مقال: ‘الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية‘ منذ اميل حبيبي، مرورا بالتصور المستقبلي وحتى القائمة المشتركة‘ - بقلم : بروفيسور أسعد غانم
نعيش هذه الأيام ذكرى مرور ثلاثين عاما على وفاة مهندس الوعي الجماعي للفلسطينيين في إسرائيل بعد النكبة – اميل حبيبي، وهو القائد والمفكر الفلسطيني الأكثر اثرا في التفكير الجمعي والممارسة السياسية، للفلسطينيين في إسرائيل،

بروفيسور أسعد غانم
ولعموم الفلسطينيين من بعدهم. الخيارات السياسية والوطنية التي دافع عنها اميل حبيبي كمفكر وكقائد سياسي وكروائي وكصحفي هي النهج الذي اوصلنا الى هنا، سلبا وايجابا. عمليا كانت هنالك خيارات أخرى اكثر وضوحا او اقل، اكثر صلابة او اقل، اكثر شعبية او اقل، لكنها جميعها أصبحت ثانوية مقابل ما نظر له حبيبي في اعماله ودافع عنه في نشاطه وخطاباته.
فهم حبيبي لحظة النكبة بما انتجته كلحظة مؤسسة وتاريخية في الوضع الفلسطيني – والعربي والدولي من وراءه- وتعمق في فهم وترويج فكرة التزاوج بين المتعارضات، والحياة في كنف التناقضات، والحاجة لتطوير أدوات الصمود والاستمرارية، في عالم لا يميل لصالح الفلسطينيين، الا انه لا يستطيع سلبهم قوتهم وقدرتهم على التأثير. استطاع ان يبشر بإمكانيات العمل للخروج من المأزق ومن الشعور باللا حول واللا قوة، في احلك اللحظات، كان دائما شجاعا ومقداما، وحتى مجازفا حسب البعض، مما هدد مكانته أحيانا وجعله عرضة للنقد، وحتى للتخوين، بما يشمل أروقة حزبه. لكنننا في المحصلة ، كلنا كفلسطينيين، داخل الخط الأخضر وخارجه، نعيش في كنف ما نظر له حبيبي قبل اكثر من سبعة عقود.
" فكر حبيبي "
فكرة القبول بالجنسية الاسرائيلية والدفاع عنها، فكرة المواطنة، أفكار النضال اليومي لأجل المساواة وتحقيق العدالة داخل ما احدثته النكبة، وفي سياق القبول بفكرة الدولتين، التي بدأت مترددة في فكر حبيبي وأصبحت اكثر وضوحا بعد النكسة عام 1967، ومن ثم تعزير هذا التوجه بعد انتقال منظمة التحرير نفسها الى القبول عمليا بهذه الأسس والعمل حسبها، كلها تأثرت بأفكار واجتهادات حبيبي، وغيره من القيادات الفاعلة في الحزب الشيوعي وباقي الأحزاب السياسية الفاعلة لدى الفلسطينيين، وكلها تأثرت بما عمله حبيبي وما ابداه من قدرة على الابتكار في توصيف الحالة وجعلها مرجعا وطنيا جماعيا. ليس لدى الفلسطينيين في إسرائيل فحسب، بل لدى عموم الفلسطينيين.
ليس لدي أي شك في ان انتقال الحركة الوطنية الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات تدريجيا الى القبول بحل الدولتين والتسليم بمصير الفلسطينيين في إسرائيل خارج الحركة الوطنية الشاملة وخارج المشروع الوطني السياسي، قد تأثرت كثيرا بتراث الحزب الشيوعي، الذي تحول الى نقطة الاجماع والالتقاء السياسي لغالبية القوى السياسية لدى الفلسطينيين في إسرائيل، ولغالبية الناس. ولا يمكن فهم التحول التاريخي من فكرة "تحرير كامل التراب الوطني" الى القبول بمشروع التقسيم وحل الدولتين بغير تسليم قيادة الحركة الوطنية لفكرة حبيبي وزملاءه، والذي دعم جديا من المعسكر الشرقي وقوى عالمية وعربية كثيرة، وهي بان الحل يجب ان يبنى على أساس فكرة التقسيم، مع الإصرار على عودة اللاجئين من جهة، وحق الفلسطينيين في إسرائيل بالعدالة والمساواة، والتي وان اختلفت مع حبيبي في شكلها الا ان مضمونها واحد، النضال لجعل إسرائيل دولة مواطنين ينتمون لشعبين، باختصار فكرة ثنائية القومية. اعرف ذلك لان حبيبي دعاني للقائه عام 1997، وحاول ثنيي عن فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية في فلسطين، وعرج على اقناعي بالتخلي عن دعم التجمع الوطني وطروحاته حول الموضوع، لكننا افترقنا من غير ان يقنعني، لكن محاولته وهو يعرف انه مريض بالسرطان ويقضي اخر أيامه في حيفا، زادت من اعجابي به وبالتزامه تجاه ما اعتبره قضيته، او قضاياه والتي يدافع عنها وعن جدواها حتى "الرمق الأخير".
