‘ أَهو موضوع رئيس أو موضوع رئيسيّ!؟‘ بقلم: د. أيمن فضل عودة
كثيرا ما يستعمل الكتّاب وصفَ شيء أو موضوع معين بأنه (رئيسيّ)، بزيادة ياء النسبة المشددة إلى صيغة فعيل (رئيس)؛ ليجدوا بعض النقاد واللّغويين المتشدّدين واقفين لهم بالمرصاد، ليحكموا عليهم بالخطأ والشذوذ، فينكرون هذا الاستعمال.
د. أيمن فضل عودة - صورة شخصية
والصحيح عند هؤلاء المخطّئين هو (رئيس) ليس إلا! فلا بدّ من القول عندهم: موضوع رئيس، ومسألة رئيسَة، وأعضاء رئيسَة. لأن الوصف بياء النسبة- عندهم- ليس من الاستعمالات العربية، ولا هو مقيس في غير باب النسب.
ولا يزال النقاد واللّغويون إلى يومنا هذا يتشددون في هذه المسألة، سالكين مسلك المتشددين من قبلهم، أمثال أسعد داغِر في «تذكرة الكاتب»، ومحمد العدناني في «معجم الأخطاء الشائعة»، ومصطفى جواد في «قل ولا تقل»؛ على الرغم من أن مجمع اللغة العربية المصري قد أفتى بعكس ما ذهب إليه هؤلاء منذ ما يزيد عن الخمسين سنة ماضية. ومن ضمن ما عرضه علماء المجمع لتجويز هذا التعبير (رئيسيّ)، كان ما يلي من الاعتبارات:
أكّد الأستاذ محمد شوقي أمين، عضو المجمع وخبيره، في بحث له:
1: أن هذا التركيب (رئيسيّ) نجد مثيله في ما يُحتجّ به من الشعر: كقول امرئ القيس «نحسه متغيّبيّ»، وقول النابغة: «الغداف الأسوديّ»، وقول رؤبة: «والدهر بالإنسان دوّاريّ». وفي كل أقوالهم هذه جاءت الياء، موقعا ودلالة، كما في كلمة (رئيسيّ) من حيث إن الكلمة تؤدي معناها بدونها.
2: جات تفسيرات اللّغويين لهذه الياء في مثل هذه الألفاظ مختلفة، فمن تفسيراتها: أنها للمبالغة، أو تزاد في الأوصاف للتوكيد، أو أنها من قبيل إضافة الشيء إلى نفسه، أو من قبيل المنسوب إلى نفسه. وقالوا إن العرب كثيرا ما تجعل من النعت على صيغة (أفعليّ) فيصير كأنه نسبة. أو أنها زائدة لغير علّة. وقالوا إن الأعجم والأعجميّ بمعنى واحد، كأحمر وأحمريّ، وأنت تريد الصفة لا النسب.
3: ذكر الأستاذ محمد شوقي أمين ما يقارب الأربعين مثالا لهذه الألفاظ، منها بالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه: الأريحيّ، الأحوذيّ، الألمعيّ، الأوحديّ، الصَّيدَحيّ، الكَريميّ، الفريديّ.
4: أن استعمال الكتّاب لهذا التركيب بقصد نسبة صفاة المنسوب إليه إلى المنسوب على وجه التشبيه، ليس ما تنكره العربية من أوضاع اللّغة وأنماط البيان. ففي قولنا: «عنصر رئيسيّ»، نعني أنّ العنصر ينزَّل من عناصر الموضوع منزلة الرئيس ممن يليه في الترتيب قدرا ومكانة، فنشبهه بالرئيس مقارنة بغيره من العناصر التي لا تقوم مقامه، وهو مقام الرياسة والتصدّر.
5: خلص الأستاذ إلى النتيجة التالية: أيّا ما كان الأمر، فإن استعمال (رئيسيّ) صحيح لا نكير عليه، إما على أنّ ياء النسب للتشبيه قصدا، أو من باب نسبة الشيء إلى نفسه، أو كونها زائدة للمبالغة والتوكيد .
