مقال: اليأس كفر.. والقنوط ضلال - بقلم: الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الاسلامية
بعد المظاهرات والوقفات والنشاطات الجماهيرية الواسعة رفضًا للعنف والإجرام، وتحميلِ الجهات المسؤولة كاملَ مسؤولياتها، وأخذِ المجتمعِ دوره المشروع في إطار القانون والعمل الإنساني للدفاع عن نفسه ورفع الصوت عاليًا في وجه القتلة والمجرمين،

المنفذين والداعمين والساكتين؛ نلحظ في المقابل تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف والقتل.
وقد يبدو هذا التصاعد ردّةَ فعلٍ على هذا الحراك المتنامي؛ كمن يحرّك عشّ الدبابير أو يوقظ وكر الأفاعي، فتتحرك قوى الإجرام محاولةً بثّ الخوف وإظهار التحدّي أمام إرادة الإصلاح.
ونحن نمر في أزمنةٍ تتكاثر فيها مشاهد الدم والاعتداء، قد يتسلّل إلى النفوس شعورٌ بالعجز، حتى يظنّ بعض الناس أن الشرّ قد استحكم، وأن الإصلاح بات بعيد المنال. غير أنّ ميزان الإيمان يحسم القضية، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
فاليأس ليس إحساسًا عابرًا، بل شللٌ يعطّل الإرادة ويجمّد الطاقات. وحين ينسحب الصالحون من الميدان، لا تنتصر الجريمة لقوتها، بل لغياب من يواجهها.
إن تحريم اليأس لا يعني إنكار الواقع، ولا التغافل عن الألم، بل رفض الاستسلام له. فالإيمان لا يدعو إلى التفاؤل السطحي، بل إلى أملٍ يُترجم عملًا: مبادراتٍ تربوية، وتكاتفًا اجتماعيًا، وخطابًا أخلاقيًا واضحًا، ومطالبةً جادّة بتطبيق القانون بعدلٍ وحزم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. إن التغيير سنّة ربانية، لكنه يحتاج إلى صبرٍ وثباتٍ وتراكم.
وشهرُ الصيام مدرسةُ التغيير الكبرى؛ فهو شهرُ الامتناع الإراديّ عن المباح، فكيف بالمحرّم؟ وهو تدريبٌ يوميّ على ضبط النفس، وكبح الشهوة، ومراقبة الله في السرّ والعلن. إذا استطاع الإنسان أن يمتنع عن طعامه وشرابه امتثالًا لأمر الله، فهو قادرٌ أن يمتنع عن الظلم والعدوان وسفك الدم الحرام. إن الصيام ليس جوعًا وعطشًا، بل إعادةُ تشكيلٍ للإرادة، وبناءٌ لإنسانٍ جديدٍ أقوى على مواجهة نفسه قبل أن يواجه الفساد من حوله. ومن هنا كان شهر الصيام شهرَ تحوّلٍ حقيقيّ، فرديًّا ومجتمعيًّا.
وللقيم والعبادات دورٌ كبير في تجفيف منابع العنف؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يزكّي النفس ويهذّبها، والزكاة تطهّر المجتمع من الحقد والحاجة، والحج يرسّخ معاني الانضباط والوحدة. وحين تُؤدّى هذه الفرائض بروحها ومقاصدها، تسهم في معالجة جذور العنف، لا الاكتفاء بمواجهة مظاهره.
العنف جريمة، والإجرام عدوان، لكن اليأس استسلامٌ مضاعف. والمؤمن الحقّ يعلم أن الليل – مهما طال – يعقبه فجر، وأن الفساد – مهما انتفش – إلى زوال. فلنقاوم العنف والجريمة المنظّمة بخططٍ منظّمة يقودها الوعي والمسؤولية، ولنقاوم اليأس بالإيمان والعمل، ولنجعل الأمل طاقةً دافعةً نحو الإصلاح، لا شعارًا يُقال، بل مسارًا يُعاش.
من هنا وهناك
-
‘الممارسة الديمقراطية تكتمل عندما نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي‘ - بقلم : تيسير خالد
-
‘الانتخابات النصفية الأمريكية 2026: أزمة ترامب وإعادة تشكيل موازين القوة في واشنطن‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
فقط تحدثت بالعربية... متى أصبحت اللغة سببًا للكراهية؟
-
‘تأجيل الانتخابات لا يطفئ أزمة.. بل يوسع جرح الوطن‘ - بقلم: فتحي كليب
-
مقال: ما بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية: حوار يبدأ بالمراجعة.. لا بإعادة إنتاج الأزمة
-
‘معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة‘ - بقلم: المهندس منير سعد – بيرزيت
-
‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط
-
المحامي زكي كمال يكتب: بين السابع من اكتوبر والانتخابات البرلمانية.. تجديد للثقة أم حجب لها؟
-
‘الأردن.. الثقة تحتاج إلى أكثر من النفي!‘ - بقلم: عماد داود
-
في الحركة السياسيّة: أسئلة تفتحُها الانتخابات ولا تُجيب عنها - بقلم: أمير مخول





أرسل خبرا