قصة بعنوان ‘بوح تحت الأضواء‘- بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
سيكون عليَّ تقييم نفسي. سرت رافعة رأسي. فقد كان من الواجب الإجابة. على كل سؤال طرح عليَّ من حضرة الإعلامية فايزة مطران: أول سؤال وجهته لي: ماذا تصنفين نفسك وانا أراك شخصية محبوبة مبدعة؟

أنا إنسانة عادية حاولت من خلال كتاباتي أن أنشر الحب والسلام على أرض عانت وما زالت تعاني من ظلم الإنسان.
عدا المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا العربي. منها حالات العنف التي كل سنة تزداد وتيرتها عن السنوات الماضية. والغلاء الفاحش الذي كسر كاهل العامل والموظف والذي دخله قليل لا يكفيه لنهاية الشهر، وعدا عن الحروب التي تشهدها منطقتنا. كل تلك المشاكل جعلتني أشعر ولو بالقليل من المسؤولية تجاه مجتمعي وأهل بلدي.
فأنا مثل ما ذكرت إنسانة محبة لبلدتها وناسها إنسانة تود أن تزرع الورد وتقتلع الأشواك أريد أن أرى مجتمعي يومًا ما وقد خلع رداء العنف وتوجه للحب. كما قال المثل "حب لغيرك مثلما تحب لنفسك". هكذا هي تركيبة شخصيتي.
عندما بدأت بقراءة ما كتب عنك من أدباء مشهورين، ولهم مكانتهم الأدبية في مجتمعنا العربي. وجدت بأنك من الشخصيات الذين يمتلكون حسًا بالأشياء قبل حدوثها. لكن الأكثر الذي لفت نظري مدى تمسكك بالهوية وبالوطن. لكن سؤالي هو من أين جئت بهذه القوة، وخاصة أنت فتاة رومانسية شفافة؟ هل لأنك ابنة شاعر خاض غمار السياسة، أو لأنك عشت حياة لم تعشها أي فتاة بجيلك، فترة بها تبلورت شخصيتك من خلال التغييرات التي يشهدها مجتمعنا؟
عزيزتي القوة تنبع من شخصية الإنسان، غير أني تربيت في بيت وطني حر. والدي رحمه الله كان من الوطنيين الأبرار الذي عملوا من أجل إعادة كل من ترك البلاد خوفًا على نفسه وعلى عائلته، تربيت على يد والدي الذي زرع في المثل العليا، عندما كنت أستمع له بكل محاضرة كان يلقيها على الشباب، وكنت أنصت له حتى أزداد معرفة. من أين أنا وإلى أين أنا ذاهبة؟ هذه الأسئلة زرعت فيَّ حب المعرفة. والمعرفة تأتي من السؤال الدائم، والبحث في بطون الكتب.
غيرتي على اهلي ووطني هذا واضح تمامًا من خلال كتاباتي. سيرتي الذاتية إذا أردنا وضع النقاط على الحروف، أجد بأني إنسانة تعشق الحياة بكل تفاصيلها. إنسانة ملمة بكل ما يحدث حولي. أعطي لكل إنسان ما يستحق، لا أبخل على أحد بالنصيحة إذا لزم الأمر أساعد أي إنسان محتاج.
قاطعتني فايزة بابتسامة تحمل الكثير من التقدير وقالت: إذن، أنتِ لا تكتبين بالحب فقط، بل تكتبين بالمسؤولية أيضاً. ولكن، دعينا نغص قليلاً في تلك المساحة الخاصة.. حين تغلقين عليكِ باب غرفتكِ، وتخلو (أسماء) بنفسها بعيداً عن صخب القضايا الكبرى، أي الأوجاع هي التي تحرك قلمكِ أولاً؟
صمتُّ للحظة، استحضرتُ فيها وجوه المتعبين الذين ألتقيهم كل يوم، وتذكرتُ وصايا والدي التي لم تغادر مخيلتي يوماً. قلتُ بهدوء:
تتحرك غصتي حين أرى دمعة في عين طفل لم يجد ثمن كراسته، أو شيخاً قضى عمره يبني وطناً ولم يجد في شيخوخته ثمن دوائه. قلمي يا عزيزتي ليس سوى مرآة لهذه الوجوه. أما قوتي التي سألتِ عنها، فهي مستمدة من ضعف هؤلاء الناس؛ لأنني آمنتُ يوماً أن الكلمة قد لا تبني بيوتاً، لكنها حتماً ترمم أرواحاً تصدعت.
نظرتْ إليّ فايزة بإعجاب وكأنها وجدت ضالتها في هذا الجواب، ثم سألتني سؤالها الأخير:
لو قُدّر لكِ أن تكتبي رسالة واحدة يقرأها العالم أجمع، وتوضع في كتاب (عصر السلام) الذي تنشدينه، ماذا سيكون عنوانها؟
لم أتردد ثانية واحدة، فالحب هو البوصلة التي وجهتني منذ البداية. أجبتها بثقة. سأكتب: استقالة مرفوضة من إنسانيتنا. فالحرب قد تنتهي، والفقر قد يزول، لكن ضياع الإنسانية هو الهزيمة الحقيقية التي لا قيامة بعدها.
غادرتُ الأستوديو والصدى ما زال يتردد في أعماقي. تنفستُ الصعداء، وشعرتُ بخفة غريبة تسري في روحي، وكأنني أفرغتُ جعبةً أثقلتها سنوات من الكتابة والتأمل. لم تكن مجرد إجابات، بل كانت بوحاً لرسالةٍ حملتُها أمانةً عن والدي، وتعهداً قطعته لنفسي أمام كل من آمن بحرفي. في تلك اللحظة، لم أرَ نفسي "أديبة" بقدر ما رأيتني تلك الفتاة الشفافة التي استطاعت أخيراً أن تمنح صوتها لمن لا صوت لهم، وأن تزرع في حقل الكلمات وردةً، آملُ أن يصل عطرها إلى كل قلبٍ يحلم بالسلام.
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
من هنا وهناك
-
قصة بعنوان ‘ أبناء الحياة ‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
حالة الطقس: أمطار متفرقة مصحوبة بعواصف رعدية احياناً
-
‘ أذكرُكِ أمّاه ولن أنساكِ ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
‘ العنصرية مأساة العالم ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘العنف سلوك شيطاني ومُعاداةُ الله‘ - بقلم :اسماء طنوس من المكر
-
قصة بعنوان ‘ حصاد الزيوان ‘ - بقلم : الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘ الرحمة للشيخ المغدور ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
قصة بعنوان ‘ راكعة ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
موشحات ‘ لَستم بَشَر ‘ بقلم: اسماء طنوس من المكر
-
قصيدة ‘ المصير‘ - بقلم : هادي زاهر





أرسل خبرا