أما الأستاذ محمد خلف الله أحمد، عضو المجمع وخبيره، فقد أكد ما يلي:
6: أن الحياة حافلة بالأشياء والظواهر ذات الأهمية والتميّز على أشباهها، وكل منها تنتمي إلى مفهوم (رئيس) ويأخذ حظّا منه؛ وللدلالة على ذلك جاء الوصف بـ (رئيسيّ)، والنسب هنا على بابه، والمنسوب فيه غير المنسوب إليه. ومنه تعابير كثيرة في اللّغة لا يمكن حصرها وإحصاؤها، مثل: أوّليّ، ثانويّ، أساسيّ، حتميّ، جوهريّ، عرضيّ، باطنيّ، داخليّ، خارجيّ.
7: أن الوصف بالنسب في اللّغة العربية يتسع لتأدية أغراض كثيرة متنوعة، وهو يؤدّي تلك الأغراض بإيجاز مفيد. وكل هذه تدل على اتساع باب النسب وتنوع دلالاته، وأنه قد يجيء في الصيّغ الوصفية كاسم الفاعل والصفة المشبهة والمصادر وأعلام الأشخاص والأماكن وغيرها؛ فينقل الدّلالة نقلة جديدة ويضيف مسالك أخرى للاتّساع في التعبير عن دقائق المعاني. فمجيئه من المصادر على نحو: عمليّ، اشتراكيّ، شيوعيّ، سمعيّ، بصريّ، تشريعيّ، وغيرها الكثير.
9: هنالك أمثلة يبدو فيها الوصف والنسب إليه متطابقين في المعنى، مثل: الأجنب والأجنبيّ للغريب، والسرمد والسرمدي للدائم.
وبناء على كل هذاه الاعتبارات أقر المجمع تجويز استعمال (رئيسيّ) كما في استعمالاتها المستحدثة وكتابات المحدَثين، ونصّ قراره: يستعمل بعض الكتاب: العضو الرئيسيّ، أو الشخصيات الرئيسيّة، وينكر ذلك كثيرون. وترى اللجنة تسويغ هذا الاستعمال بشرط أن يكون المنسوب إليه أمرا من شأنه أن يندرج تحته أفراد متعددة. [لكل هذا انظر: كتاب الألفاظ والأساليب، ج1، ص: 16-32]
وقد أوجز لنا كل هذا الأستاذ أحمد مختار في معجم صوابه معتبرا كلمة (رئيسيّ) من الفصيح، حيث قال:
«الصواب والرتبة: -فكرة رئيسة [فصيحة]-فكرة رئيسيّة [فصيحة]
التعليق: ... ولكنّ هناك فرقا في الدلالة بين الوصف من الرياسة على صيغة «فعيل» «رئيس»، وبين الوصف منها بصيغة النسب «رئيسيّ». فالرئيس هو الشريف وسيد القوم، والرئيسيّ هو المنتمي إلى مفهوم رئيس وكأنه فرد من أفراده، وعلى ذلك فرئيسيّ فصيح والوصف به غير الوصف برئيس،...كما أن هذا الاستعمال وارد في كلام القدماء. فقد جاء في صبح الأعشى للقلقشندي: "وأما استيفاء الدولة فهي وظيفة رئيسيّة"» [معجم الصواب اللغوي (1/ 389)]
وفي زيادة ياء النسب على الصفة بشكل عام، قال مقرّا بصحتها:
«زيادة ياء النسب على الصفة...
