قصة بعنوان ‘ حصاد الزيوان ‘ - بقلم : الكاتبة اسماء الياس من البعنة
من واجب أحرار العالم الوقوف بوجه الطغاة. بوجه كل من أراد أن يبث الذعر في قلوب البشر، وقتل الحياة في القلوب، يجب ان ننتفض من أجل حياة كريمة، من أجل السلام العالمي. لقد تعبنا من الأخبار. أخبار الحروب وأخبار الموت والقتل وتدمير البيئة.

عالمنا أصبح على شفير الهاوية. نسمة هواء صغيرة ممكن أن تجعله شذرًا مذرًا.
الويل لك يا إنسان إذا لم تتعظ وتعود عن غيك، وتراجع حساباتك بما أنت فاعل. لأنك إذا لم تتعظ سيأتي اليوم الذي سوف تدفع به الثمن، والثمن لن يكون رخيصًا، ستدفعه بصحتك وصحة الأجيال القادمة. عندما يعجز الطب بالقضاء على فيروس لا يرى بالعين المجردة. لأن هذا الفيروس يكون عصيًا على الطب. لذلك أطلب منكم أن توقفوا هذه الحرب التي مزقت وشتت عالمنا، وجعلته تحت طائلة أشخاص مشكلتهم يفتقرون للرأفة التي بالتالي تجعلهم بعيدين عن شيء اسمه إنسانية.
لأن من يزرع الزيوان لا يحصد القمح. استلقيتُ على فراشي بعد يوم متعب، قضيته في أعمال متعددة، لكنَّ صدى صرختي ضد الطغاة كان لا يزال يتردد في أرجاء غرفتي. أغمضتُ عينيَّ، فانزلقتُ في حلمٍ غريب، كأنه مرآة مشوهة لعالمنا.
رأيتُ نفسي أقف في ساحة شاسعة، خالية من الشجر والحجر، يغشاها ضباب رمادي كثيف. كان الناس من حولي يهرعون في كل اتجاه، وجوههم غطاها الهلع، وأيديهم تحاول التشبث بشيء غير مرئي. فجأة، ظهر أمامنا "كيان" لا شكل له، يتحرك كالدخان، لكنه أقوى من الجبال. كان هو ذلك "الفيروس العصي" الذي تحدثتُ عنه؛ جيشٌ صامت لا يملك مدافع، لكنه يهزم أقوى الإمبراطوريات.
رأيتُ مختبرات العالم تشتعل بصمت، وأطباءً يلقون بمعاطفهم البيضاء عجزاً، فالطب الذي غرّهُ تطوره وقف مشلولاً أمام ذرة من مادة لا تُرى. في الحلم، كان الفيروس يهمس بصوت يشبه الريح: أنا مرآة غيكم.. أنا حصاد الزيوان الذي زرعتموه بظلمكم للبيئة ولبعضكم البعض.
وسط هذا الرعب، رأيتُ طفلاً صغيراً يجلس وحيداً، يمسك بقطرة ماء صافية ويحاول أن يسقي بها تربة جافة. اقتربتُ منه، فسألني ببراءة موجعة: لماذا تركتمونا ندفع ثمن حروبكم بصحتنا؟ شعرتُ بغصة خنقت أنفاسي، وحاولتُ الإجابة لكن صوتي كان ضعيفًا لدرجة لم أستطع النطق بكلمة.
انتفضتُ من فراشي، والعرق يتصبب من جبيني. كان قلبي يدق بعنف، وصوت الطفل لا يزال يرن في أذني. نظرتُ إلى نافذتي، كان الفجر يشق عتمة الليل ببطء. أدركتُ حينها أن حلمي لم يكن مجرد كابوس، بل كان إنذاراً أخيراً.
لقد رأيتُ بعينيّ في المنام كيف ينتهي العالم عندما تغيب الرأفة، وكيف يتفكك كأنه "شذر مذر" أمام كائن مجهري. جلستُ على طرف السرير، واسترجعتُ شعاري الذي لا يحيد: "استقالة مرفوضة". لن أستسلم لهذا السواد، ولن أقبل بأن يكون الفيروس هو الكلمة الأخيرة في كتاب البشرية.
سأنهض الآن، ليس فقط لأكمل أعمالي، بل لأكون صوتاً يذكر العالم بأن الطب قد يعجز، لكن الروح الإنسانية إذا عادت لصفائها، هي الترياق الوحيد الذي يمكنه وقف هذا الانهيار.
وقفتُ أمام نافذتي، أراقب خيوط الفجر الأولى وهي تطرد بقايا سواد الليل، وشعرتُ أن روحي لم تعد ملكي وحدي، بل هي جزء من أنين هذا الكوكب. استجمعتُ قواي، وكتبتُ هذه الكلمات وكأنها وصية أخيرة، أو ربما نداء استغاثة أخير:
إلى كل من لا يزال يملك في صدره قلباً ينبض، وإلى كل من يظن أن قوته وجبروته سيحميانه من غضب الطبيعة:
استفيقوا! إن هذا العالم الذي نمزقه بأيدينا، ليس إرثاً ورثناه عن أجدادنا، بل هو أمانة استلفناها من اجل احفادنا. إن الفيروس الذي عجز أمامه الطب لم يكن مجرد مرض، بل كان رسالة مشفرة تخبرنا أن كبرياءنا هش، وأن أسلحتنا الفتاكة لا تساوي شيئاً أمام ذرة مجهرية حين يختل توازن الكون.
توقفوا عن زرع الزيوان، وكفوا عن تدمير بيئة هي رئتنا الوحيدة. إن السلام العالمي ليس ترفاً، بل هو طوق النجاة الوحيد قبل أن نغرق جميعاً في الهاوية. الويل لنا إن لم نجعل الرأفة هي قانوننا، والإنسانية هي دستورنا.
أما أنا، ومن مكاني هذا، أعلنها للعالم أجمع: استقالة مرفوضة. لن أستقيل من كوني إنساناً، ولن أستقيل من الدفاع عن حق الأجيال القادمة في هواء نقي وقلب سليم. سأظل أزرع القمح حتى لو كان العالم كله يزرع الشوك، لأنني أؤمن أن بذرة الخير الواحدة، قادرة على هزيمة غابة من الشر.
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
من هنا وهناك
-
‘ القَتلُ والشِّجَارُ مُسْتَمِرّ ‘ - بقلم : كمال إبراهِيم
-
‘التعامُل في رمضان‘ - بقلم: اسماء طنوس من المكر
-
‘ شُباطيُّ الحِسِّ أنا ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
الملكة رانيا العبدالله تتألق بالأحمر في أول إفطار رمضاني
-
‘ عبت النبضات ‘ - بقلم : هادي زاهر
-
‘ للموت شخصية جادة ‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
نشيدُ المَنصّاتِ في زَمَنِ الرَّقْمِ - بقلم: الشاعر خالد عيسى
-
زجل ‘ قلوبٌ مُظلِمَة‘ - بقلم: أسماء طنوس من المكر
-
قصة ‘ استقالة مرفوضة ‘ - بقلم : الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘ويبقى نداؤُكِ لحنَ الخُلود‘ - بقلم: الدكتور حاتم جوعية - المغار





أرسل خبرا