‘ اعترافات من قلب المنظومة: الانتفاضة الإيرانية كاختبار وجودي لنظام الملالي‘ - بقلم: عبدالرزاق الزرزور
في الأنظمة السلطوية، لا تُعدّ الاعترافات الصادرة عن كبار المسؤولين الأمنيين مجرد تصريحات عابرة، بل تشكّل في كثير من الأحيان وثائق سياسية غير مقصودة تكشف حجم المأزق البنيوي الذي تواجهه السلطة.
صورة شخصية
من هذا المنظور، تكتسب تصريحات بورجمشيديان، أمين مجلس الأمن في النظام الإيراني، الصادرة في 21 يناير 2026، أهمية استثنائية، إذ تجاوزت حدود التوصيف الأمني التقليدي لتتحول إلى إقرار رسمي باتساع الانتفاضة وعمقها وتهديدها الوجودي للنظام القائم.
الجغرافيا السياسية للاحتجاج: انهيار مركزية السيطرة
يقرّ بورجمشيديان بأن الاحتجاجات شملت أكثر من 400 مدينة، وبأن نحو 4000 نقطة في عموم البلاد كانت منخرطة في الانتفاضة. هذا الرقم، بحد ذاته، يفكك الادعاء المزمن للنظام بأن الاحتجاجات "محلية" أو "محدودة". نحن هنا أمام امتداد جغرافي شامل يعكس تحوّل السخط الاجتماعي من ظاهرة هامشية إلى حالة وطنية معمّمة.
الأخطر في هذا الاعتراف هو ما يتعلق بالعاصمة. فالإقرار بوقوع اشتباكات متزامنة في نحو 100 نقطة داخل طهران يشير إلى فشل واضح في السيطرة على المجال الحضري الأكثر تحصينًا أمنيًا في البلاد. في الأدبيات الأمنية، يُعد فقدان السيطرة المتزامنة داخل العاصمة مؤشرًا متقدمًا على تآكل الردع الداخلي.
لغة التخوين: من "أعمال شغب" إلى "شبه انقلاب"
يحاول أمين مجلس الأمن في النظام، في سياق دفاعي واضح، نزع الطابع الشعبي عن الانتفاضة عبر توصيفها بأنها "أعمال شغب" ونتاج "تخطيط" و"انقلاب أو شبه انقلاب". غير أن هذا التحول في الخطاب ليس تفصيلاً لغويًا، بل يعكس تصعيدًا في إدراك التهديد.
فعندما تنتقل السلطة من وصف الاحتجاجات بالاضطرابات إلى مقاربتها كـ محاولة انقلابية، فإنها تقرّ ضمنيًا بأن ما يجري يتجاوز الاحتجاج المطلبي، ويمسّ شرعية النظام ذاته. هذا النمط من الخطاب سبق أن ظهر في مراحل متقدمة من أزمات أنظمة سلطوية أخرى قبيل دخولها مرحلة اللاعودة.
أرقام الخسائر: دلالات تتجاوز البعد المادي
تكشف الإحصاءات التي عرضها بورجمشيديان عن مستوى غير مسبوق من استهداف البنية الرمزية والوظيفية للدولة. فإحراق أو إخراج 305 سيارات إسعاف وحافلات عن الخدمة، وتدمير 24 محطة وقود، وإلحاق أضرار بـ 750 بنكًا، ليست مجرد خسائر مادية، بل تعكس تحول الغضب الشعبي نحو أدوات السلطة الاقتصادية والخدمية التي يُنظر إليها كامتدادات مباشرة للنظام.
أما الإقرار بتضرر 4014 مركزًا ومبنى حكوميًا، بما في ذلك المحافظات والقائمقامات، فيؤشر إلى أن مؤسسات الحكم المحلي نفسها باتت هدفًا مباشرًا للانتفاضة، وهو تطور نوعي في مسار الاحتجاجات.
الأجهزة القمعية تحت النار: كسر هيبة القوة
الاعتراف بإحراق 749 سيارة شرطة، وتدمير 253 محطة حافلات، واستهداف 600 جهاز صراف آلي و120 قاعدة للباسيج، يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فالباسيج، بوصفه أحد أعمدة الضبط الاجتماعي للنظام، لطالما قُدّم كقوة "حاضنة" داخل المجتمع. استهداف قواعده يعكس انهيار هذه الصورة وتحوله إلى رمز مكروه للهيمنة والقمع.
كما أن تضرر 89 حوزة دينية يضرب في عمق السردية التي تربط بين المؤسسة الدينية وشرعية النظام، ويشير إلى اتساع فجوة الرفض حتى داخل الفضاءات التي يفترض أنها موالية تقليديًا.
خلاصة تحليلية: الانتفاضة كحقيقة سياسية لا يمكن إنكارها
إن مجمل هذه الاعترافات، الصادرة عن أحد أعلى المسؤولين الأمنيين في النظام، لا يمكن قراءتها كجزء من خطاب دعائي، بل يجب التعامل معها بوصفها تشخيصًا داخليًا لأزمة بنيوية شاملة. فالانتفاضة، وفق هذه المعطيات، لم تعد حدثًا أمنيًا عابرًا، بل تحولت إلى حالة سياسية مستدامة تقوض ركائز السيطرة والشرعية معًا.
الأهم أن النظام، وهو يحاول توصيف ما يجري بلغة التخوين والتآمر، يعترف ضمنيًا بعجزه عن احتواء حركة باتت أوسع من أدوات القمع التقليدية. وفي هذا السياق، تصبح هذه التصريحات شهادة رسمية على أن إيران دخلت مرحلة صراع مفتوح بين مجتمع فقد خوفه وسلطة فقدت يقينها.
من هنا وهناك
-
‘ اعترافات من قلب المنظومة: الانتفاضة الإيرانية كاختبار وجودي لنظام الملالي‘ - بقلم: عبدالرزاق الزرزور
-
‘ بين ديكتاتورية الحاضر وأوهام الماضي: أين يقف الغرب من مستقبل إيران؟‘ - بقلم : د. سامي خاطر
-
مقال: قوانين الإعدام: هل هي للتنفيذ أم التزامات سياسيّة؟ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘معضلة خطاب النظام الإيراني بين الوهم والمحددات الواقعية‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
مقال: منافسة ثلاثية ساخنة على رئاسة وزراء إسرائيل - بقلم : جمال زحالقة
-
‘الشعب الإيراني على أعتاب النصر‘ - بقلم: عبدالرحمن کورکی (مهابادي)
-
‘ رأيٌ في اللُّغة‘ - بقلم: أيمن فضل عودة
-
‘من يتوقف عن التعلّم… يتجاوزه الزمن‘ - بقلم: د. ماهر الحوراني
-
مقال: مبروك عرس الجبهة.. وأمّا بعد! - بقلم : المحامي سعيد نفاع
-
مقال: ‘الإسلام الحقيقي… ملة إبراهيم لا صناعة الطوائف‘ - بقلم: سليم السعدي





أرسل خبرا