1 - اهتمَّ بالمشاكل الرئيسة [فصيحة]-اهتمَّ بالمشاكل الرئيسيَّة [صحيحة]
2 - لنا صلات دائمة بهم [فصيحة]-لنا صلات دائمية بهم [صحيحة]
التعليق: الفصيح ألا تزاد ياء النسب إلا عند إرادة الدلالة على النسبة. ويمكن تخريج العبارة المرفوضة إما على أن الياء للمبالغة، أو زائدة للتأكيد، أو أنها من الأوصاف التي نسب فيها إلى نفسها، مثلها في ذلك مثل قولهم: أسوديّ، وألمعيّ، وأوّليّ، وبهيميّ، وظاهريّ، وباطنيّ». [معجم الصواب اللغوي (2/ 945)]
وأيد الأستاذ إميل بديع يعقوب قرار المجمع، مبيّنا صحة التعبير (رئيسيّ)، على اعتبارات رئيسية ثلاث، وهي: أولا: اعتبار الياء فيه للمبالغة والتوكيد، ثانيا: من بابا نسبة الشيء لنفسه، ثالثا: على أنها للتشبيه قصدا، بتنزيل المنسوب منزلة الرئيس ممن يليه في الترتيب. [معجم الصواب والخطأ في اللّغة، ص: 141-142]
وأما العدناني فقد استدرك على نفسه وصحّح استعمال (رئيسيّ) في معجم الأغلاط اللّغوية، بعد أن كان قد خطّأه في معجم الأخطاء اللّغوية. [انظر معجم الأغلاط اللغوية ص: 244، ومعجم الأخطاء اللغوية ص: 98]، وحسنا فعل، إذ تجاوز قرار المجمع وذهب إلى ما هو أبعد منه، باعتراضه على الشرط المذكور فيه، حيث قال: «ولست أدري لماذا سوّغوا هذا الاستعمال مشروطا، وأرى أحد أمرين: (أ): إما أن نجيزَ قول (الأعضاء الرئيسيّة) دون قيد أو شرط، حبّا في تسهيل الأمور واجتنابا لتعقيدها بذلك الشرط الذي يجعل المرء يقف هنيهة حائرا إزاءه. (ب): أو نكتفي بقول (الأعضاء الرئيسة) كما تقول أمهات معاجمنا». [معجم الأغلاط اللّغوية الشائعة، ص: 244]
استدراك...
وبناء على كل هذا، لنا أن نستدرك على المتشددين، لنقول:
«قل: العضو الرئيس، والأعضاء الرئيسَة. وقل: العضو الرئيسيّ والأعضاء الرئيسيّة. ولا خطأ ولا حرج».
فالاعتبارات الأساسية للوصف بياء النسبة؛ كون ياء النسب لقصد التشبيه أو المبالغة والتوكيد.
وليكن شعارنا دائما: يسّروا ولا تعسّروا، بشّروا ولا تنفّروا، وسّعوا ولا تضيّقوا؛ ففوق كلّ ذي علم عليم!
من هنا وهناك
-
‘ محمود شقير ينبش ذاكرته ‘ - بقلم: جميل السلحوت
-
‘ أزمة العمل السياسي... لا أزمة التمثيل البرلماني ‘ - مقال بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
-
مقال: قلق إسرائيل من نووي سعودي بلا تطبيع - بقلم: د. جمال زحالقة
-
‘ التقديس لله وحده‘ -بقلم : سليم السعدي
-
مقال: قراءة قانونية في الحكم الصادر بحق الشيخ كمال خطيب - بقلم: المحامي عمر خمايسي
-
مقال بقلم ملكة زاهر لالا : ليست هزيمة لاعب... بل هزيمة وعي
-
مقال | أمريكا وإسرائيل: اختلافٌ مؤقَّت حول الأولوِيّات أم خلافٌ حقيقيّ في الثوابت؟
-
مقال: غابات مصغّرة في المدن ستعمل كمكيفات !
-
الباحث أمير مخول يكتب في بانيت: طبول الحرب ليست بالضرورة مؤشراً لوقوعها
-
‘ الهوية والهجرة: إعادة تشكيل الانتماء عبر الحدود ‘ - بقلم: الدكتور حسن العاصي





أرسل خبرا