حكومة إسرائيل: بين الاستعلاء السياسيّ وسياسة الاستعلاء | بقلم: المحامي زكي كمال
تتبدّل الأزمان وتمرّ الأيّام وتتزاحم الأحداث القاسية والمأساويّة أحيانًا، لكنّها هي ذاتها النظرة الفوقيّة والاستعلائيّة، التي تشكّل عصب السياسة الإسرائيليّة عامّة،
المحامي زكي كمال
وبشكل خاصٍّ وبارز وربما يكون حصريًّا في عهد حكومة اليمين الحاليّة. وهي منبع قراراتها والعامل الذي يوجّه خطواتها، على الصعيد الإقليميّ، وخاصّة تلك المتعلّقة بعلاقة دولة إسرائيل بجاراتها القريبة من الدول العربيّة ومنها لبنان وسوريا، أو البعيدة كاليمن وقطر والعراق، والفلسطينيّين في الضفة الغربيّة التي تعاني إرهاب المستوطنين وقطاع غزة ال;ي يسيطر الجيش الإسرائيليّ على أكثر من ستين بالمئة من أرضه ويواصل يوميًّا عمليّاته العسكريّة، رغم وقف إطلاق النار ونظرتها إليهم، والتي تتّسم بعوامل فوقيّة ملخّصها أن القوة والمزيد منها هو أسلوب التعامل الوحيد، أو لغة الحوار الوحيدة الممكنة، وأن تسوية الأمور لا تتمّ إلا بالنار والحديد، يضاف إليها عدم الاهتمام بمواقفها، وصولًا إلى الاستخفاف وعدم أخذهم بعين الاعتبار من منطلق كونها الدولة الأقوى عسكريًّا والتي تحظى بدعم سياسيّ تلقائيّ ومطلق من الولايات المتحدة ودول أوروبيّة عديدة، وكذلك الصعيد الدوليّ عبر رفض كافّة المواقف الدوليّة المنتقدة لسياساتها والتي تكون عادة خجولة ودبلوماسيّة وناعمة من الدول الأوروبيّة، بل أقرب الى إسداء النصح بين أصدقاء، واعتبارها دون فحصها معاداة للسامية ووقوفًا إلى جانب الإرهاب، حتى لو سبقتها قبل أيّام شحنات من المعدّات القتالية من هذه الدول إلى إسرائيل أو معارضة لقرارات دوليّة ضدها. وهو الحال على الصعيد المحليّ منذ الأيّام الأولى للحكومة الحاليّة حكومة اليمين الخالص كما يصفونها، عبر خطواتها التي حاولت عبرها تنفيذ انقلاب دستوريّ مستغلّة أغلبيّة برلمانيّة ثابتة بدأت بأربعة وستين نائبًا في البرلمان وارتفعت إلى ثمانية وستين مع انضمام جدعون ساعر وأعضاء حزبه إلى الائتلاف، مستغلّة ذلك لتشريعات قاسية ودوس لحقّ الأقليّة البرلمانيّة في النقاش والتعبير عن الرأي وإبداء الموقف المعارض، خاصّة في لجنة القانون والدستور والقضاء برئاسة النائب سيمحا روتمان من حزب الصهيونيّة الدينيّة ولجنة الأمن الداخليّ برئاسة النائب المنتهية ولايته تسفي فوغل من حزب القوة اليهوديّة برئاسة ايتمار بن غفير وغيرهما، أو عبر اتهام كل من يعارض الحرب في غزة بأنه داعم لحماس ومعارض خطير تمس مواقفه جنود الجيش، وصولًا إلى استعلاء سياسيّ يشمل رفض تحمّل المسؤوليّة عن هجمات السابع من أكتوبر، ويعلن كما نشهد منذ بداية الحملة الانتخابيّة الحاليّة، أولئك المعارضين له سياسيًّا بأنهم سيقيمون دولة فلسطينيّة، ويطالبهم بالولاء لمواقفه، ومنها رفض إشراك الأحزاب العربيّة في أيّ ائتلاف مستقبليّ باعتبارهم خارج الإجماع القوميّ اليهوديّ، أو طابور خامس يؤيّد الإرهاب.
