مقال: الأضرار البيئية للحملات الانتخابية.. آلاف الأطنان من النفايات رغم التحول الرقمي
إن تنظيم الحملات الانتخابية له تكلفة اقتصادية واجتماعية تخضع للنقاش بشكل كبير، ولكن ماذا عن التكلفة البيئية؟
لجنة الانتخابات المركزية للكنيست الـ 26 تستلم أوراق ومستندات عدد من الاحزاب والقوائم الانتخابية
قريبًا، سيخرج المواطنون والمواطنات في البلاد للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات وممارسة أحد أهم الحقوق الديمقراطية. ولكن الى جانب يوم الاقتراع يختبئ أيضًا ثمن بيئي لا يكاد يطرح في النقاش العام. صحيح أن الحملة الانتخابية حدث قصير ومكثف، يحدث عادة مرة كل أربع سنوات، لكنه في فترة قصيرة يولد كميات كبيرة من النفايات: بدءًا من أوراق التصويت في صندوق الاقتراع، مرورًا باللافتات الإعلانية، والمواد الدعائية، وحتى العبوات والمعدات التي تجد طريقها إلى سلة المهملات فور انتهاء الانتخابات. وهكذا تترك الانتخابات خلفها بصمة بيئية كبيرة: فالأمر لا يقتصر على النفايات المادية الناتجة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى التلوث الرقمي الذي ينشأ في إطار إنشاء ونشر المحتوى الرقمي عبر الشبكة. إلى أي مدى يمكن أن تكون حملتنا الانتخابية "خضراء" حقًا، وهل يمكن أن نتخيل في المستقبل حملة انتخابية تحافظ ليس فقط على الديمقراطية، بل وأيضًا على البيئة؟
لفهم أبعاد هذه الظاهرة، يكفي أن ننظر حولنا خلال فترة الانتخابات: ففي وقت قصير يمتلئ الفضاء العام باللافتات، والملصقات، والمنشورات، والمواد الدعائية المختلفة. يتم تعليق بعضها في الشوارع وتقاطعات الطرق، ويتم توزيع البعض الآخر على المارة. معظم هذه المواد تستخدم في أفضل الأحوال لمدة تتراوح بين دقائق وأسابيع، وفي جميع الأحوال تتحول في اليوم التالي للانتخابات إلى نفايات.
في إسرائيل، لا توجد جهة تقيس بشكل منهجي الضرر البيئي الناجم عن الحملات الانتخابية، كما أن قياس أثر كامل لأشهر الحملة الانتخابية هو أمر معقد. ورغم أن البيانات لا تُجمع بشكل كامل، إلا أن التقديرات تشير إلى أنه خلال الحملة الانتخابية تتراكم في إسرائيل آلاف الأطنان من النفايات المرتبطة بالحملات ويوم الانتخابات.
هل يدفع المُعلن؟
وهكذا، فإن المشكلة لا تقتصر على كمية النفايات الناتجة فحسب، بل تكمن أيضًا في السؤال عن من يتحمل مسؤولية معالجتها. وتشير المحامية ميراف عبادي، المدیرة التنظيمة في جمعية "آدام طيڤع ودين"، إلى أنه نظراً لأن المواد الدعائية التي تُنتج بكميات كبيرة تُستخدم لفترة قصيرة جداً، نجد أنفسنا في اليوم التالي للانتخابات أمام كميات هائلة من النفايات.
وتضيف بأن معظم العبء ينتقل إلى السلطات المحلية المطالبة بإزالة هذه النفايات، وفي النهاية تقع التكلفة على كاهل الجمهور. وتوضح بأنه لا يوجد في البلاد آلية "الملوث يدفع"، أي أن من أنتج هذه النفايات غير مطالب بمعالجتها أو إزالتها، مشددة على أنه قد حان الوقت لإجراء تنظيم منهجي لهذا الموضوع.
في السنوات الأخيرة، تنتقل الانتخابات أكثر فأكثر إلى الساحة الرقمية، حيث تتيح مقاطع الفيديو، والمشاركات، والحملات على شبكات التواصل الاجتماعي للأحزاب الوصول إلى ملايين الناخبين دون الحاجة لطباعة وتوزيع كميات كبيرة من المواد الدعائية. وتتسم هذه الانتقالة بميزة بيئية واضحة، كونها تقلل من استخدام الورق والمواد المادية الأخرى.
ومع ذلك، فإن التحول الرقمي لا يخفي الدعاية تمامًا من الفضاء العام: فلافتات الإعلانات الضخمة لا تزال تملأ الشوارع، ويتم تعليقها على الجسور والأسوار، والمنشورات والمواد الدعائية تُوزع في أماكن متعددة. كما أن إنشاء المحتوى الرقمي وتخزينه ورفعه على الشبكة يستهلك الكهرباء والماء، ولا سيما في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ إن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج الصور أو الفيديوهات يتطلب تشغيلًا مكثفًا لخوادم الكمبيوتر في مراكز البيانات، مما يؤدي إلى استهلاك موارد كبيرة من الطاقة والمياه.
