‘ إيران بين مناورة التفاوض وتصاعد البديل: نظام يشتري الوقت وشعب يفرض المعادلة‘ - بقلم: د. محمد الموسوي
في مقابلة لافتة مع شبكة "نيوز نيشن" الأمريكية، قدّم مجيد صادق بور، المدير السياسي لمنظمة الجاليات الإيرانية الأمريكية (OIAC)، قراءة استراتيجية لطبيعة السلوك التفاوضي لطهران، مؤكداً أن المفاوضات النووية لم تعد أداة دبلوماسية،

بل تحولت إلى آلية بقاء لنظام مأزوم. ووفقاً لما أورده، فإن النظام الإيراني لا يتعامل مع التفاوض باعتباره مساراً لحل نزاع، بل باعتباره وسيلة لشراء الوقت في ظل ضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة.
المؤشرات التي يستند إليها هذا التقييم تؤكد أن النظام يعيش مرحلة استنزاف متعدد المستويات: عزلة دولية متزايدة، وتصنيف الحرس كمنظمة إرهابية في عدة أوساط سياسية غربية، وتآكل اقتصادي عميق ينعكس في تضخم جامح وانهيار العملة.
وفق هذا المنظور، فإن أي اتفاق محتمل لن يتجاوز كونه هدنة تكتيكية. فالنظام، كما يرى صادق بور، فاقد للشرعية الداخلية والقدرة المؤسسية على تنفيذ التزامات طويلة الأمد، ما يجعل الرهان على اتفاق مستدام رهاناً سياسياً هشاً.
القمع كسياسة رسمية: الإعدامات مؤشر خوف لا قوة
الشق الأكثر حساسية في المقابلة تمثل في الإشارة إلى تصاعد الإعدامات داخل إيران. فقد أشار صادق بور إلى إعدام 65 سجيناً سياسياً ومتظاهراً خلال خمسة أيام فقط في أواخر يناير، في سياق حملة قمعية واسعة. وبحسب مصادر المعارضة الإيرانية، فإن هذه الأرقام ليست استثناءً بل جزء من استراتيجية ترهيب منهجية تهدف إلى كسر دينامية الاحتجاجات.
المدن الإيرانية، وفق هذا التوصيف، تعيش ما يشبه الأحكام العرفية غير المعلنة، حيث تنتشر الأجهزة الأمنية بشكل مكثف لمواجهة شبكات الاحتجاج المرتبطة بما تصفه المعارضة بـ "وحدات المقاومة". غير أن القراءة الاستراتيجية لهذه الإجراءات تختلف عن الرواية الرسمية؛ فالتصعيد القمعي لا يعكس ثقة، بل يشير إلى قلق وجودي من تكرار موجات انتفاضات 2018 و2019 و2022.
من زاوية تحليلية، كلما ارتفع منسوب العنف السلطوي في الأنظمة المغلقة، دلّ ذلك على تآكل قدرتها على إدارة التوازن بين الردع والاحتواء. الإعدامات المكثفة قد تؤخر الانفجار، لكنها لا تعالج مسبباته البنيوية.
برلين كمنصة سياسية: تدويل البديل الديمقراطي
تزامنت تصريحات صادق بور مع حشود كبيرة في برلين في ذكرى ثورة 1979، حيث رفع المشاركون شعارات داعمة للانتفاضة داخل إيران، ومؤيدة لخطة النقاط العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي. هذا التزامن لم يكن رمزياً فحسب، بل حمل دلالة سياسية تتعلق بـتدويل قضية البديل.
خطة النقاط العشر، كما يروج لها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تقدم تصوراً لجمهورية ديمقراطية تقوم على الفصل بين الدين والدولة، وإلغاء عقوبة الإعدام، والمساواة بين الجنسين، وإيران غير نووية. في السياق الدولي الحالي، تمثل هذه الخطة محاولة لتقديم إطار مؤسسي بديل، وليس مجرد خطاب احتجاجي.
