‘ إنشقاق وعي الشباب بين الغيبوبة والغياب! ‘ - مقال بقلم : عماد داود
ليس أخطر ما يمكن أن تخسره الأوطان أبناءها، بل أن تخسر قدرتهم على الاحتمال وهم ما زالوا فيها. فالأردن اليوم لا ينزف من جرح واحد، بل من جراحتين متقابلتين تشدان الجسد الوطني في اتجاهين متعاكسين:
صورة شخصية
جراحة داخلية تُغرق العقل في غيبوبة كيميائية، وجراحة خارجية تدفع الكفاءة إلى غربة جغرافية. وبين الجراحتين يُطرح على الشباب خيار وحشي لا يُقال بصوت عالٍ: إمّا أن تهاجر بعقلك، أو تهاجر بجسدك. وكلاهما إعلان هزيمة صامتة لفكرة الوطن كمساحة للحياة الواعية.
المخدرات هنا ليست مادة، والهجرة ليست سفرًا، بل لغتان مختلفتان لهروب واحد. فالذي يحقن ذراعه بحثًا عن غياب مؤقت للوعي، والذي يحزم شهاداته بحثًا عن اعتراف دائم، ينطلقان من قناعة واحدة: أن البقاء صاحيًا داخل الجغرافيا صار عبئًا لا يُحتمل. وحين تتساوى الغيبوبة الكيميائية مع الغيبوبة الاجتماعية، نكون أمام خلل في بنية المعنى لا في سلوك الأفراد فقط.
المعركة الأمنية، بكل ضرورتها، تظل اشتباكًا مع العرض لا مع المرض. إنها تُشبه طبيبًا ينجح في خفض الحرارة بينما العدوى تتسلل إلى العظام. فالجريمة التي تهز المجتمع ثم تُنسى، ليست استثناءً أخلاقيًا بل نتيجة منطقية لبيوت تحولت من حواضن إلى ساحات استنزاف، ومن علاقات أمان إلى علاقات ضغط. هنا يعود ابن خلدون من عمق التاريخ ليهمس بأن العصبية حين تفقد معناها الاجتماعي، تبحث عن بدائل وهمية: في المادة، في الغربة، أو في العنف.
الدولة لا تُهزم حين تُخترق حدودها، بل حين تصبح حدود الوعي التي ترسمها لأبنائها أكثر قسوة من أي سياج. فحين يحتاج المجتمع إلى قوانين صارمة ليمنع أفراده من تدمير أنفسهم، يكون قد اعترف ضمنيًا بأنه فشل في أن يجعل الحياة نفسها جديرة بأن تُعاش. المعركة الحقيقية ليست ضد المخدر، بل ضد اليأس المعمم، وضد غياب مشروع يجعل من الاستيقاظ صباحًا فعلًا طبيعيًا لا بطولة يومية.
الجسد الوطني هنا واحد، ينزف من شريانين. لا جدوى من سدّ أحدهما وترك الآخر مفتوحًا، لأن الدم واحد والروح واحدة. والانتصار لا يُقاس بعدد المضبوطات ولا بعدد المهاجرين العائدين، بل بعدد العقول التي اختارت الوعي الكامل في وطنها، لا بدافع الواجب بل بدافع المعنى. فالوطن الذي لا يتحول إلى فكرة حية تُغري بالبقاء، سيظل غرفة انتظار كبرى: بعضهم ينتظر الطائرة، وبعضهم ينتظر الإبرة، وكلاهما ينتظر نهاية لا تشبهه.
الرهان الأخير ليس أمنيًا ولا اقتصاديًا فقط، بل وجودي: إما أن يتحول الأردن من مكان يُهرب منه إلى حياة يُهرب إليها، أو تستمر طاقة الهروب الهائلة في استنزاف ما تبقى من نبضه. الوعي ليس ترفًا ثقافيًا، بل آخر خطوط الدفاع عن الدولة. ومن يخسر معركة الوعي، لا ينتصر في أي معركة بعدها!
من هنا وهناك
-
‘الممارسة الديمقراطية تكتمل عندما نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي‘ - بقلم : تيسير خالد
-
‘الانتخابات النصفية الأمريكية 2026: أزمة ترامب وإعادة تشكيل موازين القوة في واشنطن‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
فقط تحدثت بالعربية... متى أصبحت اللغة سببًا للكراهية؟
-
‘تأجيل الانتخابات لا يطفئ أزمة.. بل يوسع جرح الوطن‘ - بقلم: فتحي كليب
-
مقال: ما بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية: حوار يبدأ بالمراجعة.. لا بإعادة إنتاج الأزمة
-
‘معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة‘ - بقلم: المهندس منير سعد – بيرزيت
-
‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط
-
المحامي زكي كمال يكتب: بين السابع من اكتوبر والانتخابات البرلمانية.. تجديد للثقة أم حجب لها؟
-
‘الأردن.. الثقة تحتاج إلى أكثر من النفي!‘ - بقلم: عماد داود
-
في الحركة السياسيّة: أسئلة تفتحُها الانتخابات ولا تُجيب عنها - بقلم: أمير مخول





أرسل خبرا