"التصور المستقبلي"
بعد وفاة حبيبي بعشر سنوات ساهمت مع عدد كبير من المثقفين الفلسطينيين في الداخل في صياغة "التصور المستقبلي" (نشر في كانون اول 2006)، وتزامن مع نشر عدة وثائق أخرى اطلق عليها مجازا "وثائق التصور المستقبلي" نسبة للوثيقة الرئيسية، وصاغها نشطاء فلسطينيون من الداخل، وتحديدا "وثيقة حيفا" و"وثيقة عدالة" و "وثيقة مساواة"، وكلها دارت في الفلك نفسه وفي نفس المضامين. طبعا وثيقة التصور المستقبلي اكتسبت أهمية خاصة لكونها دُعمت من لجنة المتابعة ولجنة رؤساء السلطات المحلية وشارك في صياغتها ممثلون عن كل القوى السياسية والأحزاب ونشطاء مركزيون في المجتمع المدني، والاهم انها كانت سياسية مباشرة وتضمنت فصولا لتطلعات ومطالب في قضايا أساسية عديدة شغلت ولا زالت تشغل الفلسطينيين في إسرائيل، ونخبهم واحزابهم.
لا يمكن فصل نصوص التصورات المستقبلية، ولا مضامينها ولا لغتها ولا مطالبها عن ارث اميل حبيبي، فهي كلها، كما تراث حبيبي ومن بعده غالبية الفعاليات السياسية في اسرائيل، مبنية على الامتثال للحالة السياسية المعقدة، ومحاولة طرح إمكانيات الخروج من داخلها، وليس من خلال حلول "ثورية" خارجة عن الواقع، وكلها تقبل من توصلت له منظمة التحرير آنذاك حول ضرورة الفصل السياسي بين الفلسطينيين في إسرائيل وباقي الفلسطينيين، والقبول بحق الفلسطينيين في إسرائيل بإدارة نضال منفصل لتحقيق العدالة والمساواة، بما يشمل التصدي لأثار الاستعمار الاستيطاني والتفوق العرقي ومحاربة الاثار العميقة لفكرة "الدولة اليهودية" و"دولة اليهود". ساهمت التصورات المستقبلية في تنسيق الأفكار وجعلها اكثر وضوحا وهو ما استدعى حالة تحريض واسعة من قيادات ونخب ومثقفين إسرائيليين، وربما طورت فكرة المساواة الى طرح فكرة "ثنائية القومية"، وربطت اشكال المعاناة الفلسطينية بما تحدثه إسرائيل بشكل منصوص اكثر وضوحا، لكنها جميعها لم "تشب على الطوق" الذي نظر له حبيبي.
صعود اليمين
الان وبعد عقدين من نشر "التصور المستقبلي" وباقي الوثائق، وبعد ثلاثة عقود من وفاة حبيبي، تغيرت الأمور كثيرا. المتغير الاساسي الذي احدث اختلالات جدية خلال العقدين الأخيرين هو بالتأكيد ما يحصل في إسرائيل. صعود اليمين الى وضعية الهيمنة السياسية الكاملة، وتحولات نخبوية وسياسية وشعبية نحو الفاشية والعداء السافر للفلسطينيين عموما ولحقهم في تقرير مصيرهم، بما يشمل حقوق الفلسطينيين في إسرائيل، وصولا الى الابادة في غزة والتطهير العرقي في الضفة والنقب، وقوننة التفوق العرقي اكثر، واستفحال التحكم الفاشي والعنصري بشكل اكثر، ووضعنا جميعا كفلسطينيين في خطر محدق وفوري. ومما زاد "الطين بلة" هو انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية بشكل تام، رغم استمرار بقايا هنا وهناك تدعي تمثيلها للحركة الوطنية في رام الله او غزة او الشتات، الا ان الوضع جلي ولا يحتاج الى جهد كبير لتفكيك هذه الادعاءات، مما يستدي تفكيرا خارج الصندوق، ومبادرات جدية، تتعدى الموجود، لكي نبدأ طريق "الالف ميل" لإعادة بناء حركة وطنية، قد تعتمد على جزء من تراث حبيبي، لكنها بالضرورة قد تتجاوزه، على ضوء المتغيرات.
