مقال: ‘عروض الأزياء السياسية.. والقضية الفلسطينية‘ - بقلم: بشار مرشد
رغم كل ما يعانيه الشعب الفلسطيني المرابط على أرضه، والذي يعيش المعاناة اليومية من قتل وقهر وبطش الاحتلال، إلا أن عذاباته وجروحه يضاعفها ألماً ووباءً جراثيمُ ومايكروباتُ عارضي أزياء السياسة.
بشار مرشد - صورة شخصية
في عصرٍ أصبح فيه الثوب رمزًا أكثر من كونه غطاءً، يلتبس على من يبحث عن الشعبية والدفء العاطفي، يبرز واقعٌ ساخر تراجيدي: أولئك الذين ثملوا من حياة الترف والرفاهية، بعد أن تجاوزوا الحاجات الفسيولوجية، وحاجات الأمن والاستقرار، وحاجات تحقيق الذات، ووصلوا إلى الدرجة الرابعة من سلم ماسلو، حيث لم تعد القضية الفلسطينية أو العدالة الوطنية أكثر من مجرد أزياء مؤقتة، تُرتدى أو تُخلع بحسب موسم المناصب وترندات الجمهور، بينما يغطي سرور عارضِيّ الأزياء قضايا الخبر الماثلة بيننا.
المتفرجون خارج دائرة الصراع
أما أولئك الذين يقبعون خارج دائرة الصراع، فيستمرون في وصف الجراح ومراقبة الطعنات وكأنهم على مدرجات المشاهدة، متحدثين عن الحقيقة بعظمة مفرطة، لكنهم نادراً ما يقدمون حلولًا، ولا يغامرون بالخطوة الأولى نحو التغيير. وإذا تجرأ أحدهم على اقتراح فكرة، تلاشت في لحظة الاستحالة؛ فكرة تتنافى مع واقع لا يرحم، فتتحول إلى مجرد وهم على الورق. هكذا تظل القضية الفلسطينية، في أعينهم، مسرحية يُتفرج عليها من بعيد، بينما الحياة اليومية على الأرض تشتعل، ويظل الجمهور بعيدًا عن ألسنة المدح والنقد، متألمًا صامتًا.
الغريق والمراقبون
كأنهم يراقبون غريقاً في عاصفة، يقفون بعيداً يصيحون: "ارفع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى… لا، ارفع رأسك… لا، خذ نفسًا… أجل، أنت الجيد!"، بينما الغريق يترنح بين الأمواج، يختنق، ولا يجد من يمد له يد النجاة. أما المتفرجون، فيصرخون بلا توقف: "انتظروا! لا تقلقوا، لديه خياشيم، إنه كائن بحري! لن يمت، اطمئنوا"، ويستمرون في الضحك، بينما الغريق يغرق بلا رحمة، ليصبح المشهد كوميديا مأساوية على مسرح الواقع.
عارضو الأزياء السياسية
وعلى المسرح نفسه، يظهر عارضو الأزياء السياسيون، المحللون والباحثون والخبراء الاستراتيجيون، يلبسون القضية كما يلبسون معاطفهم: ثوبًا وطنيًا في موسم الانتخابات في بلدنانهم، ومعطف العدالة عندما يقترب الترند، وقميص النزاهة عندما يرغب الجمهور بالتصفيق. كل قطعة تُرتدى وتُخلع بحسب أهواء المناصب وحسابات الشهرة، او من خلال فضائيات دول الكومبارس حيث تباع الكلمات والشعارات المنمقة، بينما الحقيقة باقية في الأرض، تُهمل وتُنسى. هؤلاء الذين ثملوا من رفاهية الحياة وملذاتها، لم يعودوا يحتاجون لأكثر من أضواء الكاميرات وصفقات الصور، فقد بدت لهم أن القضية مجرد وسيلة لإظهار الأخلاق والوعي، بينما هم في الحقيقة غرقوا ويغرقون في ملذاتهم، بعيداً عن كل ألم، كمتفرجين ومنتفعين من لعب الادوار على حساب مصائر الآخرين في كوميديا مأساوية حقيقية.
الخاتمة
وهكذا، تبقى القضية الفلسطينية بين الثوب والمعطف والقميص، بين عروض الأزياء السياسية وصراخ المتفرجين على ضفاف العواصف، تُعرض وتُرفع وتُسقط حسب مواسم المناصب وأمزجة الجمهور. والغريق الحقيقي، الذي يعيش الواقع على الأرض، يغرق بلا رحمة، بينما الضحكات والتمثيليات تستمر، وكأن التاريخ مجرد مسرحية تُعاد من جديد، والمأساة هي العرض الوحيد الذي لا ينتهي، والأمل ضيف نادر لا يطل إلا لحظة قصيرة، قبل أن يختفي خلف ستار الترف والسطحية.
من هنا وهناك
-
‘الممارسة الديمقراطية تكتمل عندما نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي‘ - بقلم : تيسير خالد
-
‘الانتخابات النصفية الأمريكية 2026: أزمة ترامب وإعادة تشكيل موازين القوة في واشنطن‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
فقط تحدثت بالعربية... متى أصبحت اللغة سببًا للكراهية؟
-
‘تأجيل الانتخابات لا يطفئ أزمة.. بل يوسع جرح الوطن‘ - بقلم: فتحي كليب
-
مقال: ما بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية: حوار يبدأ بالمراجعة.. لا بإعادة إنتاج الأزمة
-
‘معصرة الزيتون ذاكرة باقية وبركة متجددة‘ - بقلم: المهندس منير سعد – بيرزيت
-
‘مرض الأمم وعافية الجذور: قراءة في جدلية الفناء والبقاء‘ - بقلم: د. نوّاف علي الطوري من رهط
-
المحامي زكي كمال يكتب: بين السابع من اكتوبر والانتخابات البرلمانية.. تجديد للثقة أم حجب لها؟
-
‘الأردن.. الثقة تحتاج إلى أكثر من النفي!‘ - بقلم: عماد داود
-
في الحركة السياسيّة: أسئلة تفتحُها الانتخابات ولا تُجيب عنها - بقلم: أمير مخول





أرسل خبرا