يوسف أبو جعفر من رهط يكتب : ‘حتى نلتقي – خانة اليَّك‘
هذا الجزء من البلاد تعود الطقس الجاف، هكذا كان حتى بدأت الرطوبة بالزحف نحونا، رذاذ الماء الذي كان يبلل ملابسنا عندما كنّا ننام أمام البيوت كان له نكهة خاصة، زحف المدنيّة أعطانا الفرصة أن نستمر في النوم خارج البيوت
يوسف أبو جعفر - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا
نلتمس الطقس البارد ليلًا، إلا أن مطلقي الرصاص قرروا منع الناس من الجلوس في الخارج، وواضح أن هذه الحكومة وسابقاتها ليس لديها مشكلة في أن نطلق الرصاص طالما لم يوجّه للمجتمع اليهودي، بكل بساطه استمتعنا الأمر وأصبحنا من الذين يجدون الأمر طبيعيا أن تكون إحدى جنبات المدينة منطقة قتال والجرحى والقتلى في الطرف الاخر، فمطلق الرصاص جبان لا يطلقك مباشرة على غريمه، بل يرفع خرطوم بندقيته إلى السماء حيث تسقط الرصاصة على الطرف الذي لا حول له ولا قوة.
من المعروف عن قوانين الغابة أن الحيوانات تحدد منطقة نفوذها، والطريقة معروفة لأهل المعرفة، تتبول الحيوانات على جذوع الأشجار لتعلم كل غازٍ عن حدود المنطقة، هنا الأمر يختلف الذي يحدد هو قدرتك على خزن السلاح والذخيرة ثم إرهاب الجيران والمدينة، ليس لدى المجرم والمعتدي مشكلة في حالة انعدام السلاح فهناك من يؤجر البندقية والذخيرة، وهناك من يضيف عليها هدية إن لم تكن ممن يعرفون إطلاق الرصاص نتأتيك بمن يفعل ذلك، كل ما عليك هو الدفع قبل الرفع. قلة أولئك من رحم ربي أو لأمر ما ينأون عن السلاح عن قناعة أو خوف، هؤلاء على الأقل يدركون عظم الكوارث جراء منطق إطلاق النيران.
" فقدنا السيطرة "
ما علاقة الرطوبة والرصاص ببعض؟ كليهما وصلا إلينا حديثًا من صنع أيدينا، عندما فقدنا السيطرة على مقدراتنا فقدنا القدرة على التخطيط وعلى التنفيذ، فالبدوي القديم في طور الانقراض، جيل جديد يولد لا يعترف بشيء منكم يلحق بنا إلا عند حدوث الكارثة، جيل يعيش حياة الأمريكي ويعتقد أنه بدوي، يأكل ويشرب ويتصرف كالأمريكي ويصرخ أنا بدوي أو عربي، سمه ما شئت، طعامه البيتسا بزيتون، والغداء بورجر، وشكرًا أن المنسف بقي على حاله في الأعراس والمناسبات وإلا فقدنا أخر معالم البداوة، طبعًا لا ننسى الدحية بنكهة موسيقى الترانس.
في حادث عابر يتضح لنا معالم الطريق أنها ستأخذنا نحو المصائب، وكل محاولات الصحو مرهونة فقط بكارثة، فعندما تقتل عائلة أخرى تصحو فقط العائلة القاتلة وليس الجميع في غمرة السرعة والصراع تختفي الاحداث، معالم الطريق تقول بكل صراحة أن القضية أكبر من كونها إطلاق رصاص وترويع الناس، الموضوع هو تفكك مجتمعي كامل، وفي غياب السلطة المتعمد قانون الغابة هو الذي سيحدد مناطق النفوذ.
المشكلة أن الغابة صغيرة ومقدراتها قليلة والطريق غير واضحة المعالم، ولذلك هناك من يستولي على الطريق مجازًا وفعلًا، وهناك من يريد تحديد مناطق النفوذ من جديد، نحن اقرب هذه الأيام إلى نظام الغرب منا إلى نظام العرب، هناك مجموعات نفوذ لها مجموعات ضاربه قد تكون قانونية أمثال التنظيمات العمالية أو خارجة عن القانون بكل معنى الكلمة، مع فارق بسيط أننا لا نعيش فلم العراب لكاربون براندو، وليس فينا ال باتشينو، نحن جميعا دون ذلك وموقعنا الافتراضي عند الأزمة كما في طاولة الزهر( شيش بيش) خانة اليك.
وحتى نلتقي، عادة أطرح في نهاية كلماتي مختصر مفيد، أو شرح إلا أني أعجز عن ذلك ليس لأني لا املك ما أقول بل لأني أدرك أنه لن يكفي، لأننا مهما اعتقدنا أننا ابتعدنا قدرنا أن نعود إلى " خانة اليك ".
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
من هنا وهناك
-
مقال: ألمانيا في مشهدين: جدار برلين وانتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت - بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
-
‘مؤشرات الانهيار الاقتصادي و كلفة إعادة إعمار قطاع غزة‘ - بقلم: د. ماهر تيسير الطباع
-
‘العبرية: عندما يصطدم الطالب العربي بحاجز اللغة‘ - بقلم: رائد برهوم
-
مقال: خيوط الشطرنج الإقليمية: هل تعرقل الضغوط الخارجية حصر السلاح في العراق أم تُعجل بالحسم الوطني؟
-
‘ملاحظات في الحالة السياسية والخطاب النخبوي في الداخل‘ - بقلم: أمير مخول
-
‘حين تصبح المحاسبة مطلباً أميركياً وإسرائيلياً .. ماذا يفعل الفلسطيني في الميدان؟‘ - بقلم: علاء كنعان
-
المحامي زكي كمال يكتب: التضليل الاعلامي لطمس الحقيقة المرّة وتحريفها
-
‘لماذا جعفر فرح بالذات؟ هل المُرَشّحونَ الآخَرونَ ملائكةٌ ؟‘ - بقلم: زهير دعيم
-
محمود الحلو من الناصرة يرثي ابن أخيه نور: كنتُ أرثي أوجاع الناس… واليوم أنا الوجع، واليوم أرثي نفسي وعائلتنا الكريمة!
-
رئيس بلدية كفرقرع فراس بدحي يكتب في بانيت: القيادات العربية أمام مسؤولية تاريخية وهي تمتلك فرصة صناعة البديل





التعقيبات