‘شبكة الوكلاء الإقليمية لطهران: هندسة التراجع أم محاولة للبعث الجيوسياسي؟‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
تُظهر التحولات المتسارعة في مشهد الشرق الأوسط إصرار النظام الإيراني على إبقاء خيار الحروب بالوكالة العصب الأساسي لعقيدته الأمنية واستراتيجيته الخارجية. وفي ظل الضغوط الهيكلية المتصاعدة والأزمات البنيوية العميقة
صورة شخصية
التي تعتصر الداخل الإيراني، تسعى طهران إلى إعادة تدوير شبكة الميليشيات الإقليمية وتأهيلها لتجاوز مرحلة الانتكاسات الميدانية والضربات الاستخبارية القاسية التي تلقتها قياداتها مؤخراً، مما يفتح باباً واسعاً أمام قراءة تحليلية موضوعية لطبيعة هذه التحولات وتداعياتها الجيوسياسية المباشرة.
إعادة هندسة الشبكة وتكييف التكتيكات العملياتية
كشفت تقارير استخبارية دولية وميدانية متطابقة، أبرزها ما نشرته شبكة سي إن إن نقلاً عن خبراء ومسؤولين، أن المجموعات المسلحة المدعومة من طهران لم تتفكك كلياً رغم الخسائر الفادحة، بل انخرطت في عملية تحول وتكيف هيكلي. تهدف هذه العملية إلى تأمين خطوط الإمداد وإعادة ترتيب الصفوف وفق بيئة أمنية جديدة تفرضها المعادلات العسكرية المستحدثة. وتعمل هذه الكيانات على تدوير أولوياتها التشغيلية بما يضمن الحفاظ على التنسيق الأيديولوجي والاستراتيجي مع مركز القرار في طهران، متجنبة في الوقت ذاته الوقوع في فخ المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تفضي إلى تفكيك بنيتها كلياً.
الحوثيون في اليمن: مسارات الاستقلال الاستراتيجي والإمداد النوعي
تبرز جماعة الحوثي في اليمن كواحدة من أكثر الأذرع الإقليمية قدرة على المناورة والمحافظة على استقلالية نسبية في اتخاذ القرارات الميدانية، رغم انضوائها الكامل ضمن الفلك الاستراتيجي الإيراني. وقد تجسد هذا البعد في الأزمة المستجدة حول مطار صنعاء، إثر الاتهامات الموجهة للمملكة العربية السعودية باستهدافه لعرقلة وصول وفد رفيع قادم من طهران، وهو ما توازى مع مساعٍ حثيثة لتدشين رحلات جوية مباشرة بين العاصمتين لأول مرة منذ عقد كامل. يقرأ المراقبون هذه الخطوة باعتبارها تحولاً نوعياً يهدف إلى تعزيز خطوط التواصل اللوجستي وتكريس عمق استراتيجي جديد يخدم المصالح المشتركة للطرفين.
المركزية العقيدية لـ حزب الله ورسائل القيادة العليا
في المقابل، يظل حزب الله في لبنان يحتل الموقع المرجعي والمحوري الأبرز في العقيدة الإقليمية الإيرانية. فقد أثبت الهيكل التنظيمي للحزب قدرة استثنائية على التعافي السريع فاقت التوقعات الأمنية والعسكرية عقب الضربات الهيكلية الموجعة. وفي هذا السياق الدقيق، جاءت الرسالة الرسمية التي وجهها مجتبى خامنئي - الذي آلت إليه مقاليد القيادة في إيران عقب وفاة علي خامنئي- إلى الأمين العام للحزب نعيم قاسم، لتؤكد الدعم المطلق والالتزام الاستراتيجي طويل الأمد، واصفة الحزب بأنه الخط الأمامي المتقدم لمشروع النفوذ الإقليمي الإيراني.
إنذارات دول الطوق وتكلفة استنزاف الجوار
أثارت هذه التحركات المتسارعة حالة من الاستنفار الأمني والسياسي العالي في عواصم الجوار الإقليمي، لا سيما في الأردن والسعودية. فقد وجهت عمّان تحذيرات شديدة اللهجة إلى الحكومة في بغداد، مؤكدة جاهزيتها لتنفيذ ضربات استباقية داخل الأراضي العراقية حال استخدام الميليشيات المرتبطة بـ حرس النظام الإيراني الأجواء أو الأراضي العراقية منطلقاً لشن هجمات عدائية ضد المملكة، مدعومة بمعلومات استخبارية دقيقة. وعلى الصعيد ذاته، رصدت الرياض هجمات متكررة بصواريخ ومسيرات انطلقت من مناطق نفوذ تلك الفصائل في العراق، مما دفعها للضغط المكثف على السلطات العراقية لفرض ضبط أمني صارم وكبح جماح تلك التجاوزات.
أفق مسدود وخيارات وجودية متآكلة
يؤكد الرهان المستمر لنظام الولي الفقيه على ورقة الوكلاء أن طهران تفتقر إلى البدائل التنموية والسياسية، وتعتبر هذا النهج خياراً وجودياً لا غنى عنه لتصدير أزماتها الهيكلية العميقة ومحاولةً لإطالة أمد نفوذها الخارجي. ورغم محاولات الترميم التنظيمي، فإن تقاطع الضغط العسكري الإقليمي، والرفض الدولي المتصاعد، والانفجار الوشيك للغضب الشعبي والاقتصادي في الداخل، يضع استراتيجية الحروب بالوكالة أمام طريق مسدود، مكرساً عزلة النظام ومؤذناً بتداعي خيارات بقائه على المدى المنظور.
من هنا وهناك
-
مقال: الأردن في خط المواجهة: لماذا تعتبر تهديدات نظام إيران غير مقبولة؟ بقلم: د. عيد النعيمات
-
مقال: ألمانيا في مشهدين: جدار برلين وانتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت - بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
-
‘مؤشرات الانهيار الاقتصادي و كلفة إعادة إعمار قطاع غزة‘ - بقلم: د. ماهر تيسير الطباع
-
‘العبرية: عندما يصطدم الطالب العربي بحاجز اللغة‘ - بقلم: رائد برهوم
-
مقال: خيوط الشطرنج الإقليمية: هل تعرقل الضغوط الخارجية حصر السلاح في العراق أم تُعجل بالحسم الوطني؟
-
‘ملاحظات في الحالة السياسية والخطاب النخبوي في الداخل‘ - بقلم: أمير مخول
-
‘حين تصبح المحاسبة مطلباً أميركياً وإسرائيلياً .. ماذا يفعل الفلسطيني في الميدان؟‘ - بقلم: علاء كنعان
-
المحامي زكي كمال يكتب: التضليل الاعلامي لطمس الحقيقة المرّة وتحريفها
-
‘لماذا جعفر فرح بالذات؟ هل المُرَشّحونَ الآخَرونَ ملائكةٌ ؟‘ - بقلم: زهير دعيم
-
محمود الحلو من الناصرة يرثي ابن أخيه نور: كنتُ أرثي أوجاع الناس… واليوم أنا الوجع، واليوم أرثي نفسي وعائلتنا الكريمة!





أرسل خبرا