مقال: الولاء بين التقاليد والحق - بقلم: منير قبطي
في بعض المجتمعات، تترسخ مفاهيم الولاء والانتماء بطريقة تجعل الفرد رهينة لقرارات الجماعة بدلاً من أن يكون صادقًا مع ضميره وعقله. هذه الظاهرة تتجلى في العلاقات العائلية والمواقف الاجتماعية،
منير قبطي - صورة شخصية
حيث يُتوقع منك في الكثير من الأحيان أن تقف إلى جانب قريبك أو عائلتك، حتى وإن كان على خطأ. هذا الولاء الذي لا يُقاس بالحق، بل بما تمليه الأعراف والتقاليد، يخلق بيئة اجتماعية تُشجع على الحفاظ على صور اجتماعية معينة بغض النظر عن الحقيقة.
في مسلسل “باب الحارة”، على سبيل المثال، نرى كيف أن عصام يرسل زوجته ابنة أبو بشير الفران إلى بيت أهلها بعدما غضب عليها، كرد فعل يتبع بشير بقرار مماثل بإرسال أخت عصام ، زوجة بشير، إلى بيت أهلها أيضًا. هذه الحكاية تُظهر كيف يمكن للمجتمع أن يفرض على الأفراد تصرفات مبنية على “الكرامة” والشرف، بدلًا من محاولة حل المشكلات والتوصل إلى الحق. هذا التصرف ليس مقتصرًا على المسلسلات فقط، بل يتكرر في الحياة اليومية في مجتمعاتنا العربية، حيث يصبح الانتماء إلى العائلة أو الطائفة أو حتى الحزب أكثر أهمية من البحث عن الحقيقة والعدالة.
الولاء للعائلة في هذا السياق يعني أن تكون مستعدًا للدفاع عنهم مهما كان الموقف، حتى لو كان ذلك يتناقض مع الحق أو العدالة. وعندما تتبنى هذه العقلية، تُساهم في تكريس ثقافة العيب والخوف من قول الحقيقة في مواجهة أقرب الناس إليك. في مثل هذه الأوساط، يُعتبر قول الحق خيانة، بينما يُفترض أن تُبقي فمك مغلقًا إذا كان ذلك يعني الحفاظ على صورة العائلة أو الجماعة، بغض النظر عن تفاصيل القضية. هذه الظاهرة ليست محصورة في مجال واحد، بل تؤثر في مجالات متعددة من الحياة اليومية، بما في ذلك السياسة، حيث يتم انتخاب القادة بناءً على الولاء العائلي أو الطائفي وليس بناءً على الكفاءة أو الصالح العام. فمثلاً، في بعض المجتمعات، قد نرى انتخابات تتم على أساس العصبية العائلية أو الطائفية، مما يؤدي إلى استمرارية الفساد وعدم التقدم، لأن الجماعات تختار من ينتمي إليها فقط، وليس من يستحق القيادة.
إذا أردنا بناء وطن حقيقي، يجب أن نتعلم كيف نختلف، كيف نقول “أخطأت” لمن نحبهم، وأن نُعلي من شأن الحق والعدل. على سبيل المثال، في حياتنا اليومية، قد نضطر للاختيار بين دعم أحد أفراد العائلة أو التمسك بالقيم والمبادئ التي نؤمن بها. في حالة مثل تلك، يجب أن نتمسك بالحق، حتى وإن كان ذلك يتطلب منا أن نكون صرحاء مع أقرب الناس إلينا. هذه المواقف قد تكون صعبة، لكنها ضرورية لبناء مجتمع عادل وواعٍ.
الولاء يجب أن يكون للقيم والمبادئ، لا للجماعات الضيقة التي تعمي عيوننا عن الحقيقة. النخوة الحقيقية لا تتمثل في الوقوف مع الأقرباء في الباطل، بل في القدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه. في النهاية، ما يرفعنا كأفراد ومجتمعات ليس الدم، بل القيم والمبادئ التي نعيش من أجلها. فبقدر ما تكون القيم هي الأساس، ستستطيع المجتمعات تجاوز الأعراف القديمة التي تضر بها وتفتح أبوابًا للتقدم والتغيير.
من هنا وهناك
-
مقال | المسيحيون في الانتخابات: هل نحن ممثَّلون أم مجرد محسوبين؟
-
المحامي شادي الصح يكتب في بانيت: لجنة الوفاق ليست ‘بوفيه مفتوح!‘
-
‘ أَهو موضوع رئيس أو موضوع رئيسيّ!؟‘ بقلم: د. أيمن فضل عودة
-
‘نفاد الصواريخ الأمريكية… الحقيقة التي حاولت واشنطن إخفاءها ‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘الاتفاق السعودي- الباكستاني- التركي، كيف نقرأه؟‘ - بقلم: د. سهيل دياب - الناصرة
-
‘ ماذا تبقّى من العطله الصّيفيّة؟! ‘ - بقلم: الاختصاصية النفسية نادية ملك جبارين
-
المحامي زكي كمال يكتب: غزة بين مطرقة القبول بتسليم السلاح وسندان الحرب الأبدية
-
‘تفاهمات العلمين أمام اختبار تطبيق المرحلة الثانية والانتخابات الفلسطينية‘ - بقلم: وليد العوض
-
‘شبكة الوكلاء الإقليمية لطهران: هندسة التراجع أم محاولة للبعث الجيوسياسي؟‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
‘ لا شيك مفتوح لأحد... الأمن الوطني الأردني هو الحَكَم الوحيد‘ - بقلم: عماد داود





أرسل خبرا