المحامي علي أحمد حيدر يكتب: نتنياهو يدفع نحو صدام داخلي ومواجهة بين المجتمعين العربي واليهودي
ما إن بدأت المعطيات الحقيقية لنتائج انتخابات الكنيست بالظهور، مشيرةً إلى نسبة تصويت تاريخية وغير مسبوقة في المجتمع العربي، وإلى زيادة غير مسبوقة أيضًا في التمثيل العربي، حتى أصيب اليمين الإسرائيلي،
المحامي علي أحمد حيدر - صورة شخصية
ووسائل الإعلام، وحتى بعض أحزاب ما يُسمّى "معسكر التغيير"، بصدمة كبيرة.
من المبكر إجراء تحليل معمّق وشامل لنتائج الانتخابات، لكن من الواضح أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، رغم بقاء حزبه الأكبر في الكنيست، ورغم أن معسكر اليمين الذي يقوده لا يزال المعسكر الأكبر، يُعدّ الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات. فقد تقلّص معسكره بصورة كبيرة، من 68 مقعدًا إلى 53 مقعدًا، وبات عاجزًا عن تشكيل حكومة في الوضع الراهن.
لقد أسهم المجتمع العربي إسهامًا فعّالًا في إدخال نتنياهو إلى مأزق سياسي صعب. ولذلك، يستحق كل فرد من أبناء وبنات المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل الشكر والتقدير، فقد رأوا في هذه الانتخابات لحظة تحدٍّ وحضور جماعي، وأصرّوا، رغم كل شيء، على تحقيق إنجاز تاريخي غير مسبوق.
لم تكن هناك حاجة إلى بذل جهود كبيرة لإقناع الغالبية الساحقة من أبناء المجتمع العربي بأهمية المشاركة في هذه الانتخابات. فعلى مدار أربع سنوات من حكم هذه الحكومة الظالمة، رأى الناس وشعروا بأن السياسة ليست ترفًا فكريًا، بل إنها تؤثر في حياتهم اليومية بصورة مباشرة وملموسة، من خلال هدم المنازل، وتهويد النقب والجليل، وملاحقة السياسيين والمواطنين العاديين، والاعتداء على الأطباء والممرضين وسائقي الحافلات والمعلمين، وتراجع الشعور بالأمان في الحيّز العام والخاص، وتغلغل منظمات الإجرام وتفاقم الجريمة، من دون أن تتخذ الحكومة إجراءات جدية لوقفها. ويضاف إلى ذلك ابتزاز السلطات المحلية العربية بشأن الميزانيات المخصصة لها، وسياسات التضييق والاعتقال، وغيرها من الممارسات والتشريعات التي لا يتّسع المجال لتفصيلها هنا.
وكل ذلك يجري في ظل حرب على غزة، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، والتنكيل بالإنسان والاعتداء على البشر والحجر والشجر، واقتحام المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. ولا ينسى أحد ما قام به عضو الكنيست تسفي سوكوت حين اقتحم مدارس في طوبا الزنغرية والقدس وأم الفحم، وهو يحمل منشارًا كهربائيًا لقطع سلاسل الأبواب، ولا تصريحات إيتمار بن غفير ورسائله المصوّرة الموجّهة إلى المجتمع العربي، التي يردّد فيها: "برا، برا".
لقد أدرك المجتمع العربي أن التصويت هو إحدى أهم الأدوات المتاحة لمواجهة هذه الحكومة وإسقاطها، فقرّر المشاركة بكثافة، وهذا ما حدث، من دون أن يكون ذلك نتيجة تأثير خارجي أو حملة إقناع واسعة قادتها الأحزاب. وطالما أشرت إلى أن المجتمع العربي في الداخل يسبق قيادته في كل أزمة، وقد تجلّت صحة هذه المقولة بوضوح من خلال المشاركة في الانتخابات الراهنة.