حديث عن ضمّ أجزاء من الدول العربيّة الجارة إلى أرض إسرائيل التوراتيّة
ما سبق، خاصّة على ضوء استمراره إقليميًّا، وبتفاوت ما على مدار عهد الحكومات الإسرائيليّة المتتالية، وتحوّله إلى سياسة واضحة للحكومة اليمينيّة الحاليّة عبر حديث عن ضمّ أجزاء من الدول العربيّة الجارة إلى أرض إسرائيل التوراتيّة، وبعضها مواقع وصلت إليها العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة التي وصلت العاصمة القطريّة الدوحة مع تهديدات بأن تصل أنقرة أيضًا، يستوجب البحث الجادّ والنظرة الواعية، حول الدوافع الكامنة وراء سياسات وتصرّفات الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة واستخفافها بالدول المجاورة والبعيدة. وهو موضوع معقد وشديد الحساسية، وتتعدّد حوله وجهات النظر من جهة، وتتنوّع المواقف حول جدواه والعوامل التي تغذيه، خاصّة وأن بعض السياسات أو التصريحات الصادرة عن أطراف في اليمين الإسرائيليّ تعكس نظرة استخفاف، أو عدم تقدير كافٍ للمواقف والقدرات للدول وخاصّة العربيّة، أو تنطلق من أيديولوجيّات قوميّة متشدّدة تؤثّر على التعامل الدبلوماسيّ والأمنيّ مع الإقليم والمحيط القريب، تترجم إلى مواقف منبعها الرئيسيّ هو الرؤية الاستراتيجيّة التي تركِّز على الأمن القوميّ الصارم، واعتبار كل خطر خارجيّ، وربما لأسباب سياسيّة داخليّة، خطرًا وجوديًّا بالإضافة إلى منطلقات أيديولوجيّة يمينيّة تتعلّق بأرض إسرائيل والسيادة، ويقينًا بكون السياسة الخارجيّة والأمنيّة تحكمها مصالح سياسيّة إقليميّة وموازين قوى، مع الإشارة إلى أن توقيع إسرائيل اتفاقيّات سلام وتنسيق أمنيّ ومع عدة دول عربيّة، قد يفسّره البعض خطأً على أنه اعتراف بأهميّة ودور هذه الدول وقياداتها في المنطقة، لكن إسرائيل تراه من منظور مصلحتها الذاتيّة أوّلًا خاصّة تلك الفوائد الأمنيّة التي تجنيها منه، وثانيًا دوره من منظور إسرائيل، في جعل النزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ يبتعد عن صدارة الاهتمام العالميّ والإقليميّ.
