‘الجغرافيا التي لا تصمت: أرض الصومال في ميزان التاريخ والجيوسياسة‘ - بقلم: د. طارق محمود بصول
تناقلت مواقع الصحف المحلية والعالمية خبراً بتاريخ 25 كانون الأول 2025 حول اعتراف إسرائيل بأرض الصومال. هذه المقالة، وبعيداً عن السياسات والاستراتيجيات الكامنة وراء هذا القرار، تقف عند الجغرافيا التاريخية والسياسية لهذا الاعتراف.

يبحث مجال الجغرافيا التاريخية والسياسية في العلاقة بين الأحداث التاريخية، والقرارات السياسية، والموقع والمنظر الجغرافي، إذ إن العديد من القرارات السياسية تحوّلت لاحقاً إلى أحداث تاريخية أثّرت في مواقع جغرافية محددة.
فعلى سبيل المثال، في الحيّز المحلي، وبسبب موقع صفورية الجغرافي الذي يطل على سهل كفركنا والخالدية (اليوم مفترق هموبيل)، اتخذها ظاهر العمر في القرن الثامن عشر مكاناً لحكمه. كذلك، فإن اللد والرملة، بسبب موقعهما الجغرافي بين يافا (اليوم يافا–تل أبيب، ولكن عبر التاريخ كانت يافا بوابة القدس) ومدينة القدس، حظيتا باهتمام الحكومة العثمانية التي أقامت محطة للقطار الواصل من يافا إلى القدس.
أما الصومال فهي إحدى الدول الإفريقية التي تقع في الطرف الشرقي للقارة الإفريقية (القارة السمراء). وتطل على المحيط الهندي الذي يربط القارة الإفريقية بشرق وجنوب القارة الآسيوية، مثل الهند والصين، إضافة إلى إطلالتها على خليج عدن الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط ومنه إلى أوروبا. ويُضاف إلى ذلك أنه حتى قبل حفر قناة السويس في منتصف القرن التاسع عشر، كانت السفن التجارية تمر عبر رأس الرجاء الصالح (جنوب قارة إفريقيا)، وقد استفادت الصومال من مرور السفن التجارية بمحاذاة سواحلها.
هذا الموقع الجغرافي وميزاته الخاصة حوّل هذه الدولة إلى محطة لقرارات سياسية تُرجمت لاحقاً إلى السيطرة عليها والاستيطان فيها. ففي القرن الثامن عشر تعاظم مسار التنافس بين الدول العظمى حول توسيع رقعة الاستعمار. بريطانيا، التي لُقبت بالدولة التي لا تغيب عنها الشمس (بمعنى امتلاكها مستعمرات في معظم أنحاء العالم)، سعت هي وإيطاليا، في إطار المنافسة الاستعمارية بينهما، إلى الوصول إلى الصومال من أجل السيطرة عليها واستغلال موقعها الجغرافي (الذي أشرنا إليه سابقاً).
وقد تُرجمت هذه الطموحات إلى واقع عملي، إذ وقعت الصومال الشمالية (اليوم أرض الصومال) تحت الحكم البريطاني، في حين خضعت الصومال الجنوبية للحكم الإيطالي. واستمر هذا الوضع الاستعماري حتى فجر ستينيات القرن العشرين، وتحديداً عام 1960.
هذا الفصل الجغرافي–السياسي أثّر كثيراً على الصومال، إذ نشأت قوى سياسية مختلفة في كل من المنطقتين. لذلك، وبعد الاستقلال عام 1960، لم يتحقق توافق حقيقي بين المنطقتين الجغرافيتين. وعلى مدار 31 عاماً عاش الصومال حالة من التوتر السياسي، أدت في نهاية المطاف إلى سقوط الدولة الموحدة وانفصال شمال الصومال، الذي كان خاضعاً للحكم البريطاني، وتشكّل كيان ذو سيادة ذاتية حمل اسم «أرض الصومال»، ومنذ ذلك الحين يطالب بالاعتراف الدولي.
من هنا، تبرز الأحداث الجيوسياسية باعتبارها ذات مكانة خاصة محلياً وعالمياً في فهم وبرمجة كيفية تشكّل الأحداث التي نعيشها ونتناقلها في أيامنا هذه.
من هنا وهناك
-
مرضى بسبب البلاستيك: كيف يؤثر السكن قرب المصانع البتروكيميائية على الصحة؟
-
هل يستبدل القطب الأعظم الاستعمار التقليديّ بالإمبرياليّة الاقتصاديّة ؟ بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘ حين يتكلم العنف لغة السياسة ‘ - بقلم: رانية مرجية
-
‘ في خضم الحرب الشاملة: المشتركة هي الحل ‘ - بقلم: خليل نعمة
-
مقال: بين دافوس والمنامة .. خطة كوشنر ‘لإعمار غزة‘ تتقاطع مع ‘صفقة القرن‘ وتعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية!
-
مقال: أنا ضد مشتركة مفتعلة ‘بهموم الناس‘ - بقلم : بلال شلاعطة
-
‘ حين تنقلب الكلفة: الانتفاضة الإيرانية تدفع أوروبا إلى كسر المحرّمات ‘ - بقلم : عبدالرزاق الزرزور
-
‘ الدولة الدائمة والميدان: إعادة تعريف القوة ‘ - بقلم : عماد داود
-
هل يرتفع سيناريو ‘توكيل‘ اسرائيل بضرب ايران؟ وما هي المؤشرات؟ بقلم : د. سهيل دياب - الناصرة
-
‘ الإجماع الذي لم تصنعه القيادات: درس سخنين ‘ - بقلم : منير قبطي





أرسل خبرا