‘المرأة القويّة تُربكه، والاتكاليّة تُريحه‘ - مقال بقلم: المحامية د. سيما صَيرَفي
تتحرّك العلاقات الزوجيّة داخل المجتمعات العربيّة في مشهد اجتماعيّ متغيّر، حيث تبرز المرأة المعاصرة التي تجمع بين التعليم والعمل والجمال والاستقلال، فتدخل العلاقة كشريكة كاملة الحضور، تدير حياتها، وتشارك في بناء الأسرة بوعي ومسؤوليّة.

في هذا الإطار، تتشكّل الشراكة الزوجيّة بوصفها علاقة قائمة على التكافؤ، يظهر فيها كل طرف بقدراته الحقيقيّة دون اعتماد كامل على الآخر. في المقابل، تتكوّن أنماط أخرى تمنح الرجل مساحة راحة أكبر، وتعيد إنتاج أدوار تقليديّة تمنحه إحساس السيطرة دون تحدٍّ أو مواجهة.
وتتوزّع النساء إلى ثلاثة أنماط رئيسيّة:
الشقّ الأول: المرأة العاملة القويّة، التي تخرج إلى عملها ثم تعود لإدارة بيتها بكفاءة عالية، فتطبخ، وتنظّف البيت، وتغسل ملابس الأسرة وتتابع شؤونها، وتواكب تعليم الأطفال وتربيتهم. مع وجود رجل مسؤول ناضج يتحمّل المسؤوليّة، فيجمع هذا النمط بين جهدين متوازيين في وقت واحد. هذا الحضور المكثّف يضع العلاقة أمام نموذج شراكة فاعلة، تقوم على المسؤوليّة والإنجاز المشترك.
الشقّ الثاني: المرأة الاتكاليّة، التي تعتمد على الرجل في إدارة التفاصيل اليوميّة، وفي المصروف، وفي تربية الأطفال، مع ضعف في تنظيم شؤون البيت ومتابعة مسؤوليّاته الأساسيّة، ما يجعل العلاقة تميل إلى اعتماد أحادي الجانب.
الشقّ الثالث: المرأة التي لا تعمل خارج المنزل، لكنّها تدير البيت بشكل متكامل ومنظّم، فتتولّى مسؤوليّات التنظيف، والطبخ، وتربية الأطفال، ومتابعة تعليمهم، فتكون شريكة فاعلة داخل المجال الأسريّ رغم غياب العمل الخارجيّ. ويختلف موقف الرجل من هذا النمط حسب وعيه ونضجه، فالرجل المتوازن يرى في هذا النموذج شراكة واضحة داخل البيت، ويقدّر الجهد المنظّم الذي يُبقي الحياة الأسريّة مستقرّة، ويعاملها بوصفها مسؤوليّة متكاملة وليست دورًا ثانويًّا. في المقابل، يميل بعض الرجال إلى اعتباره نمطًا مريحًا لأنّه يخفّف من الضغوط اليوميّة، دون أن يرافق ذلك دائمًا تقدير حقيقيّ لحجم الجهد المبذول داخل المنزل، ما يخلق تفاوتًا بين الاستفادة من هذا الجهد وبين الاعتراف به.
في جزء من العلاقات الزوجيّة، يستمرّ بعض الرجال في الارتباط بالمرأة العاملة القويّة عندما توفّر دعمًا مادّيًا إضافيًا، ويعتاد هذا الدعم حتّى يتحوّل إلى عنصر ثابت في حياته اليوميّة، ويُتعامل معه كأمر مفروغ منه. ومع الوقت، يتراجع مستوى التقدير في بعض الحالات، وتتحوّل العلاقة إلى اعتماد أحاديّ الجانب قد يأخذ طابع الاستغلال.
وعند توقّف هذا الدعم المادّيّ، تتغيّر زاوية النظر داخل العلاقة، فتظهر المرأة القويّة والمنظّمة كطرف منافس داخل البيت، ويظهر التوتّر على شكل انسحاب أو رغبة في إنهاء العلاقة بالطلاق، بدل إعادة بنائها على أساس متوازن.
في المقابل، قد يتمسّك الرجل بعلاقة مع المرأة الاتكاليّة، لأنّ هذا النمط يمنحه شعورًا بالسيطرة والاستقرار، دون أن يضعه أمام تحدٍّ أو مقارنة أو مواجهة مع نموذج أقوى منه.
هذه الصورة تتكرّر في جزء من العلاقات الزوجيّة في المجتمعات العربيّة، إلى جانب وجود نماذج عديدة من رجال ناضجين يحترمون المرأة القويّة ويقدّرونها، ما يؤكد أنّ الرأي ليس واحدًا ولا يشمل الجميع.
كلّ ذلك يرتبط بطبيعة الرجل وشخصيّته، فالرجل الذي يمتلك نضجًا داخليًّا وقدرة على استيعاب نجاح المرأة "الخارقة" يستمرّ في العلاقة وتستقرّ معه الشراكة، بينما الرجل الذي يشعر بالتهديد من تفوّق المرأة ويتعامل معه كمساسٍ بذاته، يجد صعوبة في استمرار العلاقة على المدى الطويل. وفي المقابل، المرأة الاتكاليّة لا تضمن دائمًا علاقة ناجحة، لأنّ الاتكاليّة وحدها لا تصنع استقرارًا حقيقيًّا، إنّما التكافؤ منذ البداية يبقى الأساس الأصحّ لأيّ علاقة متوازنة.
وهنا تتّضح معادلة واضحة:
القوّة تفرض التوازن، والاتكاليّة تمنح الراحة، والتكافؤ يصنع الاستمرارية.
ويبقى سؤال يفرض نفسه في نهاية هذا المقال:
هل يُفترض بالمرأة أن تتّجه نحو الاتكاليّة كي تنجح في الزواج ويقوم الرجل بواجباته كما يجب؟
وينصح بأن يحرص الأزواج على اللقاء بشكل دوريّ في المنزل أو في مكان هادئ كالمقهى، للحوار وتبادل وجهات النظر وحلّ الخلافات أوّلًا بأوّل حفاظًا على استقرار الحياة الزوجية.
المحامية د. سيما صَيرَفي - صورة شخصية
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
من هنا وهناك
-
‘العالم رهينة قادةٍ يعشقون الحرب ويخشون السّلام‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘المرأة القويّة تُربكه، والاتكاليّة تُريحه‘ - مقال بقلم: المحامية د. سيما صَيرَفي
-
أمير مخول يكتب في بانيت: انتخابات الكنيست الإسرائيلي.. أفق مسدود وحالة نتنياهو الصحية
-
‘عنان الأتيرة ورسالة نابلس: المرأة في موقع القرار‘ - بقلم: د. غزال ابو ريا
-
مقال: معضلة التوازن الأوروبي تجاه إيران بين استراتيجية الاحتواء ومطالب التحول الديمقراطي - بقلم: د. سامي خاطر
-
‘ حين تنتصر العدالة للصدق والمحبة ‘ - بقلم: المحامي شادي الصح
-
مقال: مأسسة ‘الأبارتهايد الرقمي‘: هندسة السيطرة عبر الإنترنت الطبقي في إيران تحول العقيدة الأمنية الرقمية
-
‘ المسرحية ذاتها ‘ - بقلم : هادي زاهر
-
‘تحرك قانوني لوقف فوضى الدراجات الكهربائية والتراكتورونات في شوارع المدينة‘ - بقلم: المحامي زكريا إغبارية
-
‘ نُفضِّلُ الراهن على الذل والتبعية ‘ - مقال بقلم: الإعلامي محمد السيد





أرسل خبرا