وإذا كان هذا لا يكفي، فإن إسرائيل ومنذ العام 1948، ولكن تحديدًا وبشكل خاصّ منذ بداية عهد الحكومة الحاليّة، وبشكل متزايد منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث لا بدّ من الاعتراف بالحقيقة وهي مرّة ومؤلمة، وملخّصها النظر إلى القرارات العربيّة الجماعيّة والفرديّة على حدّ سواء، بتهكم أو استخفاف باعتبارها غير ناضجة سياسيًّا، إضافة إلى التعامل مع كافّة الدول والشعوب العربيّة، على أنها تفتقر إلى التعدديّة الثقافيّة والسياسيّة، والاجتماعيّة، سمتها الرئيسية العجز والحاجة إلى عون خارجيّ في كلّ أزمة، وأزمة السعوديّة والحوثيّين الأخيرة وتوجّه السعوديّة إلى الولايات المتحدة طلبًا للمساعدة، هو دليل إضافيّ على ذلك، ناهيك عن وصم العربيّ والفلسطينيّ أينما كان أنه ينساق دون عقلانيّة وراء قياداته ومعظمها غير ديمقراطيّ بل أكثر، وأنه غير قادر على إحداث أيّ تغيير إيجابيّ، سياسيًّا كان أم اقتصاديًّا، مع تجاهل إنجازات هذه الشعوب والتركيز على إخفاقاتها ومظاهر الفساد فيها، وعرضها، وهذا صحيح ولمزيد الأسف، على أنها شعوب غير مؤهّلة لتطبيق الديمقراطيّة والتمتّع بالحريّة أو الاستقرار. وهو توجّه يغذّيه عدد من المحلّلين السياسيّين الإسرائيليّين والإقليمييّن، والذين يتم وصفهم دون حقّ، على أنهم خبراء في الشؤون العربيّة، يلعبون دورًا مؤثّرًا في تكريس النظرة الاستعلائيّة والاستخفاف بالدول العربيّة والشعوب العربيّة، التي لا تسود فيها الديمقراطيّة ولا يتمتّع الفرد بحرّيته في دولته ووطنه عبر تحليلات تعزِّز سرديّات نمطيّة جاهزة، تؤكّد عجز الدول العربيّة والعرب وضعفهم، تفسير الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة التي يشهدها العالم العربيّ، ومن منطلق الفوقيّة التي تستند إلى تقدّم إسرائيل صناعيًّا وتقنيًّا وأكاديميًّا وتفوّقها العسكريّ الواضح، على أنها النتيجة المباشرة للعجز سابق الذكر أو محصّلة معوّقات ثقافيّة ودينيّة ترفض العصرنة والتحرّر والتقدّم رغم صحّتها في الكثير من الأحيان، خاصّة مع تزايد قوّة الحركات الدينيّة الأصوليّة في الشرق الأوسط بدلًا من تحليلها وفق معايير سياسيّة واقتصاديّة وأحيانًا تاريخيّة، فضلًا عن عرض منطقة الشرق الأوسط، وكأنها موقع لعدم الاستقرار، لا يمكن لدوله أو شعوبه إدارة شؤونها بشكل مستقلّ.
تفوّق مطلق في إجادة قراءة المستجدات واتّخاذ القرارات
هذه النظرة الاستعلائيّة انعكست إقليميًّا وعالميًّا في تجاهل ورفض التحذيرات الاستخباراتيّة قبل السابع من أكتوبر 2023، انطلاقًا من الاعتقاد الإسرائيليّ الراسخ المبنيّ على أساس تمتّع القيادة السياسيّة والعسكريّة الإسرائيليّة، بتفوّق مطلق في إجادة قراءة المستجدات واتّخاذ القرارات، والإيمان أن الاستخبارات الإسرائيليّة وتقييماتها هي الوحيدة الجديرة بالاهتمام، وهو جزء من تلك النظرة الاستعلائيّة أو "المفهوم والعقيدة" (Conception)، ومفادها أن حركة حماس خائفة وعاجزة عن التفكير في هجوم عسكريّ كبير. وهو نتاج نظرة فوقيّة استخفّت بالفكر الأصوليّ الذي يحكم حركة حماس، واعتبرت أنها لا تملك الجرأة أو الكفاءة لكسر قواعد الاشتباك التقليديّة، واستعلاء سببه اعتماد إسرائيل على مفهوم الأمن الذي توفّره، أو من المفروض أن توفّره، الجدران الإلكترونيّة الذكيّة، وأجهزة الاستشعار المتطوّرة، والرقابة التكنولوجيّة، وكلّها عوامل ولدَّت شعورًا بالنشوة، نهايته كانت تجاهل المؤشّرات البشريّة والتحرّكات الميدانيّة، إيمانًا منها أن التكنولوجيا قادرة على إحباط أيّ تهديد عسكريّ، والنتيجة واضحة ومأساويّة حيث حال الاستعلاء السياسيّ والاستخباراتيّ والعسكريّ دون تمكين أجهزة الاستخبارات من قراءة وتحليل المؤشّرات والمعلومات الاستخباريّة بشكل صحيح.
