‘دمج المدارس لا يكفي: أزمة التعليم العربي أعمق من إعادة الهيكلة؟‘ - بقلم: منير قبطي
قرار بلدية الناصرة بدمج عدد من المدارس الإعدادية والثانوية وتحويلها إلى مدارس شاملة، قُدِّم كخطوة تهدف إلى تعزيز الاستمرارية التعليمية ورفع مستوى التعليم في المدينة. لكن خلف اللغة الإدارية الهادئة والشعارات التربوية المعلنة،
منير قبطي - صورة شخصية
تبرز حقيقة أكثر تعقيدًا: أزمة التعليم في المجتمع العربي ليست أزمة مبانٍ أو أسماء مدارس، بل أزمة سياسات ورؤية وتراكم طويل من الإهمال.
من السهل إصدار قرارات دمج، ومن السهل الحديث عن التطوير والاستمرارية، لكن الأصعب هو مواجهة السؤال الحقيقي: لماذا ما زال التعليم العربي، حتى اليوم، يصارع من أجل أبسط الحقوق الأساسية، من مبانٍ ملائمة، وبنى تحتية حديثة، وموارد تربوية عادلة، بينما يُطلب منه في الوقت نفسه تحقيق نتائج وإنجازات تضاهي أنظمة تعليمية حظيت بدعم واستثمار مستمر لعقود؟
المشكلة ليست في مبدأ الدمج بحد ذاته، بل في تحويله إلى عنوان إصلاحي بديل عن معالجة الجذور الحقيقية للأزمة. فالدمج الإداري، مهما بدا منظمًا على الورق، لن يغيّر شيئًا إذا بقيت الفجوات البنيوية قائمة، وإذا استمرت السياسات التي تتعامل مع التعليم العربي باعتباره ملفًا ثانويًا لا أولوية وطنية.
إن ما تراكم على مدار سنوات طويلة لا يمكن اختزاله بقرار إداري. فهناك مدارس ما زالت تفتقر إلى البيئة التعليمية الملائمة، وصفوف مكتظة، ونقص في الخدمات المساندة، وفجوات واضحة في الموارد والبنى التحتية. والأخطر من ذلك، غياب رؤية تربوية شاملة تربط بين المراحل التعليمية المختلفة، من الطفولة المبكرة وحتى الثانوية.
فالحديث عن “الاستمرارية التعليمية” يفقد معناه حين لا يبدأ من السنوات الأولى للطفل. في تلك المرحلة تتشكل شخصية الطالب، وتُكتشف قدراته وميوله، ويُبنى إحساسه بالانتماء والثقة بالنفس. أما إهمال هذه المرحلة، ثم محاولة معالجة النتائج لاحقًا بقرارات دمج أو نقل إدارات، فهو أشبه بمحاولة ترميم السقف بعد سنوات من إهمال الأساسات.
وفي قلب هذه الأزمة، تبقى مشكلة الانتقال بين المراحل التعليمية واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع العربي. فهذه الانتقالات لا تُدار دائمًا وفق احتياجات الطالب وقدراته، بل كثيرًا ما تتأثر باعتبارات إدارية مرتبطة بالملاكات والموارد والقدرة الاستيعابية للمؤسسات. وهكذا يجد بعض الطلاب أنفسهم داخل أطر تعليمية لا تلائم قدراتهم أو ميولهم، فيما تتحول المدرسة إلى جهة تحاول احتواء الأزمة بدل بناء مسار تربوي سليم.
ولا يمكن تجاهل أن المركزية المفرطة في إدارة جهاز التعليم فاقمت هذا الواقع. فالمدارس تُطالَب بتحقيق الإنجازات، لكنها لا تملك دائمًا حرية اتخاذ القرارات التي تناسب طلابها وبيئتها المحلية. وزارة المعارف ما زالت تدير كثيرًا من الملفات بعقلية مركزية تُقيّد المبادرة وتحدّ من استقلالية المؤسسات التعليمية، رغم أن الواقع يثبت يومًا بعد يوم أن المدرسة الأقرب إلى طلابها هي الأقدر على فهم احتياجاتهم.
وفي المقابل، فإن أي حديث جدي عن إصلاح التعليم لا يمكن أن يبقى محصورًا داخل المدارس الرسمية فقط. فتحقيق إصلاح تعليمي شامل يتطلب رؤية تكاملية تشمل مختلف مكونات الجهاز التعليمي، بما في ذلك المدارس الرسمية والأهلية، بما يضمن تقليص الفجوات وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب. أما استمرار التعامل مع كل قطاع بمعزل عن الآخر، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام التربوي والاجتماعي داخل المدينة الواحدة والمجتمع الواحد.
إن النقد هنا ليس موجهًا ضد مدرسة أو مدير أو طاقم تربوي، بل ضد واقع كامل تراكم عبر سنوات من السياسات غير المتوازنة، ومن التعامل مع التعليم العربي بمنطق إدارة الأزمة بدل حلها.
لذلك، فإن تحويل قرار الدمج إلى إنجاز بحد ذاته يُعد تبسيطًا لمشكلة أعمق بكثير. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول التربية إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد، لا إلى سلسلة قرارات تنظيمية متفرقة. يبدأ عندما يُنظر إلى الطالب العربي كاستثمار إنساني ومعرفي، لا كرقم داخل معادلات الميزانيات والملاكات.
لأن الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط كل هذه العناوين الإدارية تبقى واضحة:
فالتعليم ليس مبنى… بل مسار حياة.
من هنا وهناك
-
هواء ملوث: نفض الغبار عن الغبار الجوّي
-
‘ عائلات حضارية، ومخاتير أصولية!‘ - بقلم: توفيق أبو شومر
-
‘العالم رهينة قادةٍ يعشقون الحرب ويخشون السّلام‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘المرأة القويّة تُربكه، والاتكاليّة تُريحه‘ - مقال بقلم: المحامية د. سيما صَيرَفي
-
أمير مخول يكتب في بانيت: انتخابات الكنيست الإسرائيلي.. أفق مسدود وحالة نتنياهو الصحية
-
‘عنان الأتيرة ورسالة نابلس: المرأة في موقع القرار‘ - بقلم: د. غزال ابو ريا
-
مقال: معضلة التوازن الأوروبي تجاه إيران بين استراتيجية الاحتواء ومطالب التحول الديمقراطي - بقلم: د. سامي خاطر
-
‘ حين تنتصر العدالة للصدق والمحبة ‘ - بقلم: المحامي شادي الصح
-
مقال: مأسسة ‘الأبارتهايد الرقمي‘: هندسة السيطرة عبر الإنترنت الطبقي في إيران تحول العقيدة الأمنية الرقمية
-
‘ المسرحية ذاتها ‘ - بقلم : هادي زاهر





أرسل خبرا