‘من الاحتجاج إلى التأثير: دور المشاركة السياسية في قلب موازين القوى!‘ - بقلم: د. نوّاف الطوري من رهط
لا تُقاس قوة الشعوب بقدرتها على التعبير عن غضبها فحسب، بل بقدرتها على تحويل هذا الغضب إلى فعل منظم يغيّر الواقع ويؤثر في مراكز صنع القرار. فالاحتجاج، على أهميته، يظل ناقصًا إذا لم يتحول إلى مشروع سياسي يمتلك الأدوات
shutterstock - PeopleImages
اللازمة لفرض المطالب وحماية الحقوق. ومن هنا تبرز المشاركة السياسية للفلسطينيين في الداخل، ولا سيما المشاركة في الانتخابات، بوصفها إحدى أهم وسائل الانتقال من موقع المتفرج على الأحداث إلى موقع الشريك المؤثر في صياغتها.
منذ سنوات طويلة، ينقسم الشارع الفلسطيني في الداخل بين اتجاهات متعددة في نظرتها إلى انتخابات الكنيست. فهناك من يرفض المشاركة من حيث المبدأ، معتبرًا أن التصويت يمنح شرعية لمؤسسات لا تحقق المساواة الكاملة، أو أنه قد يُفهم بوصفه قبولًا بالواقع السياسي القائم. وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن مقاطعة الانتخابات لا تعاقب المؤسسة الحاكمة بقدر ما تُضعف الصوت الفلسطيني داخلها، وتمنح القوى اليمينية والمتطرفة مساحة أوسع لسن القوانين واتخاذ القرارات من دون مواجهة سياسية مؤثرة.
ومع تفهّم الدوافع الوطنية والأخلاقية التي قد تقف خلف خيار المقاطعة، فإن الحكم على أي موقف سياسي ينبغي ألا يقتصر على نبل شعاراته، بل يجب أن يشمل نتائجه الفعلية. والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا ليس: هل الواقع السياسي عادل؟ فالجواب واضح، ولا يحتاج الفلسطيني إلى من يقنعه بحجم التمييز الذي يواجهه. السؤال الحقيقي هو: ما الوسيلة الأكثر قدرة على تقليص هذا الظلم، وحماية المجتمع الفلسطيني، ومنع القوى الأكثر عنصرية من الانفراد بالقرار؟
إن عدم المشاركة لا يترك المقعد فارغًا، بل يسمح لآخرين بشغله. والصوت الذي لا يصل إلى صندوق الاقتراع لا يبقى محفوظًا لصاحبه، وإنما يتحول عمليًا إلى فرصة إضافية لمصلحة القوى الأكثر تنظيمًا وحضورًا. وحين تنخفض نسبة التصويت في البلدات العربية، لا تتوقف الانتخابات ولا تتعطل مؤسسات الحكم؛ بل تُحسم النتائج بأصوات الآخرين، ثم يجد المواطن الفلسطيني نفسه أمام حكومة لم يشارك في منعها، وبرلمان تُسن داخله قوانين تمس حياته وحقوقه ومستقبله.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى التصويت باعتباره طقسًا شكليًا يُمارس مرة كل عدة سنوات، بل باعتباره جزءًا من معركة سياسية متواصلة. فزيادة نسبة التصويت تعني زيادة عدد المقاعد التي تمثل المجتمع الفلسطيني، وكل مقعد إضافي يغيّر حسابات تشكيل الائتلافات، ويقلص قدرة الأحزاب المتطرفة على احتكار الأغلبية، ويمنح القوى العربية والفلسطينية مساحة أوسع للتفاوض والتأثير.
وقد يكون الفارق بين عشرة مقاعد وخمسة عشر مقعدًا هو ذاته الفارق بين حكومة يمينية تنفرد بالسلطة، وبين واقع سياسي تصبح فيه أصوات النواب العرب عنصرًا لا يمكن تجاوزه. ففي الأنظمة البرلمانية، قد يتوقف تشكيل الحكومة أو استمرارها على عدد محدود من المقاعد. وعندما تصبح الكتلة العربية جزءًا من هذه المعادلة، سواء من داخل الائتلاف الحكومي أو من خلال دعمه المشروط من خارجه، فإنها تنتقل من موقع تقديم الاعتراضات إلى موقع فرض الشروط.