وهو الحال أيضًا في العلاقة الدبلوماسيّة والسياسيّة بين إسرائيل والدول الأوروبيّة وحتى الولايات المتحدة التي لم تتردّد إسرائيل في إعلان عزمها عن التنازل عن معوناتها الماليّة والدعم السنويّ بقيمة مليارات الدولارات، فالساحة الأوروبيّة تشهد فجوة متزايدة بين إسرائيل وأوروبا، مردّها خاصّة بعد السابع من أكتوبر 2023، الاستعلاء الإسرائيليّ في التعامل مع القانون الدوليّ، خاصّة على ضوء مجريات الحرب في غزة، والتي كشف بعضها فيلم "نازا" (الضرر غير المباشر)، وسنعود إلى الردود عليه وهي ليست مختلفة، فحكومة إسرائيل لا تكتفي برفض قرارات محكمة العدل الدوليّة والمحكمة الجنائيّة الدوليّة، بل تعتبرها ومن باب الاستعلاء معاداة للسامية وفرية دمويّة، دون أن تكبد إسرائيل نفسها، عناء الفحص أو التحقيق أو الحوار، وليس ذلك فقط، بل إنها تحاول توظيف التاريخ ومجرياته للاستقواء على تلك الدول، واتّخاذ إجراءات عقابيّة بحقّها كان آخرها إغلاق القنصليّة البريطانية في القدس الشرقيّة ردًّا على قيود تجاريّة فرضتها لندن على مصنوعات ومنتجات المستوطنات وشخصيّات يمينيّة استيطانيّة، إضافة إلى محاولة المزايدة على الغرب، بادّعاء أن الحرب الأخيرة في غزة والحرب ضد ايران وحزب الله، هي حروب تشنّها إسرائيل دفاعًا عن الحضارة الغربيّة ضد قوى الإرهاب البربريّة المتعطّشة للدماء، لكن هذا الخطاب لم يعد يلقى صدى كبيرًا لدى الشارع العالميّ الذي يرى في استمرار النزاع تهديدًا للاستقرار الاقتصاديّ وخرقًا للمواثيق الدوليّة. وهو ما يؤكّده التآكل الحادّ في موثوقيّة إسرائيل، وقد أشارت الاستطلاعات الأخيرة إلى أن أقل من 17% من الألمان مثلًا يرونها شريكًا موثوقًا، وهي نسبة من المتوقّع أن تنخفض بسبب الفيلم سابق الذكر "نازا" والذي أخرجه الإسرائيليّان، يوفال أبراهام وراحيل شور، ويتحدّث عن شهادات 24 من ضبّاط الاستخبارات والجنود الإسرائيليّين، وما يصفه صانعوه بأنّه منظومة متكاملة لاستهداف الفلسطينيّين في غزة تعتمد على المراقبة والذكاء الاصطناعيّ والقصف عن بُعد دون اكتراث بعدد القتلى من المدنيّين حتى لو بلغ المئات وفق شهادات معيّنة، والذي رحّبت به معظم الدول الأوروبيّة خاصّة بعد عرضه الاحتفاليّ في مهرجان فينسيا الدوليّ الثالث والثمانين للأفلام، والذي اتّسم الردّ الإسرائيليّ عليه بالتعالي والغطرسة، دون مشاهدته وقبل مشاهدته، ورغم ذلك وصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه "تحريض صادم"، كما دعا مسؤولون وشخصيّات سياسيّة إلى التحقيق مع المشاركين في تقديم الشهادات، وذهب بعضهم إلى المطالبة بسحب جنسيّتهم بدعوى كشف معلومات سريّة. أعلن وزير