‘الورقة والتراب: صون المقدسات بين أمانة المكان وواجب المشاركة‘ - بقلم : دكتور نوّاف علي الطّوري | رهط
في تاريخ الشعوب الحية، لا تُقاس المواطنة بالحقوق الممنوحة بل بالمساحات المُستردّة، ولا يُعرَّف الوجود بالبقاء الخامل بل بالمواجهة الواعية لكل أدوات الإلغاء. إن العلاقة بين الإنسان وأرضه ليست مجرد علاقة منفعة أو إقامة عابرة،
بل هي رابطة وجودية تتداخل فيها "أمانة المكان" مع "واجب الفعل". وفي المسار السياسي والاجتماعي لمسلمي الداخل والجمهور العربي، تتجسد هذه الرابطة اليوم في نقطة تماس حاسمة: الانتخابات البرلمانية لانتخاب الكنيست ال 26.
إن الوقوف أمام صندوق الاقتراع ليس مجرد ممارسة لفعل سياسي تقليصي، بل هو سلوك فلسفي يعكس التشبث بالتراب وتأكيد الحق في الوجود. عندما تُمارَس سياسات المحو والإقصاء، يصبح القلم امتداداً للوتد، وتتحول الورقة الانتخابية إلى درع يتصدى لمحاولات الاقتلاع تجسيداً لقيم الصمود والرباط.
تغول السلطة وتحدي الوجود
تتزامن هذه الانتخابات مع مرحلة تتسم بتصاعد الخطاب اليميني المتطرف، حيث شهدت الأعوام الأخيرة تغولاً غير مسبوق في السياسات التشريعية والتنفيذية التي استهدفت الهوية العربيّة والوجود الإسلامي في مقدساته وأرضه. لم تكن هذه السياسات مجرد خيارات سياسية عابرة، بل تعبيراً عن منهجية حاربت الشجر والحجر والبشر، ولم يسلم منها مقوم من مقومات الحياة:
• استهداف المأوى والأرض: تفاقم سياسات هدم البيوت وعدم الاعتراف بالقرى وتضييق الخناق على التخطيط والبناء، مما جعل حق السكن الطبيعي معركة يومية من أجل البقاء.
• العدوان على شعائر الهوية: محاولات التضييق على صوت الأذان والمقدسات الإسلامية، والتي تمثل اعتداءً مباشراً على الذاكرة الجماعية والحرية الدينية.
• التضييق على النخب والكفاءات: محاصرة الأطباء، الممرضين، والأكاديميين، فضلاً عن وضع العراقيل أمام الطلاب والخرّيجين الدارسين في جامعات الضفة الغربية وعرقلة الاعتراف بشهاداتهم العلمية، في محاولة لإفراغ المجتمع من طاقاته العلمية وتجريده من أدوات نهضته.
أمام هذا الواقع، يتضح أن الاستنكاف أو السلبية لا يمثلان حلاً أو موقفاً حاسماً، بل يمنحان التشريعات المتطرفة مساحة أوسع للتمدد دون رادع أو صوت مُعارض.
أمانة المكان وواجب الحماية
إن الفلسفة التي تبنى عليها المشاركة الشعبية الواسعة تنطلق من مبدأ "صون المقدسات والتراب". فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي الوعاء الذي يحتضن الهوية والتاريخ والوجود. وإن حماية هذا التراب تتطلب استخدام كافة الأدوات المتاحة والمشروعة لل الدفاع عن البيوت، القرى، والمؤسسات.
إن إسماع الصوت رفيعاً — تماماً كما يُرفع الأذان شامخاً في السماء — هو إعلان صريح بأن الشعب المقيم في أرضه لن يترك ساحة التأثير فارغة. فالمشاركة الانتخابية هنا تُقرأ كأداة نضالية وقانونية تستهدف الحد من تغول القوانين العنصرية وتثبيت الحقوق التاريخية والميدانية للجمهور العربي والمسلم.
النفير العام والمسؤولية الجماعية
إن صيانة الوجود وتثبيت الحقوق لا تقع على عاتق نخبة معينة أو فئة دون غيرها، بل هي أمانة جماعية تتطلب نفير كافة شرائح المجتمع. لا مكان اليوم للاستهتار أو التواكل؛ فالواجب الوطني والديني والأخلاقي يستوجب خروج الجميع إلى صناديق الاقتراع:
• الشيوخ والكبار: للشهادة على التاريخ ونقل أمانة الصمود للأجيال الصاعدة.
• النساء: باعتبارهن الركن الأساسي في بناء وعي الأسرة والمجتمع وحماية الهوية.
• الشباب والطلاب: للذود عن مستقبلهم الأكاديمي والمهني وحقهم في الحياة الكريمة.
إن قوة التأثير تُقاس بنسبة الحضور، وكل صوت يتخلف عن الممارسة الانتخابية يفسح المجال لقوى التطرف لتعزيز نفوذها وتمرير مخططاتها الاستيطانية والتضييقية.
خاتمة: الورقة كوثيقة صمود
إن خوض الانتخابات البرلمانية لانتخاب الكنيست ال 26 ليس رصيداً يُمنح للنظام السياسـي، بل هو استثمار في أدوات الدفاع عن الذات. إنها المعركة بين "الورقة" التي تعبر عن الإرادة الصافية و"التراب" الذي يمثل الوجود الأصيل.
عبر المشاركة الواعية والواسعة، يُترجم التمسك بالأرض من شعار شفهي إلى فعل ميداني وسياسي؛ إعلاءً لصوت الحق، وصوناً للبيوت والقرى، ودفاعاً عن المقدسات والأجيال القادمة. إن البقاء على هذه الأرض يقتضي الحضور في كل ساحة، وتأكيد الحق في الحياة والكرامة والحرية.
من هنا وهناك
-
‘العنف ليس قدرا‘ - بقلم: مصطفى عبد الفتاح
-
المعلّم السوبر مان - بقلم منال مصطفى
-
المحامي زكي كمال يكتب: التطرف الديني والقومي سبب الحروب والنزاعات
-
‘الممارسة الديمقراطية تكتمل عندما نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي‘ - بقلم : تيسير خالد
-
‘الانتخابات النصفية الأمريكية 2026: أزمة ترامب وإعادة تشكيل موازين القوة في واشنطن‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
فقط تحدثت بالعربية... متى أصبحت اللغة سببًا للكراهية؟
-
‘تأجيل الانتخابات لا يطفئ أزمة.. بل يوسع جرح الوطن‘ - بقلم: فتحي كليب
-
مقال: ما بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية: حوار يبدأ بالمراجعة.. لا بإعادة إنتاج الأزمة
-
‘معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة‘ - بقلم: المهندس منير سعد – بيرزيت
-
‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط





أرسل خبرا