مقال: من الفكرة إلى الجريمة: كيف يعيث المستوطنون فسادًا في الضفّة الغربيّة؟ بقلم : الشيخ صفوت فريج
كلّ جريمة تبدأ شرارتها في خيالٍ مريض، في ذهنٍ تغذّى على الكراهية، وتشرّب حقدًا يتسرّب من الكلمات إلى الأفعال. تُنطَق الفكرة أولًا بالكلمات، ثم تُردَّد كأنشودة، ثم تصير طلقًا يخترق الجسد، أو لهبًا يلتهم ليلًا فلسطينيًّا وادعًا.
الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلاميّة
هكذا تمامًا تسير الأمور في الضفّة الغربيّة، حيث لم تعد اعتداءات المستوطنين نابعة من جنون فردي، بل تحوّلت إلى مشروع مُمنهَج، تُشرِف عليه أيديولوجيا صهيونيّة متوحّشة، وتحتضنه دولة بارعة في التواطؤ، خبيرة في التبرير، مدرَّبة على دفن الحقيقة خلف ستار "الدفاع عن النفس".
في المدارس الدينيّة للمستوطنين، وفي معسكرات التجنيد المسعورة، وفي حلقات التلقين التوراتي المشوَّه، يُربّى الطفل اليهودي على أنّ العربي كائنٌ ناقص، أدنى من الإنسان، دخيل على الأرض، وأنّ طرده أو محوه ليس جريمة بل هو "واجب توراتي".
هكذا تُزرَع الكراهية مبكّرًا، لا كحالة طارئة، بل كبرنامج تعليم عقائدي. ويشبُّ الفتى فيهم وهو يؤمن أنّ الأرض "وعدٌ إلهي"، وأنّه الوارث الشرعي، وأنّ الفلسطيني مجرّد غاصبٍ يجب اقتلاعه.
ليس الأمر "رُهابًا من الآخر"، بل قناعة دينيّة راسخة، بأنّ دم العربي بلا ثمن، وأنّ حضوره على الأرض نجاسة يجب تطهيرها. من رحم هذه الفكرة وُلِد جيلٌ لا يرى في الإنسان العربيّ بشرًا، بل أهدافًا على مرمى البندقيّة.
هذا الحقد المغلَّف بكساءٍ ديني لن يهدأ حتّى يُستأصَل الوجود الفلسطيني من جذوره. قال تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}، فغايةُ الأمر عندهم ليس التفاهم، بل الإذعان أو الفناء.
ما إن تتخمّر الكراهية في القلوب، حتّى تطلب فمًا ينطق بها، ولسانًا يروّج لها. هكذا خرجت الكلمات إلى العلن، تصرخ بها الحناجر في الساحات، وتُنفَخ في آذان الأطفال. عبارات مثل: "שיישרף לכם הכפר" (لتحترق قريتكم) لم تكن زلّات ألسن، بل كانت إشاراتِ انطلاق، أوامرَ تنفيذ، وثقافةً تُصفّق للجريمة قبل وقوعها.
ما بدأ كشتمٍ في زقاق، صار ترنيمةً في المحافل والملاعب، وهتافًا في المسيرات، ونشيدًا تحفيزيًّا للأطفال الّذين يُلقون الحجارة، ويشعلون النار في الزرع، ويضحكون بينما يحترق الحقل.
الكلمة هنا ليست عابرة، إنّها مشروع تعبئة، و"إعداد نفسي للقتل" تحت غطاء الغناء والدين. هذا هو التطبيع النفسي مع الجريمة، حين تُروّج كطقس احتفالي، لا كفعلٍ شائن.
ثم تقع الجريمة، لا كمفاجأة، بل كاستحقاقٍ منطقي لسلسلة الخبث المتصاعد. تُحرَق البيوت في الليل، وتُقتلَع الأشجار ، ويُروَّع الأطفال في فراشهم، ويُدهس المارّة كما تُدهس الحشرات، ويُقتَل الفلّاح على أرضه، وتُحرَق العائلات بأكملها، كما حصل مع آل دوابشة، وقرية كفر مالك مؤخّرًا.