وتذكر عبادي بأن التحول الرقمي أمر جيد، ولكن حتى للحلول الرقمية بصمة كربونية، خاصة بسبب الاستخدام الكبير للطاقة، وتضيف بأن هذا الأمر أقل وضوحًا للعين مقارنة بنفايات المنشورات الورقية مثلاً. وترى أنه في السياسة تكون الأجواء مليئة بالتوتر، مما يدفع في النهاية إلى الذهاب نحو خيارات شاملة تجمع بين الدعاية الرقمية والمادية معًا.
إدارة النقاش البيئي حتى عندما تكون المصالح مبررة
حتى لو كانت المواد الدعائية جزءًا لا مفر منه في أي حملة عملية، يمكننا التساؤل حول كيفية الحد من الأثر البيئي الذي تنتجه. وتشير عبادي إلى أن النقاش البيئي يجب أن يستمر دائمًا حتى عندما تكون هناك مصلحة تستحق الحماية لدى الطرف الآخر. وتوضح أنه كما يُعتبر من البديهي استخدام الكوادر الطبية للقفازات ذات الاستخدام الواحد عند علاج المريض، ينبغي التساؤل عما إذا كان بالإمكان تقليل استخدامها، وعن وجود طريقة أفضل لمعالجة النفايات بعد تشكلها. وينطبق الأمر نفسه على الحملات الانتخابية، حيث يجب التساؤل عما إذا كان هناك من يدعم ويعالج هذه النفايات. وتضيف بأن الحل يكمن في إلقاء المسؤولية المباشرة على الأحزاب عن النفايات التي تنتجها، مؤكدة أنها لا تطالب بإلغاء النفايات تمامًا في الحملات، بل بضرورة إدارتها أولاً، وبحث إمكانية تقليلها، ووضع معايير وإجراءات واضحة بهذا الشأن.
في النهاية، لا تقع المسؤولية على عاتق الأحزاب والسلطات فحسب، بل تقع علينا نحن الناخبين أيضًا. ورغم أن الاعتبار البيئي لا يكون عادة في مقدمة الأولويات عند توجهنا إلى صندوق الاقتراع، ترى عبادي أنه من الضروري إعطاؤه مكانة في الخيار السياسي. وتضيف بأنها ترغب بشدة في تشجيع كل من يذهب للاقتراع على التفكير في البعد البيئي وفي قضية النفايات بشكل ملموس، كونها من المشكلات التي لا نراها جليًا كجمهور، لكنها تؤثر بشكل كبير على حياتنا. وتوضح أن حوالي 80 بالمئة من النفايات في إسرائيل تُدفن حاليًا، وأن مكبات النفايات تتجه نحو الامتلاء، بينما تُعالج نسبة ضئيلة منها عبر إعادة التدوير. وترى أن الانتخابات يجب أن تعكس كافة مناحي حياتنا بما فيها البيئة، مؤكدة ضرورة إدراك أن النفايات ليست مجرد شيء نتولى معالجته فحسب، بل علينا التفكير في كيفية الحد منها ومنعها. لذا، عندما نضع ورقة التصويت في الصندوق، يجدر بنا أخذ الاعتبار البيئي في الحسبان.
* أُعدّ هذا المقال بواسطة "زاڤيت" – وكالة الأنباء التابعة للجمعية الإسرائيلية للإيكولوجيا وعلوم البيئة
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
. (Photo by JACK GUEZ / AFP via Getty Images)
من هنا وهناك
-
‘معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة‘ - بقلم: المهندس منير سعد – بيرزيت
-
‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط
-
المحامي زكي كمال يكتب: بين السابع من اكتوبر والانتخابات البرلمانية.. تجديد للثقة أم حجب لها؟
-
‘الأردن.. الثقة تحتاج إلى أكثر من النفي!‘ - بقلم: عماد داود
-
في الحركة السياسيّة: أسئلة تفتحُها الانتخابات ولا تُجيب عنها - بقلم: أمير مخول
-
حمام بارد للألواح الشمسية!
-
المحامي علي أحمد حيدر يكتب: مساوئ الخدمة المدنية ومحاسن العمل التطوعي
-
‘ ساعة تساوي عُمرًا ‘ - بقلم: ناجي ظاهر
-
‘فتح معبر رفح.. نحو استعادة تواصل غزة مع العالم‘ - بقلم: صفاء أبو شمسية
-
‘إيران على عتبة تحول كبير‘ - بقلم : عبدالرحمن کورکی (مهابادي)





أرسل خبرا