درجة ونصف: الدرع الخفي للكرة الأرضية!
لولا غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي للأرض لتجمدنا. لكن ارتفاع تركيزها يهدد حياتنا على الأرض. كل ما أردتم معرفته عن تأثير الاحتباس الحراري.
dima zel shutterstock
هل تساءلت يومًا لماذا تحافظ الأرض على درجة حرارة مختلفة عن القمر، على الرغم من أنها تقريبًا على نفس المسافة من الشمس؟ بينما يمر القمر بتقلبات قصوى، من درجات حرارة قياسية حارقة تصل إلى حوالي 127 درجة مئوية في النهار إلى أدنى مستوياتها المتجمدة في الليل عند 173 درجة مئوية تحت الصفر، فإن درجة حرارة الأرض تتغير فقط ببضع عشرات من الدرجات بين الليل والنهار، أو حتى بين الفصول. هذا الاختلاف الاستثنائي، الذي يجعل الحياة ممكنة، يعود بشكل رئيسي إلى الغلاف الجوي الفريد للأرض.
في الواقع، يعمل الغلاف الجوي كآلية لتنظيم الحرارة، مما يجعل درجة حرارة كوكبنا أكثر توازنًا بكثير مما كانت ستكون عليه بدونه. ولكن كيف تعمل هذه "البطانية" غير المرئية؟
ما هو تأثير الاحتباس الحراري؟
نطاق درجات الحرارة على الأرض مناسب للحياة بفضل تأثير الاحتباس الحراري. تأثير الاحتباس الحراري هو عملية تبدأ بالإشعاع قصير الموجة الذي يمتد من الشمس إلى الأرض. يتم انعكاس جزء من هذا الإشعاع، لكن معظمه يتم امتصاصه بواسطة سطح الأرض، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارتها. وكلما ارتفعت درجة حرارة الأرض، فإنها تبعث الحرارة مرة أخرى إلى الفضاء على شكل إشعاع طويل الموجة.
يلعب الغلاف الجوي، وخاصة بعض الغازات التي يتكون منها، دورًا حاسمًا. على عكس القمر، الذي لا يمتلك غلافًا جويًا لحبس هذه الحرارة المنعكسة، يحتوي الغلاف الجوي للأرض على غازات تحبس جزءًا من إشعاع الموجة الطويلة المنعكس هذا، وتمنعه من الهروب مرة أخرى إلى الفضاء. هذه الحرارة المحتجزة تقوم بتسخين الغلاف الجوي نفسه، وتساهم في توازن درجة حرارة الأرض. تُسمى هذه الغازات الحابسة للحرارة "غازات الاحتباس الحراري".
ما هي غازات الاحتباس الحراري؟
في حين أن الغلاف الجوي للأرض يتكون أساسًا من النيتروجين والأكسجين، فإن هذه الغازات لا تتفاعل مع إشعاع الموجة الطويلة المنعكس؛ بل يمر ببساطة عبرها. ومع ذلك، فإن الغازات الأخرى، الموجودة بتركيزات أقل بكثير، هي "غازات احتباس حراري" لأن تركيباتها الجزيئية الأكثر تعقيدًا تسمح لها بامتصاص هذا الإشعاع وإعادة إطلاقه، مما يؤدي إلى انبعاث الحرارة. تشمل غازات الاحتباس الحراري الرئيسية: ثاني أكسيد الكربون، والميثان، والأوزون، وبخار الماء.
من المثير للاهتمام ملاحظة أن بخار الماء يشكل حوالي 95 بالمائة من غازات الاحتباس الحراري في غلافنا الجوي ويساهم بشكل كبير في تأثير الاحتباس الحراري الطبيعي، ويمكن أن يمثل وجوده حوالي 50 بالمائة من تأثير الاحتباس الحراري. فلماذا لا يُعد بخار الماء هو الموضوع الأساسي الذي يشغلنا عندما نتحدث عن أزمة المناخ؟ تكمن الإجابة في دورته الهيدرولوجية. يتبخر الماء باستمرار، مكونًا السحب ويهطل كالمطر، مما يعني أن تركيزه في الغلاف الجوي له دورة طبيعية وقصيرة نسبيًا لا تتغير مباشرة بفعل الانبعاثات الناتجة عن الصناعات البشرية.