"سياسي مراوغ"
لقد أدخلت هذه النتائج اليمين ونتنياهو في حالة من التخبط والارتباك. فمنذ ظهور النتائج، ينشر نتنياهو، كل بضع ساعات، منشورًا جديدًا يحرّض فيه على العرب والأحزاب العربية، متهمًا المجتمع العربي بسرقة الانتخابات وتزويرها، أو مروّجًا أكاذيب عن الاستعانة بتمويل خارجي، رغم نفي لجنة الانتخابات المركزية والشرطة والشاباك هذه الادعاءات على مدار الأيام السابقة. ومع ذلك، يصرّ على تكرارها وترويجها ونشرها، ودفع الأجهزة والمؤسسات إلى التحقيق( والمفارقة انه هو الذي يرفض إقامة لجان تحقيق بخصوص السابع من أكتوبر 2023 وهو من يعمل في مكتبه موظفين يعملون لصالح الدولة نفسها التي يتهمها بالتأثير على الانتخابات من خلال التمويل)، ولا سيما أننا نعيش في عصر ما بعد الحقيقة، حيث يمكن تكرار الأكاذيب إلى حدّ يصبح معه بعض الناس مستعدين للتعامل معها بوصفها حقائق.
أعتقد أن نتنياهو لا يسعى فقط إلى نزع الشرعية عن التمثيل السياسي العربي وعن المجتمع العربي عمومًا، بل يحاول أيضًا استفزازه ودفعه نحو صدام داخلي ومواجهة بين المجتمعين العربي واليهودي، بما يفتح (جبهة إضافية في الداخل)، ويحوّل المواطنين العرب إلى ما يشبه "عدو من الداخل" في الخطاب السياسي والممارسة وهذا استمرار لانموذج التخويف المتواصل الذي يعتمده بشكل دائم. وفي مثل هذه الحالة، تتصاعد الكراهية للعرب، ويلتف المجتمع اليهودي حول نفسه، بما قد يهيّئ الظروف لإقامة حكومة وحدة وطنية أو حكومة يمينية موسّعة. علينا أن ندرك خطورة هذه المرحلة، وأن نكون على يقظة تامة إزاء هذه المحاولات ومآلاتها المحتملة.
ومن الضروري أن تتحمّل الأحزاب والقيادات وأصحاب الرأي مسؤولياتهم في مواجهة التحريض، والحفاظ على الإنجاز الذي حققه المجتمع العربي، والعمل على منع هذا السيناريو من التحقّق.
فنتنياهو لا يهمّه سوى نفسه ومصالحه السياسية. إنه سياسي مراوغ، لا يتورّع عن توظيف التحريض والأكاذيب في سبيل البقاء في السلطة وتعزيز مكانته السياسية. وهو مستعد لفعل كل ما يلزم لتحقيق ذلك، حتى لو كان الثمن تأجيج العلاقات بين العرب واليهود في البلاد وزيادة التوتر والكراهية وحتى جرها إلى صدام عنيف.
من هنا وهناك
-
‘ رحلة ابن فطومة: ماذا تقول عن مجتمعنا اليوم؟‘ - بقلم: منير يوسف قبطي
-
‘هل ينجح فريق برشلونة أمام سان جيرمان فيما لم ينجح به السيتي؟‘ - بقلم: زهير دعيم
-
الطابور ( قصة قصيرة) بقلم: منال مصطفى
-
مقال: أزمة تأجيل الانتخابات: المسؤولية فصائلية والمعالجة وطنية - بقلم: فتحي كليب
-
‘تحالف الردع الثلاثي في مكة: معادلة أمنية جديدة تعيد رسم توازنات الخليج‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
‘تحويل السؤال والنقد والمراجعة إلى ممارسة تربوية ومجتمعية‘ - بقلم: الباحث د. رافع حلبي – دالية الكرمل
-
‘ أنا لست صفرًا على اليسار ‘ - بقلم: هادي زاهر
-
‘العنف ليس قدرا‘ - بقلم: مصطفى عبد الفتاح
-
المعلّم السوبر مان - بقلم منال مصطفى
-
المحامي زكي كمال يكتب: التطرف الديني والقومي سبب الحروب والنزاعات





أرسل خبرا