المحامي زكي كمال يكتب: بين السابع من اكتوبر والانتخابات البرلمانية.. تجديد للثقة أم حجب لها؟
ثمانية عشر يومًا قبل انطلاق الانتخابات البرلمانية في إسرائيل في السابع والعشرين من الشهر الحالي، أكتوبر 2026، تكتسب هذه الانتخابات ثقلًا ووزنًا إضافيين، بحكم تزامنها مع الذكرى السنوية الثالثة لهجمات السابع من أكتوبر 2023،
المحامي زكي كمال - تصوير: قناة هلا وموقع بانيت
والتي لم تكن مجرد مناسبة لاستذكار تفاصيل ذلك اليوم الذي يتفق الجميع في إسرائيل، وبغض النظر عن الفوارق والاختلافات السياسية، انه الأطول والأقسى في تاريخها، وليس ذلك فقط بل انه أصبح بكل تفاصيله وما قبله وما بعده، الموضوع الرئيسي الذي تدور حوله الحياة الحزبية والسياسية والجماهيرية في إسرائيل، وبالتالي المحرك الرئيسي للمعركة الانتخابية والموضوع الرئيس فيها، ليجد الناخب الإسرائيلي نفسه، من المواطنين اليهود على اختلاف انتماءاتهم السياسية والمواطنين العرب على حد سواء، أمام انتخابات وصناديق اقتراع يحكمها ويسود اجواءها ذلك اليوم بكافة تداعياته العسكرية والسياسية والمجتمعية المستمرة، وهي كثيرة منها ازدياد التوجهات اليمينية المتزمتة او انزياح المجتمع نحو اليمين السياسي والتعنت الأمني وما يمكن تسميته شريعة الحرب وشرعية استمرارها رغم عدم وجود اهداف واضحة او جدول زمني، وعودة قضية أمن الدولة، وليست قضايا الاقتصاد ومستوى المعيشة ولا حتى الانقلاب القضائي، لتكون الراية الانتخابية الأولى، والتي سيحاول من خلالها الائتلاف الحاكم استغلال نتائج العمليات العسكرية على كافة الجبهات، سواء في غزة أو لبنان أو ايران أو مع الحوثيين، وخاصة اغتيال قيادات حزب الله وايران وحماس وعملية البيجرات وغيرها، لعرض نفسه على انه المنقذ والمخلص وسيد الأمن ومن حقق ردع الأعداء بعد الصدمة الأولى التي خلفتها الهجمات، وستحاول المعارضة رغم هزالتها وعجزها، استغلالها للتذكير بالإخفاق الأمني والمطالبة بمحاسبة الحكومة المسؤولة عن الإخفاق وعن تمويل حماس بأموال قطرية والمطالبة بحجب الثقة الانتخابية عن رئيسها بنيامين نتنياهو وباقي اقطاب الائتلاف اليميني، خاصة مع ازدياد المعلومات حول أمرين أولهما تحذيرات إماراتية ومصرية وأخرى تلقاها نتنياهو قبيل الحرب وتجاهلها دون اشراك أجهزة الأمن بمحتواها، وقضية المختطفين والرهائن الذين تأخر اطلاق سراحهم من غزة بفعل اعتبارات سياسية ائتلافية، وتهديدات اليمين ممثلا بالوزيرين ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بإسقاط الحكومة، ومن هنا لن تكون نتائج الانتخابات مبنية على وعود اقتصادية أو قضايا اجتماعية ومدنية، بل انها بمثابة استفتاء شعبي حول هجمات السابع من أكتوبر، ذلك اليوم الذي غيّر وجه إسرائيل.