هنا يبدأ الانتقال الحقيقي من الاحتجاج إلى التأثير. ففي المعارضة يستطيع النائب أن يخطب، ويعترض، ويقدم الاستجوابات، ويشارك في التظاهرات، ويكشف مظاهر الظلم والتمييز. وهذه أدوار ضرورية لا يجوز التقليل من أهميتها، لكنها قد لا تكون كافية وحدها لتغيير القرار. أما عندما يصبح لصوت الكتلة العربية وزن في تشكيل الحكومة أو إسقاطها، فإن المطالب لا تعود مجرد مناشدات أخلاقية، بل تتحول إلى شروط سياسية مرتبطة ببقاء الائتلاف نفسه.
ولا يعني ذلك أن المشاركة في ائتلاف حكومي يجب أن تكون بلا ضوابط، أو أن يتحول النواب العرب إلى غطاء لسياسات تتعارض مع مصالح شعبهم. فالمشاركة التي لا تحقق أثرًا ملموسًا قد تفقد معناها وثقة الجمهور بها. المطلوب هو مشاركة تستند إلى برنامج واضح، وشروط معلنة، ورقابة شعبية دائمة: مكافحة الجريمة والعنف، ووقف سياسات الهدم ومصادرة الأراضي، والاعتراف بالقرى غير المعترف بها، ومعالجة فجوات التعليم والإسكان والبنية التحتية، وحماية المقدسات، والدفاع عن الحقوق الوطنية والمدنية للفلسطينيين في الداخل.
ولا تنفصل هذه المطالب عن القضية الفلسطينية بمفهومها الأشمل. فالنائب العربي لا يمثل احتياجات بلدة أو فئة اجتماعية فحسب، بل يحمل كذلك مسؤولية الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير، والعمل على دعم قيام دولة فلسطينية مستقلة وإنهاء الاحتلال. ومن خلال الحضور المؤثر في البرلمان، يمكن تعطيل قوانين عنصرية، ومواجهة مشاريع الضم والتهجير، ورفع تكلفة السياسات المتطرفة، والدفع باتجاه حكومة أكثر عقلانية وأقل عداءً للحقوق الفلسطينية.
قد لا تستطيع المشاركة السياسية تحقيق العدالة الكاملة دفعة واحدة، لكنها تستطيع منع الأسوأ وفتح الطريق أمام الأفضل. والسياسة، في جانب كبير منها، ليست اختيارًا بين واقع مثالي وواقع سيئ، بل هي أحيانًا اختيار بين بدائل متفاوتة الضرر. وإذا كانت المشاركة قادرة على منع تشكيل حكومة أشد تطرفًا، أو الحد من قدرتها على تنفيذ سياساتها، فإن هذا الإنجاز لا يجوز الاستهانة به. منع الضرر عن الناس وحماية ما يمكن حمايته ليسا تنازلًا، بل مسؤولية وطنية وسياسية.
لقد أثبتت التجارب البرلمانية أن الكتل الصغيرة قد تتحول، في لحظات التوازن الحرج، إلى قوة مرجّحة لا تستطيع الأحزاب الكبرى تجاهلها. وتجربة تشكيل الحكومة عام 2021 بيّنت أن تمثيلًا عربيًا محدود العدد استطاع أن يدخل مباشرة في حسابات الائتلاف والحكم. وبصرف النظر عن تقييم تفاصيل تلك التجربة أو نتائجها، فقد أكدت حقيقة أساسية: حين يكون الصوت العربي حاضرًا ومنظمًا، يصبح قادرًا على تغيير خريطة التحالفات وإرباك الحسابات التقليدية للقوى المهيمنة.
أما المقاطعة، فإنها قد تمنح صاحبها شعورًا بالمحافظة على موقف احتجاجي نقي، لكنها لا توفر في ذاتها خطة لتغيير موازين القوى. فالانسحاب من الساحة لا يُفقدها أهميتها، بل يتركها مفتوحة أمام الخصم. وليس منطقيًا أن يتنازل المجتمع الفلسطيني طوعًا عن أداة متاحة له، ثم يكتفي بالاحتجاج على النتائج التي صنعها الآخرون في غيابه.
كذلك، فإن الاكتفاء بالمظاهرات والبيانات وردود الفعل يجعل العمل السياسي محكومًا بما تفعله الحكومة، بدل أن يكون قادرًا على التأثير فيما ستفعله. فالاحتجاج يأتي غالبًا بعد صدور القرار أو وقوع الضرر، أما المشاركة المؤثرة فتتيح التدخل قبل اتخاذ القرار، وفي أثناء صياغته، وعند التصويت عليه. إنها تنقل المجتمع من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة المبادرة، ومن محاولة تخفيف النتائج إلى المشاركة في تحديد المسار.
