‘أزمة البنيان الاقتصادي الإيراني: جحيم الغلاء وتآكل الأجور على وقع السياسات الاستراتيجية‘ - بقلم: د. سامي خاطر
تشهد المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في إيران تفككاً بنيوياً غير مسبوق، تعكسه مؤشرات تضخم الغذاء وشلل سوق العمل. وتشير التقارير الميدانية المستقلة والصادرة عن مراكز الرصد الدولية إلى دخول البلاد في منزلق خطير؛
صورة شخصية
حيث أسفرت سياسات نظام الولي الفقيه وهيمنة حرس النظام الإيراني على مفاصل الإنتاج والتجارة عن تآكل حاد في القدرة الشرائية للمواطنين، دافعة بملايين الأسر نحو هوة الفقر المدقع. ولم تعد الأزمة مجرد تراجع عابر في مؤشرات التنمية، بل باتت تشكل تهديداً وجودياً للاستقرار الاجتماعي، محولة معركة تأمين القوت اليومي إلى محفز حتمي للغضب الشعبي المتنامي في طهران ومختلف المحافظات.
تغوّل تضخم الغذاء وسحق الطبقات الوسطى
تتجلى قمة المأساة المعيشية في الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية؛ إذ تشير المعطيات الميدانية إلى تسجيل أسعار الأغذية والمشروبات قفزة كارثية تجاوزت 128 %، بالتوازي مع ارتفاع التضخم الشهري إلى نحو 87. 9 %، ومعدل تضخم سنوي بلغ 66 %. هذا التدهور القياسي يعني أن سلة الغذاء الأساسية باتت تستنزف وحدها نحو 74. 5 % من الحد الأدنى لأجور العمال، مقارنة بنحو59 % في العام السابق. وأمام هذا الواقع، قفزت أعداد المواطنين القابعين تحت خط الفقر المطلق لتتراوح بين 34 مليون شخص (ما يعادل 40 إلى 44% من إجمالي السكان)، مع توقعات بتجاوزها 45. 5 %، لتجد الطبقة الوسطى والكوادر المتخصصة نفسها قد تحولت إلى فئة الفقراء العاملين.
شلل سوق العمل وتراجع الإنتاج الوطني
على صعيد سوق العمل، تعكس الأرقام الرسمية المضللة حجم الفشل الهيكلي؛ إذ تحاول الدعاية الحكومية في طهران الترويج لمعدلات بطالة منخفضة لا تتجاوز 7 %، بينما تؤكد الوقائع الميدانية خروج أكثر من مليون شخص من سوق العمل الرسمي خلال عام واحد، وفقدان نحو 630 ألف وظيفة صناعية في فصل واحد. ويعود هذا الشلل إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، وانهيار قيمة العملة المحلية، وأزمات انقطاع التيار الكهربائي المتكررة التي أدت إلى إغلاق آلاف المنشآت. وفي المقابل، تواصل الكارتلات الاقتصادية التابعة لـ حرس النظام الاستحواذ على الصفقات والمناقصات الكبرى، موجهة السيولة نحو التسلح والمشاريع الإقليمية على حساب دعم الصناعات الوطنية.
هروب الكفاءات وتضخم الاقتصاد غير الرسمي
أفرز هذا الانسداد الاقتصادي ظاهرتين خطيرتين؛ الأولى هي الاستنزاف الواسع لرأس المال البشري من خلال الهجرة الإجبارية للكفاءات والشباب بحثاً عن آفاق للعدالة والتقدم. والثانية هي الهروب القسري نحو الاقتصاد غير الرسمي والهش، والذي بات يشكل نحو 60 % من إجمالي النشاط الاقتصادي. وتعد منصات النقل وتوصيل الطلبات عبر التطبيقات الرقمية الواجهة الأبرز لهذا الواقع، حيث اضطر ملايين الخريجين والعمال المفصولين إلى العمل كسائقين لساعات طويلة دون أي ضمان صحي أو تقاعدي، مما رفَع مؤشر البؤس إلى 96 % على المستوى الوطني، وتجاوز حاجز100 % في 19 محافظة إيرانية.
الجذور الهيكلية للانهيار: بين التنمية والمغامرات الخارجية
إن تفشي الفقر المدقع وانهيار القوة الشرائية في بلد يزخر بالثروات الباطنية يعودان إلى جذور هيكلية عميقة مرتبطة بسوء الإدارة والفساد الممنهج. فبدلاً من توجيه العوائد الوطنية وموارد البلاد لدعم البنية التحتية، وتوفير الحماية الاجتماعية، وإنقاذ صناديق التقاعد المفلسة، تؤثر المنظومة الحاكمة تسخير المقدرات في تمويل الأنشطة العسكرية الخارجية ورعاية الميليشيات الإقليمية إلى جانب الإنفاق الباهظ على المشاريع النووية التدميرية. هذا التوجيه الاستراتيجي للموارد أدى إلى تهميش كامل للمناطق الريفية، حيث يعاني أكثر من نصف سكان القرى الفقر المدقع مع قفز تضخم الأغذية الريفية إلى 108 %.
استنتاجات استراتيجية في مآلات الاحتقان الاجتماعي
تثبت المعطيات الميدانية والتحليلات الاقتصادية المستقلة أن الأزمة الإيرانية تجاوزت الأبعاد النقدية البحتة لتتحول إلى أزمة سياسية وأخلاقية شاملة. إن سحق الطبقة العاملة وتجويع المتقاعدين لصالح استمرار منظومة الولي الفقيه يزيل الفوارق بين الشرائح الاجتماعية، ويوحد صفوف الشارع الإيراني في مواجهة الاستبداد. وبات واضحاً أن الانسداد التام في آفاق الإصلاح الداخلي يجعل من المواجهة الميدانية والاحتجاجات الشعبية المتصاعدة خياراً حتمياً للمجتمعات الإيرانية الساعية لإنهاء سياسات النهب المنظم واستعادة حقوقها الأساسية المسلوبة.
من هنا وهناك
-
عمر عقول من الناصرة يكتب: رسالة مفتوحة لكل مرشحي الكنيست العرب.. الى أي جحيم أنتم ماضون بنا؟
-
مقال | الإجهاد الحراري: ما مدى الحرارة التي تعتبر شديدة؟
-
‘العودة إلى مقاعد الدراسة... استعداد يتجاوز الكتب والصفوف‘ - بقلم: رائد برهوم
-
البروفيسور فؤاد عازم يكتب: الطبيب العربي الذي رفضت ان يعالجك.. هو أنا
-
مقال | المسيحيون في الانتخابات: هل نحن ممثَّلون أم مجرد محسوبين؟
-
المحامي شادي الصح يكتب في بانيت: لجنة الوفاق ليست ‘بوفيه مفتوح!‘
-
‘ أَهو موضوع رئيس أو موضوع رئيسيّ!؟‘ بقلم: د. أيمن فضل عودة
-
‘نفاد الصواريخ الأمريكية… الحقيقة التي حاولت واشنطن إخفاءها ‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘الاتفاق السعودي- الباكستاني- التركي، كيف نقرأه؟‘ - بقلم: د. سهيل دياب - الناصرة
-
‘ ماذا تبقّى من العطله الصّيفيّة؟! ‘ - بقلم: الاختصاصية النفسية نادية ملك جبارين





أرسل خبرا