صدمة كبيرة وعميقة سياسية وفكرية
قلت ان ذلك اليوم غيَّر وجه إسرائيل، بل انه اكثر من ذلك، فقد كان السابع من أكتوبر اكثر من مجرد اخفاق عسكري وسياسي واستخباراتي، وأكثر من ضربة للمفاهيم الأمنية التي اعتمدت مبدأ اغداق المال على حماس مقابل الهدوء التام احيانًا والنسبي احيانًا أخرى، بل صدمة كبيرة وعميقة سياسية وفكرية تتعلق خاصة بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ومصدر نقاش عميق وقاسٍ بين موقفين، أولهما موقف الغالبية في إسرائيل اليوم، وملخصه ان لا حل سياسي او دبلوماسي للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وبالتالي لا مجال لأي وسيلة سوى الحرب، وثانيهما وهو اليوم حصرًا موقف الأحزاب العربية ومجموعات يهودية قليلة بل ضئيلة، القائل ان انعدام الحل هو سبب المآسي، حيث يرى انصار الموقف الأول ان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليس مجرد خلاف سياسي او جغرافي او نزاع حول الحدود، يمكن حله عبر مفاوضات وتنازلات متبادلة سواء كان ذلك بشكل مباشر او حتى برعاية دولية او عربية، بل انه نزاع وجودي صفري لا يقبل القسمة على اثنين، ولا مجال فيه للتنازل او حتى مجرد التفاوض، وهو موقف يستند الى روايات تاريخية وعقائدية، يتمسك بها اليمين تتحدث عن الحقوق التاريخية والتوراتية للشعب اليهودي وارض إسرائيل التاريخية وهي أمور تمنع تقديم أي تنازل جوهري حول الأرض من جهة، وسياسية من جهة أخرى تتخذ من فشل اتفاقيات أوسلو الدليل على ان الفلسطينيين لا يريدون الحل السياسي او الدبلوماسي، وانهم يرفضون أي حل يستند الى مبدأ تقاسم الارض او حتى حل الدولتين، وبالتالي تشهد الخريطة السياسية الإسرائيلية ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تغيرًا بارزًا يتمثل في النزوع نحو اليمين الأكثر تشددًا، والايمان المطلق ان الصدامات المشابهة لما كان في السابع من اكتوبر 2023، هي امر حتمي بل نتيجة حتمية للصراع الذي لا يمكن حله، وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي التي تشير الى ان 81% من اليهود في إسرائيل يخشون من تكرار هجمات السابع من أكتوبر، وهذه المرة من الضفة الغربية وليس من غزة، وبالتالي فإن إدارة الصراع او التعايش معه هي الخيار الواقعي الوحيد المتاح، وليس حله، وبكلمات أخرى، تحقق مواقف مركز كوهيليت اليميني المتطرف والذي تكشف وثائقه انه يهدف الى تغيير الواقع السياسي في إسرائيل عبر ترسيخ قناعات ومواقف معينة أولها ان السلام ليس هدفًا لدولة إسرائيل بل اعتبارها نفسها في حالة مواجهة دائمة مع المحيط والاستعداد لعمليات عسكرية للمشاة في مواقع مختلفة من الدول العربية وغيرها.
حلول مؤقتة أو تطبيع إقليمي
الموقف الثاني، وهو الذي شهد تراجعًا هائلًا، بل انه في عيون الأغلبية الإسرائيلية ضرب من الهذيان او أحلام اليقظة، ما زال يركز على التبعات الإنسانية والسياسية والأمنية لغياب الحل الاستراتيجي، معتبرًا أن هذا النزاع واستمراره وتعقيداته، ليست قدرًا محتومًا بل هي نتيجة مباشرة لإهمال الجذور السياسية للأزمة، وأن السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب مدمرة في قطاع غزة هو الدليل القاطع الذي لا يقبل الشك او التأويل، على ان إدارة الصراع او تجميده او محاولات الالتفاف عليه، عبر اتفاقيات ابراهيمية او سياسية او اقتصادية، لا تضمن الحقوق والثوابت الفلسطينية عبر حلول مؤقتة أو تطبيع إقليمي، او حتى دون استشارة الفلسطينيين والاخذ برأيهم، تؤدي دائمًا إلى تكرار الصدامات العسكرية، وبالتالي فمن مصلحة إسرائيل قبل غيرها حل الصراع وفق مبدأ الدولتين، تجنبًا لمواجهات عسكرية متواصلة ومتكررة من جهة وعزلة دولية وعقوبات من جهة أخرى، ناهيك عن الإيمان التام بين أصحاب هذا الموقف بان الوضع القائم، بمعنى غياب الدولة الفلسطينية واستمرار الاحتلال، والحصار، والاستيطان، وفقدان الأمل لدى الأجيال الفلسطينية الشابة يشكل وقودًا يغذي المواقف المتشددة فلسطينيًا، ويزيد ربما من شعبية الحركات الأصولية التي تخاطب عقول المقموعين، بروايات تغذي الحروب وتسبب المآسي الإنسانية، بمعنى ان غياب الحل السياسي الذي يضمن إنهاء الاحتلال وإقامة دولة الفلسطينية المستقلة، هو السبيل الوحيد لكسر هذه الدائرة المفرغة.