ومع ذلك، لا ينبغي وضع الاحتجاج والمشاركة الانتخابية في مواجهة مصطنعة. فالمجتمع القوي يحتاج إلى الشارع وإلى البرلمان معًا، وإلى العمل الشعبي والإعلامي والقانوني والمؤسساتي. الاحتجاج يرفع الصوت ويبني الضغط العام، بينما تترجم المشاركة السياسية هذا الضغط إلى قوانين وميزانيات وقرارات والتزامات. الخلل لا يكمن في الاحتجاج، بل في الاكتفاء به واعتباره بديلًا عن امتلاك أدوات التأثير الأخرى.
إن نجاح المشاركة يتطلب كذلك تجاوز الانقسامات الحزبية الضيقة، وبناء خطاب سياسي يضع المصلحة العامة فوق المنافسة على المقاعد والمواقع. فرفع نسبة التصويت لن يحقق غايته إذا تشتت الصوت الفلسطيني، أو إذا فقد الجمهور ثقته بقدرة ممثليه على العمل المشترك. المطلوب قيادة صادقة تشرح للناس ما تستطيع تحقيقه وما لا تستطيع، وتحول كل مقعد إلى وسيلة للدفاع عن الحقوق، لا إلى غاية شخصية أو حزبية.
إن المشاركة في الانتخابات ليست شهادة حسن سلوك للنظام السياسي، ولا تعني التخلي عن الهوية أو الثوابت الوطنية. إنها استخدام لأداة قائمة من أجل تغيير ميزان القوة من داخله، إلى جانب النضال الشعبي وسائر أشكال العمل المشروع. فالفلسطيني الذي يصوت لا يتنازل عن روايته أو حقوقه، بل يرفض أن يُتخذ القرار المتعلق بمصيره في غيابه.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يقتنع بأنه عاجز، وأن وجوده أو غيابه لا يصنع فارقًا. غير أن السياسة تثبت مرارًا أن الأصوات المنظمة قادرة على قلب المعادلات، وأن المقعد الواحد قد يمنع حكومة أو يصنع أخرى، وأن المشاركة الواسعة تستطيع تحويل أقلية يجري تجاهلها إلى قوة لا يمكن تجاوزها.
لهذا، فإن الطريق من الاحتجاج إلى التأثير يبدأ بإدراك أن الحقوق لا تُصان بالغضب وحده، وأن الشعارات مهما كانت عادلة تحتاج إلى قوة سياسية تحملها. وحين يقرر الفلسطينيون في الداخل أن يكونوا جزءًا فاعلًا من صناعة القرار، وأن يرفعوا نسبة تصويتهم ويوحدوا مطالبهم ويحسنوا استخدام ثقلهم البرلماني، فإنهم لا يشاركون في الانتخابات فحسب، بل يشاركون في إعادة رسم موازين القوى وصناعة مستقبلهم بأيديهم.
من هنا وهناك
-
مقال | الصوت العربي يُحتسب في صناديق الاقتراع – فلماذا يُمحى عند تشكيل الحكومة؟
-
مقال | دراما تحت سطح البحر: التلوث الضوئي يعيق ‘نوم‘ الشعاب المرجانية
-
المحامي شعاع مصاروة منصور يكتب: ارتقوا.. القاع ازدحم!
-
مقال | انضمام سيغالوفيتش للموحدة: بداية قائمة متعددة الأطياف أم خطوة انتخابية منفردة؟
-
‘خطوة عباس- سيجالوفيتش، تعبير عن انهيار الهياكل القديمة وتؤكد صحة رؤية الجبهة ‘التاريخية!‘ ‘ - بقلم: د. سهيل دياب- الناصرة
-
خالد رغدان يكتب: هل كل اضطراب نفسي يحتاج إلى علاج دوائي؟
-
‘اللغة في بعدها السياسي‘ - بقلم: فراس حج محمد
-
‘الإجلاء الإنساني من غزة ومسألة البقاء في الأرض‘ - بقلم: صفاء أبو شمسية
-
هل كل خرف هو ألزهايمر؟ قصة الخرف المصحوب بأجسام ليوي الذي أصاب ميكي بيركوفيتش وروبن ويليامز ؟
-
الاستاذ رائد برهوم يكتب : الحصة الأولى - اللقاء الأول... حين تبدأ الحكاية قبل أن يبدأ الدرس





أرسل خبرا