هذه ليست طفرات عَرَضيّة ولا نزوات فرديّة. إنّها الثمرة الطبيعيّة لعقيدة تُؤسَّس منذ الطفولة، بأنّ العربي هدف، وأنّ قتله بطولة، وأنّ دمه أقلّ من أن يُسأَل عنه. وما دام الجاني يُربّى على أنّ "الآخر" لا حقّ له في الحياة، فلا عجب إن حمل النار إلى سرير نائم.
قتلُ امرئٍ في غابةٍ.. جريمةٌ لا تُغتَفَر،
وقتلُ شعبٍ آمنٍ .. مسأَلةٌ فيها نظر!!
في كلّ مرة يرتكب فيها مستوطن جريمة، يتواطأ النظام ليحجب عنه الحساب. وإن اضطرّوا لاعتقاله، فباسم "المراهقة"، أو بدعوى "الاضطراب النفسي"، أو بمنطق "الدفاع عن النفس"، ثمّ تُعاد الجريمة إلى حضن المجرم كأنّها نزهة خفيفة. السجّان هنا لا يَسجن، بل يربّت على الكتف. والسلاح الّذي أُطلقت منه الرصاصة، يُعاد إليه لا ليُحاسَب، بل ليُستأنَف القتل به في حلقة جديدة.
هكذا تنمو الكراهية تحت مظلّة دولة تمنحها الشرعيّة. وما دام القاتل يعلم أنّه سيخرج حرًّا، بل وربما "بطلًا"، فإنّ الجرائم ليست سوى محطّات في قطارٍ يُطلق صفيره نحو كارثة أعظم.
إنّ السكوت عن خطاب الكراهية ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في إشعال الجريمة التالية. الكلمة الّتي لا تُردّ، تصبح فعلًا مؤجَّل التنفيذ، والنار الّتي لا تُطفَأ في الفكر، ستشتعل في الواقع عاجلًا أو آجلًا. فما لم تُجتثّ هذه الأيديولوجيا العنصريّة من جذورها، وما لم يُعرِّ العالم الاستيطان كمشروع اقتلاعٍ عنصريّ، لا "نزاعًا عقاريًّا"، وما لم يُجمَع على كبح هذا الانفلات المدعوم من سلطة ترفع الكراهية إلى مقام القانون، فإنّ القرى الفلسطينيّة ستظلّ تحترق. تحترق على وقع أغنيات بدأت بكلمة (لتحترق قراكم)، وانتهت بصرخة مدوية مؤلمة.
وكما هي حال النيران، فإنّها لا تشتعل وحدها، بل تبحث عن وقودٍ وريح. اليوم، الوقود متوفّر في نصوصهم، والريح تهبّ من حكومة تتبنّى هذا الجنون وتصرّح به علنًا، بلا خجل ولا قناع. وإن أُهمِل الفكر ولم يُحاسَب، فستبقى الأرض تحترق، وسنبقى نُحصي جثث الأطفال بدل أن نُحصي خطوات العدالة.
من هنا وهناك
-
المحامي زكي كمال يكتب: التطرف الديني والقومي سبب الحروب والنزاعات
-
‘الممارسة الديمقراطية تكتمل عندما نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي‘ - بقلم : تيسير خالد
-
‘الانتخابات النصفية الأمريكية 2026: أزمة ترامب وإعادة تشكيل موازين القوة في واشنطن‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
فقط تحدثت بالعربية... متى أصبحت اللغة سببًا للكراهية؟
-
‘تأجيل الانتخابات لا يطفئ أزمة.. بل يوسع جرح الوطن‘ - بقلم: فتحي كليب
-
مقال: ما بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية: حوار يبدأ بالمراجعة.. لا بإعادة إنتاج الأزمة
-
‘معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة‘ - بقلم: المهندس منير سعد – بيرزيت
-
‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط
-
المحامي زكي كمال يكتب: بين السابع من اكتوبر والانتخابات البرلمانية.. تجديد للثقة أم حجب لها؟
-
‘الأردن.. الثقة تحتاج إلى أكثر من النفي!‘ - بقلم: عماد داود





أرسل خبرا