حرب مفتوحة
ولم تكن الصدمة سابقة الذكر من نصيب إسرائيل فحسب، بل طالت الصدمة والتداعيات الفلسطينيين في غزة خاصة وبعدها الضفة الغربية وسائر الدول العربية، جراء الدمار الهائل الذي اسفرت عنه الحرب المدمرة، وزادت الصدمة حين اتضح للفلسطينيين عامة ومواطني غزة خاصة انها حرب مفتوحة، دون سقف زمني بخلاف الحروب السابقة التي خاضتها إسرائيل واهتمت بأن تكون قصيرة او حتى جولات الصدام العسكري مع حماس، والتي لم يزد أطولها عن شهر ونصف، ناهيك عن ما اوقعته من ضحايا حيث أودت بحياة عشرات الآلاف وأحدثت دمارًا شاملًا في البنية التحتية وخلقت موجات من النزوح الجماعي ودعوات بل خططًا إسرائيلية ودولية حتى لو اتضح لاحقًا انها تصريحية وغير قابلة للتنفيذ، تتحدث عن التهجير والترحيل وإعادة الاستيطان الإسرائيلي في القطاع وتشجيع مالي وتشغيلي لإقناع الغزيين بالرحيل، رافقتها تداعيات إنسانية ومعيشية، بعد ان تعرض سكان غزة خاصة وثم الضفة الغربية الى ضغوط هائلة تشمل الحصار، التضييق، الاعتقالات، والدمار المستمر الذي غيّر شكل الحياة اليومية بشكل جذري يمكن وصفه بأنه كارثي ووصل قمة تدهوره، حتى مقارنة بالأوضاع السيئة التي سادت غزة بشكل دائم منذ استولت عليها حركة حماس منذ عام 2007، وحقيقة معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة وضعاً إنسانيا وسياسيا معقدًا، نتيجة وقوعهم بين الحصار الإسرائيلي المستمر رغم الانسحاب من طرف واحد من القطاع، إذ واصلت فرض الحصار الشامل برًا وبحرًا وجوًا خاصة بعد صعود حماس وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في عام 2006، ما تسبب بخلق قيود اقتصادية خانقة تمثلت بإغلاق المعابر، وتقييد حركة الأفراد والبضائع، ومنع صيد الأسماك كليًا او تقليص المساحات التي يسمح الصيد فيها، ما أدى الى ارتفاع معدلات البطالة والفقر واعتماد نسبة كبيرة من السكان على المساعدات الإنسانية، التي وصلت من الدول الأوروبية او دول الخليج، ناهيك عن مواجهات عسكرية متكررة واسعة ومدمرة أسفرت عن آلاف الضحايا وتدمير البنى التحتية من جهة، وسياسات حكم حركة حماس من جهة أخرى، والتي تمثلت بإحكام القبضة الأمنية على المواطنين، حيث اشارت تقارير حقوقية محلية ودولية إلى أن حماس فرضت سيطرة أمنية صارمة في غزة، وقيدت حرية التعبير والتجمع، إضافة الى انها ركزت على الجانب العسكري ورهنت لذلك معظم الموارد والضرائب والأموال التي تلقتها من قطر بطلب من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بينما تركز الحركة على الجانب العسكري، خاصة على ضوء فشل مفاوضات المصالحة الفلسطينية او بكلمات أصح وأدق إفشالها ربما عمدًا، وبالتالي دفع المدنيون في غزة الثمن الأكبر وتضررت حياتهم ومستقبلهم، نتيجة تعطيل وشلل الحياة الاقتصادية، ونقص الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والصحة، وتكرار الدمار جراء تكرار المواجهات العسكرية.
