‘قصتي قصة‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
بدأت قصتي مع الكتاب، ومع القراءة بوجهٍ عام، منذ المرحلة الابتدائية؛ كان الكتاب حينها رفيقي الذي لا يفارقني أبدًا، أقرأ كل ما تقع عليه عيني من قصةٍ أو رواية. قرأتُ في الأدب العربي، والأدب الروسي المترجم،

وغصتُ في أعمال أعظم الكُتّاب والأدباء. في كل مرة كان والدي يجلب لي فيها مجموعة من الروايات، كنتُ ألتهم الصفحات التهامًا، حتى أصبحت اللغة العربية حبيبتي ورفيقتي الأولى.
كبرتُ في جوٍّ ثقافيٍّ خالص، علّمني فيه والدي أن "الكتاب هو الرفيق الذي لا يخون". وهكذا كبرتُ وتدرّجتُ في العمر، وحتى اليوم، لا أصادق إلا الكتاب، ولا أؤمن إلا بما كُتب على أيدي جهابذة الأدباء والعلماء (الجهبذ هو الخبير الحاذق والناقد البارع، الذي يميز بين الجيد والرديء ويفهم غوامض الأمور ودقائقها).
ولأني ابنة كاتب وشاعر قدير، والدي المرحوم حنا إبراهيم إلياس (الذي اشتهر باسم حنا إبراهيم)، فقد ورثتُ عنه موهبة الكتابة. وفي فترة قصيرة نسبيًا، أصبحتُ كاتبةً للمشاعر والأحاسيس، قبل أن أنتقل لاحقاً إلى كتابة القصة والرواية.
كتبتُ عن الواقع الذي نعيشه، عن وضعٍ لا نُحسد عليه؛ عن حربٍ طحنت حياتنا طحنًا، وعن عنفٍ ننام ونستيقظ على أخباره. في البداية، ركزتُ في كتاباتي على كل ما يخص المشاعر، وعلى المحبة التي يجب أن تسود قلوب البشر... حاولتُ أن أكون رسول المحبة الذي يوزع الحب على البشرية دون أن يحسب لأي شيء حساب.
لم تكن كلماتي صعبة الاستيعاب؛ فقد اعتمدتُ أسلوب "السهل الممتنع" القريب من القلب والفهم، ولهذا كان استقبال القراء لكلماتي مشحونًا بالترحاب والعمق. حاولتُ بكل ما أوتيتُ من قوة تعبير تميّزتُ بها والفضل كل الفضل لوالدي الذي شجعني وأمدّني بالكتب التي أغنت لغتي العربية بمصطلحاتها الثرية أن أكتب عما أشعر به، وعما يعتمل في أعماقي من مشاعر الحب وكل ما يتأجج في الوجدان.
لم يكن الانتقال من كتابة خواطر المشاعر إلى عالم القصة والرواية مجرد تغيير في الشكل الأدبي، بل كانت استجابة ناضجة لنداء الكلمة في داخلي؛ فقد أدركتُ أن القصة هي الوعاء الأنسب لاتساع تجاربي ورصد الواقع بكل تفاصيله المؤلمة والإنسانية.
تجلّت هذه المرحلة في أعمالي القصصية التي صغتُ فيها وجع الناس وآمالهم، وكانت تجربة مجموعة "حصاد الزيوان" محطةً بارزة تعكس فلسفتي في الكتابة؛ حيث أردتُ من خلالها غربلة الواقع، وتسليط الضوء على الشوك والزيوان الذي ينمو في دروب الحياة، لنصل في النهاية إلى القمح الصافي إلى جوهر الإنسان ونقائه رغم العواصف والعنف الذي يحيط بنا.
أما تجربة كتابة الرواية، فكانت بالنسبة لي سفرًا أعمق في أروقة النفس البشرية ومتاهات الواقع. فالرواية ليست مجرد سردٍ للأحداث، بل هي بناء عالم كامل أرسم شخوصه بفرشاة الحب والمكابدة. في الرواية خضتُ تحدياً جديداً؛ كيف أصوغ الصراع الإنساني الكثيف بأسلوبي السهل الممتنع، وكيف أمنح الشخصيات أصواتها الحقيقية لتعبر عن العنف والحرب والمشاعر بلا تكلّف.
كانت كتابة الرواية تجربة استنزفت الكثير من الروح، لكنها منحتني في المقابل مساحة من الحرية لا حدود لها، لأظل كما أردتُ دائمًا: صوتًا للحب، ومرآةً صادقة للواقع، ووفيةً لرسالة والدي الذي علمني أن الكلمة أمانة.
واليوم، حين أنظر إلى نسج هذه السنين، أدركُ أن الكتابة لم تكن بالنسبة لي مجرد هواية أو شغفٍ عابر، بل كانت وما زالت رسالة وجود، ووفاءً لعهدٍ بدأته منذ طفولتي تحت ظل والدي المبدع.
قد تتبدل الأحوال وتتغير الظروف، وتطحن العواصف من حولنا الكثير، لكن تبقى الكلمة الصادقة هي الملاذ الأخير؛ تمنحنا القوة لنقاوم البشاعة بالمحبة، ولنزرع الأمل في قلب الألم. ستظل ريشتي تسكب المشاعر، وتنسج من القصص والروايات مرآةً للإنسان ونبضاً للحق.
إنني مستمرة في هذا الدرب، أحمل الكتاب رفيقاً لا يخون، وأرسل كلماتي بأسلوبي السهل الممتنع إلى كل قلبٍ يبحث عن المحبة والصدق... فبالحب بدأنا، وبالحب نستمر، ولأجله نكتب.
من هنا وهناك
-
موشحات ‘يا قُدْسَ الأقداس‘ - بقلم: أسماء طنوس
-
‘عَ النّاصرَة‘ - بقلم: زهير دعيم
-
‘أنا بن غفير‘ - بقلم: هادي زاهر
-
‘ الحياة قرارات واختيارات‘ - بقلم : سليم السعدي
-
‘في أحضانك خَبّينا‘ -بقلم: زهير دعيم
-
‘صفعة الحقيقة‘ - قصة قصيرة بقلم: اسعد عبدالله عبدعلي
-
زجل ‘المُرْوي يُرْوَى والمُعطي المسرور يُحِبُّهُ الله‘ - بقلم: أسماء طنوس من المكر
-
زجل ‘شِدّ الهِمة‘ – بقلم: أسماء طنوس من المكر
-
‘من دفاتر الايام ‘ - بقلم: زهير دعيم
-
قصة بعنوان ‘علاقة على صفيح ساخن‘ - بقلم : الكاتبة اسماء الياس من البعنة





أرسل خبرا