هنا اصل الى القائمة المشتركة، وهي سياسيا قد تشكل اهم التعبيرات عن انتصار تراث اميل حبيبي، من حيث قدرته مع زملاءه على جعل أفكاره ونضالاته مركز اجماع وطني يصل بين منصور عباس وسامي أبو شحادة ويمر من خلال يوسف جبارين وأحمد الطيبي، مما يسهل مهمة إقامة المشتركة من حيث البرنامج السياسي ضد الاحتلال وضد التمييز ولأجل المساواة ورفض الاقتلاع والتفوق العرقي – وهي كلها قضايا متفق عليها بين الفعاليات السياسية والأحزاب داخل الخط الاخضر. بهذا يكون الاجماع الوطني هو مركز إعادة بناء حركة وطنية وليس الموقف الخاص بكل حزب كما يحلو للبعض تفصيل مقاسات خاصة بهم لما هو "المشروع الوطني". هذا الاجماع والاجتماع قد يساهم في زيادة قوة ال-48 في الحلبة السياسية وستزيد من تمثيلهم وستساهم في اقصاء اليمين الفاشي عن السلطة، وهي كلها امتداد لفكر اميل حبيبي، الا انها قد تمثل استئنافا على أفكار وتنظيرات حبيبي كذلك، واعني في كونها قد تشكل رافعة ضرورية لسحب الحركة الوطنية الفلسطينية نحو الامام، نحو العمل الوطني المشترك، بدل الانفصال والقبول بالواقع كما هو.
المشتركة
من غير التقليل من ديمومة حالة التناقضات وثقلها علينا جميعا، الا ان المشتركة قد تشكل أداة لرفع مستويات الثقة لدى عموم الفلسطينيين، بإمكانيات العمل الجماعي رغم الخلافات أولا، وفي إمكانيات تعظيم النضال الجمعي ضد التفوق العرقي وضد اثار الاستعمار الاستيطاني، بما يشمل داخل إسرائيل وفي الضفة والقدس وغزة ثانيا، وفي قدرة الفلسطينيين ثالثا على تطوير نضال مبني على الصمود وتعزيزه، وعلى قدرتنا مجتمعين ان نقاوم التفوق العرقي وعلى الخروج من حالة اللا حول ولا قوة. هذا كله وغيره هو الجوهر السياسي لمعنى حركة وطنية او على الأقل مساهمة الفلسطينيين في إسرائيل في إعادة بناء حركة وطنية فلسطينية جامعة.
القائمة المشتركة هي بالتأكيد اللحظة التاريخية التي من الممكن ان تجعل نضالات الفلسطينيين في إسرائيل ركنا أساسيا في استعادة المبادرة للفلسطينيين، حتى لو بدأ ذلك من ال-48، وهذا ما قد يعطي المعنى الجوهري لاستعارة اميل حبيبي في روايته الأشهر "المتشاءل" من العهد القديم من الكتاب المقدس، "الحجر الذي اهمله البناؤون اصبح حجر الزاوية".
وبالمناسبة فكرة المشتركة التي يجمع عليها اكثر من 80 بالمائة من الفلسطينيين في إسرائيل، هي كذلك فكرة اجماعية بنسب اعلى بكثير لدى عموم الفلسطينيين خارج الخط الاخضر، وخصوصا انهم يئسوا فعلا من إمكانية إعادة الحركة الوطنية وحراكها اعتمادا على مبادرات رام الله او غزة، كما العواصم العربية التي لا زالت تحاول السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني. اننا نعيش لحظات هامة، قد تشكل بداية انهيار تام، او العكس بداية الخروج من اليأس والتماثل للشفاء، وقد تشكل لحظة إقامة القائمة المشتركة، بالرغم من كل الإشكالات والخلافات، النقطة لإعادة المبادرة لبناء حركة وطنية فلسطينية شاملة، تعتمد النضال على الجمع بين الفلسطينيين في نضال مدني ضد التفوق العرقي بدل الفصل بيننا، وليعذرنا اميل حبيبي في هذا الاستثناء المطلوب والمستحق.
من هنا وهناك
-
‘الشارع الإيراني كفاعل استراتيجي: نهاية الدولة المغلقة‘ - بقلم : د. سامي خاطر
-
‘أمانة الكلمة ‘.. رسالة إلى السيد وليد جنبلاط وإلى أهلنا الأوفياء في لبنان| بقلم د. سلمان خير البقيعة
-
‘حين تختلط أوراق السياسة والاقتصاد‘ بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت‘ - بقلم: إبراهيم أبو عواد
-
مقال: ‘خطاب الطيبي يهز أركان القاعة في قلب تل ابيب‘ - بقلم: غسان عبدالله
-
رسالة قبل العيد (ارحموا الناس برحمة الأسعار) | بقلم : ملكة زاهر لالا
-
‘دعوات تشكيل القائمة المشتركة‘ - بقلم : هادي زاهر
-
بين النِّسب الغامضة وتناقض المفاهيم: هل يعيد نظام القبول الثانوي تشكيل خريطة التعليم في الناصرة؟
-
‘الصحة… مفهوم يتجاوز غياب المرض‘ - بقلم: د. غزال أبو ريا
-
‘جبهة العمل الإسلامي — ثمانية عقود في خدمة البقاء‘ - بقلم: عماد داود





أرسل خبرا