غياب البديل السياسي الجاهز
ما جاء سابقًا حول أصحاب الموقف القائل في إسرائيل ان لا مجال لأي حل سياسي للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني خاصة بعد السابع من أكتوبر 2023، يستند الى الموقف القائل ان جميع الغزيين شركاء لما ارتكبته حماس ويدعمونه وبالتالي يستحقون كل ما حل بهم وببلداتهم من دمار وقتل وجرحى وغيره، وان لا أبرياء هناك، بدليل قبولهم سلطة حماس منذ 2007، وعدم اتخاذهم أي خطوات للانقلاب عليها او لتغيير وجهتها، يتجاهل الواقع السائد في القطاع، وبالتالي يمكن الجزم، ان مجموعة من العوامل المركبة منعت سكان قطاع غزة من القيام بثورة شاملة ضد حركة حماس منذ سيطرتها على القطاع، منها القبضة الأمنية المشددة، وغياب البديل السياسي الجاهز، بالإضافة إلى الظروف الإنسانية القاسية، فحركة حماس فرضت بالقوة سيطرة أمنية وعسكرية صارمة على مناحي الحياة المختلفة في القطاع، الاقتصادية والاجتماعية والتشغيلية والتعليمية، وقامت الأجهزة الأمنية التابعة لها بقمع كل المحاولات او حتى النوايا للاحتجاج وكما حدث مع حراك "بدنا نعيش" الذي طالب بتحسين ظروف المعيشة، واستخدمت لذلك القمع، والاعتقالات، والملاحقة الأمنية، إضافة الى ان الواقع الاقتصادي الصعب ومعدلات البطالة والفقر، أجبرت المواطن البسيط على صياغة سلم أولويات تكون الأولوية القصوى فيه، تأمين طعامه وشرابه والاحتياجات الأساسية لعائلته، بعيدًا عن التفرغ للنشاط السياسي أو محاولة تغيير نظام الحكم او الحاكم، اما غياب البديل السياسي المقنع، فهو السائد في القطاع منذ 2007، خاصة جراء الانقسام الحاد بين حركتي فتح وحماس، وقناعات الناس أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح لا تشكلان بديلًا قويًا وحقيقيًا، خاصة على ضوء ضعف بل هزالة أدائها في الضفة الغربية إضافة الى الأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجهها السلطة جراء سياسات الحكومات الإسرائيلية ووقف التفاوض والعقوبات الاقتصادية وانحياز الولايات المتحدة التام الى جانب إسرائيل، دون ان ننسى تجذُّر الرواية، وبسبب المعاناة والحصار، بأن إسرائيل هي السبب الرئيسي لمعاناتهم اليومية، بكل ما يعنيه ذلك من توجيه للغضب الشعبي نحو إسرائيل بدلًا من حماس، وكم بالحري ان المواجهات والجولات العسكرية المتكررة خلقت حالة من التضامن الداخلي المؤقت لمواجهة الخطر الخارجي.
منطق الجدار الحديدي
وبما أن التاريخ يعيد نفسه مرتين، كما قال كارل ماركس، وبعد ان اتضح ان كل الحديث عن ترحيل اختياري او تهجير قرسي في قطاع غزة ورغم كل الدمار والخراب والقتلى والجرحى، يبدو ان دولة إسرائيل، قررت عبر سياسات حكومتها الحالية، وربما بفعل هجمات السابع من أكتوبر 2023، الى منطق الجدار الحديدي، الذي صاغ اسسه زعيم الصهيونية التصحيحية، زئيف جابوتنسكي عبر مقالته الشهيرة "الجدار الحديدي" الصادرة عام 1923، وأكد فيه ان التوصل إلى اتفاق طوعي عبر التفاوض والحلول الوسط مع العرب في فلسطين (الفلسطينيين) أمر مستحيل، كما أن تهجيرهم أو طردهم ليس مطروحًا أو ممكنًا عمليًا، ولذلك يجب فرض المشروع الصهيوني بالقوة الصلبة وراء "جدار حديدي" من التفوق العسكري حتى يرضخ العرب للأمر الواقع، خاصة وانهم ينظرون إلى أنفسهم كأصحاب الأرض، وأنه لا يوجد شعب في العالم يتنازل طوعًا عن وطنه، وبالتالي من غير المجدي محاولة خداعهم أو تقديم تنازلات شكلية أو التفاوض معهم في مرحلة التأسيس، لأن أي محاولة لإقناعهم بالقبول السلمي ستفشل تمامًا، ومن هنا فالحل الممكن الوحيد هو بناء قوة عسكرية ذاتية وصلبة لا يمكن لأي ضغط عربي اختراقها، او بناء جدارٍ يشمل تفوقًا عسكريًا وماديًا واقتصاديًا واضحًا للعيان، تتحطم عليه محاولات هزيمة اليهود مرة تلو الأخرى، وعندها ستبرز قيادات عربية معتدلة، تقبل الحل والتفاوض "بشروط إسرائيلية"، وهو ما يبدو في هذه الانتخابات التي تدور كلها حول قضية الجيش والأمن ومن هو الزعيم الذي يمكنه تحقيق الانتصار العسكري الواضح والحاسم، او النصر المُطلق، على كافة الجبهات، دون أي تطرق الى ضرورة التفاوض اون طريق السلام هي الأفضل حتى لو كانت الأقسى وربما الأطول.