الثقافة الإسرائيليّ ميكي زوهر عزمه التحرّك لسحب الجنسيّة الإسرائيليّة من المخرجين، فيما أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، أن الجيش سيستخدم الوسائل المتاحة له لمواجهة الفيلم، متّهمًا الفيلم بتشويه الوقائع والإساءة إلى المؤسّسة العسكريّة، وهذا كما سبق دون مشاهدة الفيلم والاطلاع عليه بل بشكل تلقائيّ، وهو ما ردّت عليه صحيفة "الغارديان" المسؤولة عن الإنتاج، ببيان أعلنت فيه عن قلقها ممّا وصفته بردود الفعل الاستعلائيّة، مؤكّدة أن شهادات الفيلم صحيحة وخضعت للتحقّق والتمحيص، دون أن يحول ذلك دون ردود فعل انفراديّة وعدوانيّة من قبل مؤيّدي أحزاب يمينيّة متطرّفة وملاحقات وتهديدات لأفراد عائلات المخرجَيْن، مع التنويه إلى أن الفيلم ، وبعد عرضه الاحتفاليّ في البندقيّة، سوف يعرض في السادس والعشرين من أيلول الحاليّ، ضمن مهرجان نيويورك السينمائيّ.
إقصاء الأحزاب العربيّة من أيّ ائتلاف مستقبليّ
الحملة الانتخابيّة الحاليّة، ومواقف الأحزاب بمعظمها من الأحزاب العربيّة ومحاولات شطبها، هي نموذج آخر من نماذج استعلائيّة حكومة اليمين الحاليّة، والتي تريد أن يتساوق الجميع معها وإلا فإن لائحة اتهامهم بالخيانة والتنازل والرغبة في تشكيل حكومة مع العرب، عبر خلق تكرار مدروس، من الليكود قوامه امتحانات قبول يصيغها بنيامين نتنياهو، ويضطرّ منافسه الأبرز رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب "يشار" غادي آيزنكوت لقبولها والتساوق معها، خاصّة بكل ما يتعلّق بإقصاء الأحزاب العربيّة من أيّ ائتلاف مستقبليّ، وتأييد شطب رئيس حزب التجمّع الوطنيّ سامي أبو شحادة بداعي دعم عمليّات حماس وهجماتها في السابع من اكتوبر2023، وهذا رغم معرفة آيزنكوت وأحزاب المعارضة، كون هذه الاختبارات مصائد سياسيّة يضعها نتنياهو باستمرار لإحراج خصومه، أو إجبارهم على تقديم تنازلات، سواء كانت الموقف من الأحزاب العربيّة أو مصيدة التناوب أو محاولته تكريس نفسه، على أنه القائد العسكري الأفضل، متجاهلًا إخفاقات السابع من أكتوبر وآلاف الضحايا، وعدم تحقيق أيّ انتصار مُطلق في أيّ من الجبهات من غزة إلى لبنان واليمن وطهران، أو عقدة الكتل، وهو التسمية التي يطلقها المراقبون على تماسك معسكر نتنياهو واليمين مقابل تشرذم المعارضة، حتى هذا الحين. والدليل تماسك معسكره اليمينيّ، وهنا يجد غادي آيزنكوت نفسه مجبرًا على إثبات نقائه السياسيّ وتقديم نفسه على أنه النقيض الأخلاقيّ والسياسيّ، لأسلوب الشعبويّة والشعارات دون رصيد، ويبقى الامتحان النهائيّ مرهونًا بقدرته على وتجاوز عقبة الـ 61 مقعدًا لتشكيل حكومة مستقرّة بدون الأحزاب العربيَّة.