ما هي المشكلة في غازات الاحتباس الحراري؟
ينتقل تركيزنا إلى ثاني أكسيد الكربون والميثان لأن الأنشطة البشرية تزيد من تركيزهما مباشرة في الغلاف الجوي. على الرغم من أن تركيز ثاني أكسيد الكربون لا يمثل سوى حوالي 3.5 بالمائة من إجمالي غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، إلا أنه غاز احتباس حراري فعال للغاية، ومسؤول عن حوالي 25 بالمائة من تأثير الاحتباس الحراري. غاز الميثان الدفيء، على الرغم من انخفاض تركيزه بشكل أكبر، يتفاعل بقوة كبيرة مع الإشعاع ويساهم بحوالي 10 بالمائة أو أكثر في تأثير الاحتباس الحراري. تظهر البيانات زيادة كبيرة في تركيز ثاني أكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية وحتى اليوم. ومع ارتفاع تركيزهما، فإنهما يحبسان المزيد من الإشعاع المنعكس، مما يؤدي إلى زيادة امتصاص الحرارة في الغلاف الجوي.
كيف يرتبط كل هذا بالاحترار العالمي وأزمة المناخ؟
ينبعث ثاني أكسيد الكربون جرّاء حرق الوقود الأحفوري (الفحم، والنفط، والغاز "الطبيعي"). لذلك، طالما واصلنا استخدام الطاقة الناتجة عن حرق الوقود، فسيستمر تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في الارتفاع – وسترتفع معه درجة حرارة الأرض.
هناك ارتباط بين الزيادة في تركيز ثاني أكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي والزيادة في متوسط درجة حرارة الأرض التي لوحظت في القرن الماضي. علاوة على ذلك، نحن نعلم أن النوع المحدد (النظير) لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي هو الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري. وتؤدي الزيادة في تركيز ثاني أكسيد الكربون إلى ارتفاع درجة الحرارة، وهذا بدوره يتسبب في زيادة تركيز بخار الماء في الغلاف الجوي، مما يزيد من الاحترار ويخلق دورة معقدة تساهم في الاحترار العالمي.
باختصار، غازات الاحتباس الحراري هي عامل مهم في تحديد درجة حرارة الأرض. إنها تنقذ الأرض من التجمد. ولكن في المائة عام الماضية، أدى حرق الوقود إلى زيادة تركيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي الأمر الذي يسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض بسرعة، مما يؤدي إلى أزمة المناخ.
* كاتب المقال البروفيسور يوحاي كاسبي هو باحث في ديناميكيات الغلاف الجوي من معهد فايتسمان وعضو في منتدى علماء المناخ. تأسس المنتدى بهدف إنشاء اتصال فعال بين البحث العلمي الذي يتناول أزمة المناخ وبين صانعي القرار ووسائل الإعلام.
تم إعداد هذا المقال من قبل منتدى علماء المناخ و "زاڤيت" – وكالة الأنباء التابعة للجمعية الإسرائيلية للإيكولوجيا وعلوم البيئة.
من هنا وهناك
-
مقال: مبروك عرس الجبهة.. وأمّا بعد! - بقلم : المحامي سعيد نفاع
-
مقال: ‘الإسلام الحقيقي… ملة إبراهيم لا صناعة الطوائف‘ - بقلم: سليم السعدي
-
‘زيارة ترامب إلى الصين.. بين تايوان وإيران وإبقاء الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
مقال: ‘الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية‘ منذ اميل حبيبي، مرورا بالتصور المستقبلي وحتى القائمة المشتركة‘ - بقلم : بروفيسور أسعد غانم
-
‘مشتركة رباعية بتوافق… أم خماسية تفرض ذاتها؟‘ - بقلم: هاني نجم - الناصرة
-
مقال: التحركات في الخان الأحمر والقدس والأقصى جزء من ‘رؤية استراتيجية‘ إسرائيلية لحسم الصراع وفرض أمر واقع في سباق مع الزمن!
-
كمال ابراهيم يكتب في بانيت: الاتفاق على تشكيل القائمة المشتركة أمرٌ إلزامِيٌ
-
‘ الأنثروبولوجيا الرقمية.. من القبيلة إلى الشبكة‘ - بقلم: الدكتور حسن العاصي
-
‘ البداية وليست النهاية‘ - بقلم : هادي زاهر
-
‘ الأسرة نواة المجتمع وأساس الاستقرار الاجتماعي ‘ - بقلم: نغم زهير صايغ





أرسل خبرا