وهكذا تجد إسرائيل، ومعها الإقليم وربما العالم نفسه وهذه حقيقة لا مبالغة فيها، امام انتخابات إسرائيلية مصيرية بحق وحقيق وبعيدًا عن التنميق الكلامي، تتداخل فيها بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الدوافع والاعتبارات السياسية الشخصية مع تأثيرات واضحة وان كانت معقدة تفرضها الحالة الإقليمية والتحالفات الدولية، ما يمكن ان يقود الى ما يسميه علماء العلوم السياسية أحيانًا بالحرب التحويلية وهي اللجوء إلى تصعيد خارجي للتغطية على أزمات داخلية، بهدف تأجيل الانتخابات رغم انها أصبحت قاب قوسين او ادنى او على الأقل عرقلتها، وهو ما أعلنته المعارضة متهمة نتنياهو بمحاولة تهيئة الأرضية لتصعيد عسكري واسع يمنح مبررًا قانونيًا وأمنيًا لتأجيل الانتخابات، خاصة في ظل استطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع قوة معسكره وصعوبة تشكيله حكومة أغلبية مريحة، او اللجوء كما نشاهد الى أجندة التخويف والخوف، عبر تحويل النقاش من الإخفاقات التي تلت السابع من أكتوبر وارتفاع تكاليف المعيشة، الى التخويف من قضايا وجودية منها السلاح النووي الإيراني خارجيًا، والمواطنين العرب والأحزاب العربية داخليا، مع الإشارة هنا خاصة الى انه تزايدت في الأيام الاخيرة تحذيرات صدرت عن نتنياهو وبعده وزير الأمن يسرائيل كاتس وبعده رئيس الشاباك دافيد زيني، من وجود مؤشرات تشير الى احتمال قيام أعداء إسرائيل، كما قالوا، بمهاجمتها للتأثير على الانتخابات، وهي تحذيرات سياسية انتخابية في جوهرها ربما تمنح نتنياهو المبرر او الذريعة لشن ضربة استباقية بادعاء الدفاع عن النفس، رغم التحذيرات من تآكل مؤهلات وقدرات الجيش النظامي والاحتياطي بسبب نقص اعداد الجنود على ضوء قبول الحكومة بعدم تجنيد الشبان من التيارات الدينية المتزمتة، الحريديم، كجزء من اتفاقيات ائتلاف نتنياهو، ورغم أصوات تتهم نتنياهو بأنه قد يبادر الى حرب لتحقيق عدة اهداف في آنٍ واحد منها تأجيل الانتخابات ومحاولة تغيير الحالة الانتخابية لصالحه، واستمرار تأجيل محاكمته وحشر المعارضة في الزاوية، ومنع قادتها من إبداء مواقف تعارض الحرب.
