بلدان
فئات

29.08.2026

°
07:39
الشرع يعيّن مظلوم عبدي مستشارا للرئاسة السورية
07:04
شرقي وهالاند يقودان مانشستر سيتي لفوز كبير على كريستال بالاس
07:03
حالة الطقس: أمطار استثنائية الليلة وغدا وتحذيرات من السيول والفيضانات
07:02
الحرس الثوري الإيراني: نحتفظ ‘بسيطرة كاملة‘ على مضيق هرمز
23:58
مصرع الشاب منتصر الرجبي من القدس إثر تعرضه للغرق في فيلا بأريحا
23:01
إصابة شاب بجروح متوسطة في بئر السبع
22:33
المرشح في قائمة الجبهة جعفر فرح يصدر بيانا شخصيا: ‘أنفي بشكل قاطع صحة الادعاءات.. ومستعد للوقوف بمسار عادل أمام منبر قانوني أو هيئة مهنية مستقلة‘
22:31
امرأة بحالة متوسطة إثر حريق بمبنى سكني في حيفا
21:17
عشية افتتاح المدارس.. توزيع طرود غذائية وحقائب مدرسية على العائلات المستورة والطلاب في شفاعمرو
21:16
هبوعيل أبناء مصمص يتأهل للمرحلة القادمة في كأس الدولة بركلات الترجيح
19:20
مصادر فلسطينية: 3 شهداء إثر قصف الاحتلال منزلا في حرش السعادة غرب جنين
19:09
كشافة السلام تجوب شوارع الناصرة احتفالا بذكرى المولد النبوي الشريف
19:05
إصابة شاب بجروح متوسطة إثر سقوطه عن حصان في بير هداج بالنقب
18:24
علماء أستراليون يحوّلون الصراصير إلى مسعفين.. لإنقاذ العالقين وسط الأنقاض والدمار
18:11
إقرار 4 بريطانيين بالذنب في إحراق سيارات إسعاف تابعة لمنظمة يهودية في لندن
18:02
اصابة مظلي اثر سقوطه من ارتفاع كبير جنوبي البلاد
17:48
خريف في عزّ الصيف؟ أمطار استثنائية تبدأ ليلة السبت وتحذيرات من السيول والفيضانات
17:20
أم تشتكي لـ بانيت: ‘العلم صار استغلال ع حساب الأهل.. ارحمونا‘
16:50
إصابة فتى (12 عاما) بحادث دراجة كهربائية بين مسعدة ومجدل شمس
16:40
لجنة توسيع برنامج ‘الشارقة إمارة صحية‘ تتابع مستجدات مرحلة توسعة نطاق البرنامج العالمي للمدن الصحية
أسعار العملات
دينار اردني 4.01
جنيه مصري 0.05
ج. استرليني 4.04
فرنك سويسري 3.8
كيتر سويدي 0.32
يورو 3.5
ليرة تركية 0.11
ريال سعودي 0.98
كيتر نرويجي 0.32
كيتر دنماركي 0.47
دولار كندي 2.19
10 ليرات لبنانية 0
100 ين ياباني 1.87
دولار امريكي 3.04
درهم اماراتي / شيكل 1
ملاحظة: سعر العملة بالشيقل -
اخر تحديث 2026-08-07
اسعار العملات - البنك التجاري الفلسطيني
دولار أمريكي / شيكل 3
دينار أردني / شيكل 4.26
دولار أمريكي / دينار أردني 0.71
يورو / شيكل 3.5
دولار أمريكي / يورو 1.1
جنيه إسترليني / دولار أمريكي 1.31
فرنك سويسري / شيكل 3.75
دولار أمريكي / فرنك سويسري 0.81
اخر تحديث 2026-08-20
زوايا الموقع
أبراج
أخبار محلية
بانيت توعية
اقتصاد
سيارات
تكنولوجيا
قناة هلا
فن
كوكتيل
شوبينج
وفيات
مفقودات
كوكتيل
مقالات
حالة الطقس

الثقافة والعلم والتديّن والتحضُّر لا تقي الإنسان من البطش والحروب | بقلم: المحامي زكي كمال

28-08-2026 07:40:24 اخر تحديث: 28-08-2026 11:05:00

أسئلة كثيرة وملحّة تستوجب الأحداث المحليّة والإقليميّة والعالميّة طرحها، وذلك على ضوء التطوّرات المتواصلة على الساحة المحليّة الإسرائيليّة من حيث الاصطفافات الحزبيّة استعدادًا للانتخابات البرلمانيّة المتوقّعة،