الحشد في قلب أوروبا، وفق قراءة أنصار المعارضة، يبعث رسالة مزدوجة: أولاً، أن المعارضة منظمة وتمتلك شبكة دعم عابرة للحدود؛ وثانياً، أن الاستقرار الإقليمي لا يمر عبر إعادة تأهيل النظام، بل عبر الانتقال السياسي المنظم. وبغض النظر عن تقييم حجم التأثير الفعلي لهذه التظاهرات على صناع القرار الغربيين، فإنها تعكس نجاحاً في إبقاء الملف الإيراني حاضراً في المجال العام الأوروبي.
معضلة واشنطن: بين إدارة الأزمة وتغيير المعادلة
جوهر الطرح الذي قدمه صادق بور يتمحور حول دعوة واشنطن إلى إعادة تعريف أولوياتها: هل الهدف هو احتواء البرنامج النووي فحسب، أم معالجة مصدر عدم الاستقرار ذاته؟ من منظور المعارضة، التركيز الحصري على الملف النووي يعزل العرض عن المرض، ويمنح النظام فسحة زمنية لإعادة ترتيب أوراقه.
الدعوة المطروحة تتمثل في تبني سياسة شاملة تعترف بحق الإيرانيين في مقاومة الاستبداد، وفرض ضغوط سياسية واقتصادية متصاعدة، بدلاً من الدخول في دورات تفاوضية متكررة. غير أن هذه المقاربة تطرح بدورها أسئلة واقعية تتعلق بمدى استعداد القوى الغربية للانتقال من سياسة إدارة المخاطر إلى سياسة تغيير المعادلة.
سباق مع الزمن: سلطة تستنزف الوقت ومعارضة تراكم معادلة الحسم
المعادلة الراهنة تبدو واضحة: النظام الإيراني يراهن على عامل الوقت، بينما تراهن قوى المعارضة على عامل التراكم الشعبي والدولي. القمع الداخلي، والتفاوض الخارجي، وجهان لسياسة واحدة هدفها إطالة عمر السلطة. في المقابل، تسعى المعارضة إلى تقديم نفسها كبديل منظم يمتلك رؤية وبرنامجاً.
النتيجة النهائية ستتحدد بمدى قدرة المجتمع الدولي على حسم خياره: إما الاستمرار في إدارة أزمة ممتدة، أو الاستثمار في مسار تحول سياسي قد يكون مكلفاً على المدى القصير، لكنه أكثر استدامة على المدى البعيد. وفي ظل تسارع الأحداث، يبدو أن نافذة القرار تضيق، بينما تتسارع ديناميات الداخل الإيراني بوتيرة يصعب احتواؤها بالمسكنات الدبلوماسية.
من هنا وهناك
-
مقال: مجلس ترامب للسلام مسار سلم أم هاوية حرب ! - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘السويداء والخاصرة الرخوة والقضيّة الأولى للعرب؟!‘ - بقلم : المحامي سعيد نفاع
-
نحو تأسيس نقابات مهنية عربية | مقال بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
-
مرضى بسبب البلاستيك: كيف يؤثر السكن قرب المصانع البتروكيميائية على الصحة؟
-
هل يستبدل القطب الأعظم الاستعمار التقليديّ بالإمبرياليّة الاقتصاديّة ؟ بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘ حين يتكلم العنف لغة السياسة ‘ - بقلم: رانية مرجية
-
‘ في خضم الحرب الشاملة: المشتركة هي الحل ‘ - بقلم: خليل نعمة
-
مقال: بين دافوس والمنامة .. خطة كوشنر ‘لإعمار غزة‘ تتقاطع مع ‘صفقة القرن‘ وتعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية!
-
مقال: أنا ضد مشتركة مفتعلة ‘بهموم الناس‘ - بقلم : بلال شلاعطة
-
‘ حين تنقلب الكلفة: الانتفاضة الإيرانية تدفع أوروبا إلى كسر المحرّمات ‘ - بقلم : عبدالرزاق الزرزور





أرسل خبرا