخل المؤسسة قد يعرّض العامل للضغط، فيمكن وضعه في موقع محايد قريب يخدم عدة أماكن عمل.
بهذه الطريقة يصبح النقاش الاقتصادي منتجًا: بدل مطالبة العامل بالتصويت لأنه حصل على أجر، نبحث عن نظام انتخابي أكثر مرونة، يحافظ على الإنتاج ويمنح المواطن فرصة حقيقية للمشاركة. فمعالجة تكلفة الانتخابات تكون بتطوير طريقة إدارتها، لا بتحويل أجر العامل إلى وسيلة ضغط عليه.
لقد وُفّق نبيل توتري في لفت الأنظار إلى الفاتورة الاقتصادية للانتخابات، لكنه لم يوفَّق في ربط الأجر بوجوب التصويت. فالمال الذي يحصل عليه العامل ليس ثمنًا لصوته، والعطلة ليست عقدًا سياسيًا بينه وبين الدولة. وإذا أردنا رفع نسبة المشاركة، فعلينا استعادة ثقة المواطن وتقديم خيارات تستحق صوته؛ لأن المواطن يذهب إلى صندوق الاقتراع عن اقتناع، لا لتسديد فاتورة يوم عطلة.
من هنا وهناك
-
المحامي يوسف مصاروة يتحدث عن قضية البيوت المهددة بالهدم في الطيبة
-
د. سليم بريك يتحدث عن قرارات لجنة الانتخابات المركزية بخصوص شطب مرشحين وقوائم
-
المحاميان شادي شويري وأمير بشارات يتحدثان عن هدم البيوت العربية في البلدات العربية وانتخابات الكنيست
-
سامي أبو شحادة يتحدث عن قرار شطبه من الانتخابات للكنيست
-
عبد الحكيم دهامشة يتحدث عن توقعات نسبة التصويت في المجتمع العربي
-
المرشد الأسري وهبي عامر يتحدث عن امتحانات الموهوبين
-
المحامي د. سلمان خير يتحدث عن طلبات شطب القوائم والمرشحين
-
عاطف العالم يتحدث عن سوق العقارات في البلاد
-
ماجد صعابنة يتحدث عن الحراك الحزبي قبيل انتخابات الكنيست
-
بهيج منصور يتحدث عن الاعتبارات التي تتخذها لجنة الانتخابات المركزية في قرارات شطب حزب معين او مرشح معين





أرسل خبرا