قصة بعنوان ‘عودة الروح‘ - بقلم: الكاتبة أسماء الياس من البعنة
لوّح لي بيده كأنه يودّعني الوداع الأخير، وكأنه يقطع بمرارة كل خيطٍ كان يربطني به. في تلك اللحظة التي أقبل فيها حبيبي "كارم"، كانت على وجهه علاماتٌ وانفعالاتٌ لا أحد في هذا العالم يفهم لغزها ويقرأ تفاصيلها سواي.

بادرتُه بالسؤال والريبة تنهكني: كأنك جئت كي تودعني؟ هل ما يجول في خاطري صحيحٌ أم أنني أتوهم؟
أجابني بصوتٍ يملؤه الحزن
لا، لستِ بمخطئة... صدقيني، كان من أسرّ الأمور على نفسي وأصعبها أن أجيء لأودعكِ، فكيف للإنسان أن يقطع وريده بيديه؟ أنتِ الوحيدة التي أحببتُها من أعماق قلبي، وأنتِ يا مرسيل قطعةٌ مني. لكن قسوة الحياة تجبرنا أحيانًا على اتخاذ قراراتٍ تبعدنا كل البعد عن السكينة التي اعتَدناها.
ثم واصل حديثه بأسى: أنتِ تعلمين بلا شك أن الوضع في البلاد لم يعد يُطاق؛ الجريمة تفشت حتى خنقَت الأمان، والغلاء كسر كاهل العامل والموظف الشريف، حتى بات من يعيش في القاع يعجز عن تأمين قوت يومه. كل هذا بسبب الحروب والنزاعات التي طحنتنا طحنًا، ولا يلوح في الأفق أي حلّ يُرضي الجميع. لهذا وجدتُ نفسي "مُكرهًا أخاك لا بطل" أرى في السفر والرحيل الملاذ الوحيد. سأفتقدكِ أشد الفقد، لكن غيابي لن يطول؛ فما إن يستقر وضعي هناك حتى أرسل في طلبكِ لنبني معًا عائلتنا في الغربة."
غاب كارم، ومضت سنواتٌ ثقال... كنتُ خلالها أتقصى أخباره وأسأل عنه بلهفة لم تطرأ عليها أي استكانة.
وفي أحد الأيام، وبينما كنتُ غارقةً في التحضير لرسالة الدكتوراه تلك التي أجلتُها مرارًا لأن حب عمري كان يستحوذ على كل تفكيري ووقتي سمعتُ طرقًا خفيفًا على الباب.
كان الطارق "جابر العواد"، صديق كارم الوفيّ، وأحد أولئك الرجال المخلصين الذين تجدهم دومًا عند الشدائد. كنتُ أستعين به كلما ضاقت بي السبل، حتى إنني قلتُ له ذات مرة بعتابٍ محزون: إن كارم لم يعد يسأل أو يتصل، رغم أنه أقسم لي أن نسياني مستحيل، ووعدني بالاستقرار وانه سيطلب يدي، لكن الأيام تنطوي بسرعة، ولم يتحقق من وعوده شيء، بل انقطعت أخباره تمامًا.
بعد أن ألقى جابر التحية واطمأن على صحتي وصحة عائلتي، جلس يتلعثم قليلاً، ثم قال بنبرة تملأها الشفقة :إنه علم من مصدرٍ موثوق أن حال كارم يرثى له، وأنه خسر كل أمواله في البورصة، وبات يصارع الخيبة والعدم.
نزل الخبر عليّ كالصاعقة، لكنه في الوقت ذاته أزاح الركام عن قلبي؛ فتحوّل عتابي وسخطي إلى خوفٍ شديدٍ وحنانٍ لا ينضب. عرفتُ حينها سبب صمته وغيابه؛ لم يكن جفاءً ولا نسيانًا، بل كان كبرياء رجلٍ جريحٍ أثقلته الخيبة وعجز عن الوفاء بعهده لمن يحب.
أغلقتُ كتب الدكتوراه، ولم أتردد لحظة واحدة. حصلتُ بمساعدة جابر على أرقام التواصل وعنوانه الأخير، وبدأتُ أبحث عنه وأتواصل مع المعارف هناك حتى وصلتُ إليه.
عندما سمع صوتي عبر الهاتف بعد كل تلك السنين، ساد الصمت لثوانٍ طويلة لم يقطعها سوى صوت أنفاسه المتهدجة، ثم قال بنبرة منكسرة:
مرسيل... لقد خسرتُ كل شيء، ولم أعد الرجل الذي وعدكِ بحياة مرفهة ومريحة.
أجبتُه والدموع تترقرق في عينيّ، لكن بصوتٍ ثابت يملؤه الأمل:
لقد خسرتَ المال يا كارم، لكنك لم تخسرني. أطروحة الدكتوراه التي أجلتُها طويلاً ستعيد برمجة حياتنا وإعادة بناء كل ما تهدم، وسنكتب فصلها الأخير معًا. الروح التي عانت من الغربة... حان لها أن تعود."
لم تكن عودته إلى الوطن مجرد سفرٍ في حافلة أو طائرة، بل كانت عودة الروح إلى جسدٍ أرهقته الغربة؛ أدركنا حينها أن الأوطان ليست مجرد جغرافيا، بل هي القلوب التي تتسع لنا حين تضيق بنا كل أرجاء الأرض.
من هنا وهناك
-
‘ الحياة قرارات واختيارات‘ - بقلم : سليم السعدي
-
‘في أحضانك خَبّينا‘ -بقلم: زهير دعيم
-
‘صفعة الحقيقة‘ - قصة قصيرة بقلم: اسعد عبدالله عبدعلي
-
زجل ‘المُرْوي يُرْوَى والمُعطي المسرور يُحِبُّهُ الله‘ - بقلم: أسماء طنوس من المكر
-
زجل ‘شِدّ الهِمة‘ – بقلم: أسماء طنوس من المكر
-
‘من دفاتر الايام ‘ - بقلم: زهير دعيم
-
قصة بعنوان ‘علاقة على صفيح ساخن‘ - بقلم : الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة‘ - قصة قصيرة بقلم: حيدر حسين سويري
-
‘ إني أدرى ‘ - بقلم: هادي زاهر
-
في عيده التسعين أتمنى لعمي نمر دوام الصحة | بقلم- د. رندة زريق - صباغ





أرسل خبرا