النقاء الانتخابي الزائد عن الحد مقابل دهاء نتنياهو السياسي
بالنسبة لأحزاب المعارضة من الجهة الأخرى، تتشكل الصورة من شقين أولهما ان قيادة هذه الأحزاب، تدرك مجتمعة وكل منها على حدة، حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها مع اقتراب انتخابات الكنيست، ويبرز ذلك في خطوات عملية غير مسبوقة لتفادي أخطاء الماضي وتوحيد الجهود لمواجهة بنيامين نتنياهو، بالامتناع التام عن الهجمات المتبادلة خلال الحملة الانتخابية لتركيز الجهد ضد الائتلاف الحالي، إضافة الى اتفاقيات فائض الأصوات: أبرمت الأحزاب الرئيسية في المعارضة اتفاقيات لضمان عدم ضياع أي مقعد (مثل تحالف "يشار" مع "الديمقراطيين")، ورغم ذلك يبرز للعلن، ويجب قول ذلك من منطلق الاعتراف بالحقيقة وعدم دفن الرأس في الرمال، ما يمكن تسميته بالسذاجة السياسية والنقاء الانتخابي الزائد عن الحد مقابل دهاء نتنياهو السياسي واعتماده أسلوب تجييش القواعد الانتخابية حتى لو كان ذلك عبر معلومات مضللة في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، اما الشق الثاني فيتعلق بموقفها الذي يتسم بالخوف وربما الجبن، بالنسبة لمسألة الصوت العربي، خاصة وان الاستطلاعات تشير ومع اقتراب موعد الانتخابات الى شبه تعادل بين المعسكرين، الائتلاف الحالي الذي يحصل وفقها على نحو 51-52 مقعدًا والمعارضة التي تحصل على 52-53 مقعدًا، ما يعني أن أحدًا لن يصل اغلبية 61 صوتًا دون الأحزاب العربية، التي تُقدر قوتها بنحو 12-14 مقعدًا، ومع ذلك تبدي المعارضة الخوف الشديد من التصريح علنًا بقبول دعم القوائم العربية لتشكيل حكومة، وهو ما يستغله نتنياهو في حملته الدعائية لإضعاف الكتلة، وفوق كل ذلك نلاحظ عدم وجود اختلافات جوهرية بين المعارضة والائتلاف في الخطوط العريضة للسياسات الأمنية والعسكرية، ومن هنا تركِّز المعارضة انتقاداتها لنتنياهو على طريقة إدارة الأمور والمسؤولية عن إخفاقات 7 أكتوبر 2023، مما يجعل المعركة الانتخابية تركز على شخص نتنياهو ومدى ملاءمته للحكم بدلًا من تقديم بديل أيديولوجي شامل.
ختامًا: هو السؤال الأهم والسطر الأول والأخير: "هل يمكن لصندوق الاقتراع في عام 2026 أن يغلق جرحًا بدايته خريف 2023؟" خاصة وان ثلاث سنوات مرت على أحداث السابع من أكتوبر، زادت معها الشروخ السياسية والأمنية داخل الخارطة الحزبية في إسرائيل. وبين فئات الشعب الإسرائيلي المختلفة سياسيًا ودينيًا وطائفيًا اليوم، وبالتالي لا بد من السؤال هل ستكون هذه الانتخابات محاكمة سياسية متأخرة لـ "إخفاق أكتوبر"، أم إعادة تفويض للقوى التي قادت مشهد الحرب، والسؤال هنا ماذا سيكون بعد ذلك؟ اما بالنسبة للمعارضة فالسؤال هو إذا ما كانت حقًا تفهم فعلا خطورة الموقف وتفهم أن الاختبار الحقيقي لمسؤوليتها سيبدأ في اليوم التالي للانتخابات، حيث ستكون مضطرة لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن التحالفات لتجنب سيناريو الانسداد السياسي الذي قد يخدم استمرار نتنياهو في السلطة؟؟ الرد قريب.. وموعده في الثامن والعشرين من أكتوبر 2026.
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
من هنا وهناك
-
اجندات الحملات الانتخابية للمعسكرات المختلفة، وماذا اكثر ما يخشاه نتنياهو؟! بقلم: سهيل دياب- الناصرة
-
‘منطق التآلف في حضارة التخالف: دراسة في فلسفة القبول المعرفي!‘ - بقلم : د نوّاف علي الطوري من رهط
-
تشرين… موسم الرمان | بقلم أريج منصور
-
‘كيف يسقط الكونغرس الأمريكي أوراق التوت عن دبلوماسية طهران في نيويورك؟‘ - بقلم: د. سامي خاطر
-
‘هرمز على حافة التصعيد ‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘شرعية الغضب واستحقاق التغيير: هل تستيقظ الأمم المتحدة على صدى أزمة إيران المزمنة؟‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
‘غرينلاند في قلب الصراع القطبي: أميركا تبني «عيناً استراتيجية» على روسيا والصين‘ - بقلم: البروفسور حسين الديك
-
حكومة إسرائيل: بين الاستعلاء السياسيّ وسياسة الاستعلاء | بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘كلفة الانتخابات لا تجعل التصويت إلزاميًا‘ - بقلم: منير يوسف قبطي
-
‘منعوا الرئيس…لن يستطيعوا منع فلسطين‘ -بقلم: ماجد هديب





أرسل خبرا