ما سبق كلّها ظواهر تشهدها إسرائيل حاليًّا لكن جذورها تكمن في التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة في إسرائيل، وتحديدًا انتقال اليمين الإسرائيليّ من خانة اليمين الليبراليّ العلمانيّ، والأمنيّ، اقتداءً بمدرسة زئيف جابوتينسكي صاحب نظريّة الجدار الحديديّ والأمن القوميّ والمصالح الإستراتيجيّة، ومناحيم بيغن وربما نتنياهو في بداياته، إلى اليمين الأرثوذكسيّ، والخلاصيّ، الذي يمثّله تيار "الصهيونيّة الدينيّة" وقادة مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، الذي يعتبر السيطرة على الأرض وخاصّة الضفة الغربيّة، واجبًا دينيًّا خلاصيًّا، بغضّ النظر عن الكلفة السياسيّة أو الأمنيّة والدوليّة، بل ربما عبر التعالي على الجميع واعتبارهم أعداء لإسرائيل، وبالتالي تجاهل مواقفهم واعتبارها عداءً للساميّة على الأقلّ، إضافة إلى تراجع نفوذ النخب العلمانيّة "الأشكنازيّة" القديمة التي أسّست الدولة.
والخلاصة، تعيش إسرائيل تحت حكومتها الحاليّة قمّة وذروة سياستها التي تميّزها النظرة الفوقيّة تجاه الجارات من الدول العربيّة والفلسطينييّن والمواطنين العرب والمعارضة السياسيّة والحزبيّة، وليس ذلك فقط بل تجاه المؤسّسات الدوليّة ودول العالم، ما يزيد من اتّساع الفجوة بين ما تصفه وتعتبره إسرائيل، أنه حقّها الطبيعيّ والمشروع، في الدفاع عن النفس وبين ما يراه العالم من جهة، وبين الديمقراطيّة التي يدّعون وجودها في إسرائيل، وبين ممارسات الائتلاف الحاليّ الإقصائيّة، وأسلوب التخوين تجاه المواطنين العرب واتّباع نهج استعداء المعارضة. وجعل الانتخابات ساحة للمناكفة المتزمّتة والمتطرّفة والتهديدات الجسديّة، والتحريض والتفرقة، بدلًا من النقاش الإيديولوجيّ والإقناع حول استمرار ما هو قائم، أو السعي نحو الجديد والتغيير. وهذا ما تحتاجه إسرائيل اليوم، وليس المزيد من العداء والإقصاء والاستعلاء السياسيّ والدينيّ والعرقيّ، وعن هذا قال ابن خلدون إنّ تفشّي الغطرسة في أهل الدولة، هو أوّل عوارض الهرم.
من هنا وهناك
-
‘باب المندب: هندسة الواقع وإعادة رسم التوازنات البحرية‘ - بقلم: أسعد عبدالله عبدعلي
-
‘أعضاء الكنيست العرب: تعالوا نرفع الغُبنَ عن المدارس الأهلية المسيحية‘ - بقلم: زهير دعيم
-
الانتخابات في اسرائيل والسلطة الفلسطينية: جديد آت أم تكرار لما كان؟
-
مقال: الأردن في خط المواجهة: لماذا تعتبر تهديدات نظام إيران غير مقبولة؟ بقلم: د. عيد النعيمات
-
مقال: ألمانيا في مشهدين: جدار برلين وانتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت - بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
-
‘مؤشرات الانهيار الاقتصادي و كلفة إعادة إعمار قطاع غزة‘ - بقلم: د. ماهر تيسير الطباع
-
‘العبرية: عندما يصطدم الطالب العربي بحاجز اللغة‘ - بقلم: رائد برهوم
-
مقال: خيوط الشطرنج الإقليمية: هل تعرقل الضغوط الخارجية حصر السلاح في العراق أم تُعجل بالحسم الوطني؟
-
‘ملاحظات في الحالة السياسية والخطاب النخبوي في الداخل‘ - بقلم: أمير مخول
-
‘حين تصبح المحاسبة مطلباً أميركياً وإسرائيلياً .. ماذا يفعل الفلسطيني في الميدان؟‘ - بقلم: علاء كنعان





أرسل خبرا