‘حين تُغتال الحرية وتُصادر الكلمة‘ - بقلم: سليم السعدي
منذ فجر التاريخ كانت الكلمة الحرة أقوى من السيف، وأشد وقعًا من الجيوش، لأنها تخاطب العقل والوجدان وتوقظ الضمير الإنساني. لذلك لم يكن غريبًا أن تسعى الأنظمة المستبدة وقوى الهيمنة عبر العصور إلى إسكات الأصوات الحرة وملاحقة أصحاب الرأي والفكر،
صورة شخصية
فالكلمة الصادقة تفضح الظلم وتكشف الزيف وتعرّي الفساد مهما حاول أصحابه الاختباء خلف الشعارات البراقة.
إن اغتيال الحرية لا يبدأ دائمًا بالرصاص والسجون، بل يبدأ عندما يُمنع الإنسان من التعبير عن رأيه، وعندما تتحول الحقيقة إلى تهمة، والنقد إلى جريمة، والاختلاف إلى سبب للملاحقة والإقصاء. عندها تصبح المجتمعات أسيرة الخوف، ويُجبر الناس على الصمت، ليس اقتناعًا بما يُفرض عليهم، بل خشيةً من العقاب أو التشهير أو التهميش.
إن مصادرة الكلمة ليست اعتداءً على فرد بعينه، بل هي اعتداء على المجتمع بأكمله. فحين تُمنع الأقلام من الكتابة، وتُكمم الأفواه، وتُغلق أبواب الحوار، تتراجع المعرفة ويضيق أفق التفكير وتنتشر الإشاعات والخرافات، لأن الحقيقة لا تنمو إلا في بيئة الحرية، ولا يزدهر الإبداع إلا في فضاء مفتوح يتسع للرأي والرأي الآخر.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الأمم التي احترمت حرية الفكر والتعبير استطاعت أن تبني حضارات متقدمة وأن تحقق نهضة علمية وثقافية واقتصادية، بينما غرقت المجتمعات التي حاربت الفكر الحر في أزمات متلاحقة، لأن القمع قد يفرض الصمت مؤقتًا، لكنه لا يستطيع أن يقتل الحقيقة إلى الأبد.
إن الدفاع عن حرية الكلمة لا يعني الفوضى أو الإساءة أو نشر الكراهية، بل يعني حماية حق الإنسان في التعبير المسؤول عن رأيه ومعتقده ومواقفه دون خوف أو تهديد. فالحرية الحقيقية تقترن بالمسؤولية، والكلمة الصادقة تقترن بالأخلاق والاحترام.
واليوم، في عالم تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتداخل فيه الحدود، باتت حرية التعبير أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمجتمعات التي تصادر الكلمة إنما تحكم على نفسها بالعزلة والتراجع، أما المجتمعات التي تفتح أبواب الحوار وتحترم التنوع الفكري فإنها تضع الأساس لمستقبل أكثر عدلاً واستقرارًا.
إن الحرية ليست منحة من أحد، بل حق أصيل للإنسان، والكلمة الحرة ليست جريمة، بل ضرورة للحياة. وحين تُغتال الحرية وتُصادر الكلمة، يصبح الصمت شريكًا للظلم، ويغدو الدفاع عن الحق واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يمكن التخلي عنه.
فالكلمات قد تُحاصر، والأقلام قد تُكسر، لكن الحقيقة تبقى قادرة على شق طريقها نحو النور، لأن نور الحق لا ينطفئ مهما اشتدت العتمة ...
من هنا وهناك
-
‘الممارسة الديمقراطية تكتمل عندما نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي‘ - بقلم : تيسير خالد
-
‘الانتخابات النصفية الأمريكية 2026: أزمة ترامب وإعادة تشكيل موازين القوة في واشنطن‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
فقط تحدثت بالعربية... متى أصبحت اللغة سببًا للكراهية؟
-
‘تأجيل الانتخابات لا يطفئ أزمة.. بل يوسع جرح الوطن‘ - بقلم: فتحي كليب
-
مقال: ما بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية: حوار يبدأ بالمراجعة.. لا بإعادة إنتاج الأزمة
-
‘معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة‘ - بقلم: المهندس منير سعد – بيرزيت
-
‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط
-
المحامي زكي كمال يكتب: بين السابع من اكتوبر والانتخابات البرلمانية.. تجديد للثقة أم حجب لها؟
-
‘الأردن.. الثقة تحتاج إلى أكثر من النفي!‘ - بقلم: عماد داود
-
في الحركة السياسيّة: أسئلة تفتحُها الانتخابات ولا تُجيب عنها - بقلم: أمير مخول





أرسل خبرا