المحامي زكي كمال 

 إذا لم يحدث عسكريًّا ما يلغيها أو يؤجّلها، بعد شهرين من اليوم وتحديدًا في السابع والعشرين من أكتوبر تشرين الأوّل. وهي انتخابات يميّزها التنافر والتوتّر والتطرّف أو حتى السباق المحموم الذي يحاول كل حزب فيه إبراز كونه الأكثر تطرّفًا، وسط إجماع على أمر واحد هو ذلك الشعار الفضفاض والبرَّاق بشكله الخارجيّ ومظهره بالنسبة للأحزاب اليهوديّة، والذي يتحدّث عن تشكيل حكومة قادمة تتألّف من أحزاب صهيونيّة فقط، لكنه يخفي في حقيقته عنصريّة واضحة هي إقصاء المواطنين العرب الذين يشكّلون أكثر من 20 بالمئة من مواطني الدولة، ومنعهم كسياسة رسميّة ومتّفق عليها من المشاركة في عمليّة اتّخاذ القرار والتأثير والمشاركة في الائتلاف أو الحكومة أو حتى كونهم كتلة مانعة تدعم الائتلاف من الخارج. تقصي ممثّليهم في البرلمان القادم رغم مواقف بعضهم الداعية إلى الاندماج والمشاركة السياسية وغيرها، وسط صمت مطبق من المصوّتين وكأن الأمر مفروغ منه أو أنها صيغة "الديمقراطيّة الإسرائيليّة" المعاصرة، وكل ذلك يلفّه ضباب أو احتمالات تصعيد عسكريّ في لبنان وغزة والضفة الغربية ومع ايران والحوثيّين وسوريا وتركيا التي انضمّت مؤخّرًا إلى قائمة الخصوم خاصّة بعد قصف إسرائيل للمطار العسكريّ في أبو الظهور بسوريا، وإقليميًّا عبر التحوّل الاستراتيجيّ الملفت والمتمثّل بإعلان الإدارة الأمريكيّة بقيادة دونالد ترامب الانتقال من المواجهة العسكريّة والسياسيّة إلى حرب اقتصاديّة غير مسبوقة وعقوبات مشدّدة ضد إيران، لها أيضًا انعكاسات على الشرق الأوسط كله نتيجتها المباشرة والسريعة، ارتفاع أسعار الوقود على شعبيّة الإدارة الأمريكيّة قبيل انتخابات التجديد النصفيّ تهدف إضعاف اقتصادها وإجبار قياداتها على الاحتكام إلى العقل والمنطق والقبول بمسار سياسيّ واضح ينهي الأزمة خاصّة في مضيق هرمز، وسط ردود فعل إيرانيّة متوعّدة تعتبر العقوبات صنفًا من الإرهاب الاقتصاديّ، وإلى جانب ذلك استمرار التوتّر العسكريّ هناك، ومساعٍ إقليميّة ودوليّة تقودها أطراف كعُمان وتركيا لاحتواء أزمة الملاحة وضمان الأمن الإقليميّ، وصولًا إلى أوروبا والحالة المتردية فيها إزاء ما تواجهه من موجات هجرة من أفريقيا وآسيا وآخرها ما شهدته منطقة سبتة بين المغرب وإسبانيا، وما تم الكشف عنه من أن دولًا أوروبية معروفة، تدفع المال لجماعات مسلّحة يرأسها الجنرال خليفة حفتر في ليبيا، لمنع الهجرة إليها أو معلومات مشابهة تتطرّق إلى تونس والهجرة إلى إيطاليا. وهي أسئلة ضروريّة تشكّل جزءًا من محاولة فهم الحاضر المؤلم والصعب الذي يشهده العالم اليوم والمليء بالتحدّيات والصعوبات الكبيرة مثل التطرّف السياسيّ والقوميّ والنزاعات والحروب والتوتّرات الأمنيّة، والفقر، والتغيّر المناخيّ، والهجرة والأزمات الاقتصاديّة والبطالة في أوساط الفئات الشابّة.

اقتصار الديمقراطيّة على الأغلبية فقط
الأسئلة كثيرة ورغم أنها تبدو في ظاهرها فلسفيّة وأكاديميّة، إلا أنها حقيقيّة تلامس كافّة القضايا والشؤون اليوميّة للمواطنين في كل الدول، وتلقي الضوء على حالتنا الراهنة والتي تتكشّف فيها الحقائق وتزول الأقنعة خاصّة عن أمور ومظاهر اعتقد كثيرون أنها تضمن الحريّة والمساواة والعدل والاحترام الإنسانيّ، وبالتالي لا بدّ من أسئلة حقيقيّة إسرائيليًّا، ومع اقتراب الانتخابات البرلمانيّة وأجوائها التي يتخلّلها إقصاء العرب أو إقصاء الأقليّة أو استبداد الأغلبيّة، وهل ما زالت الديمقراطيّة الإسرائيليّة وهي التي لم تكن كاملة تجاه المواطنين العرب منذ قيام الدولة عام 1948، رغم تَغَنّي إسرائيل بكونها الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط، الحلّ السحريّ، أو هل ما زالت قائمة أصلًا، أو أنه أصبح بالإمكان اختزالها في جزئيّة واحدة فقط هي ضمان حريّة الفرد ، وهنا في حالتنا هذه الفرد اليهوديّ وهو جزء من الأغلبيّة، في اختيار أفكاره وتحديد مواقفه السياسيّة وانتخاب ممثّليه، أي الحق في الاختيار، دون ضمان الوجه الاخر من العملة الديمقراطيّة وهو قبول حقّ الجميع، وخاصّة الأقليّة، في اختيار مواقفهم وممثّليهم، حتى لو كانت مواقفهم مناقضة ومختلفة تمامًا، أي اقتصار الديمقراطيّة على الأغلبية فقط، وجعلها صوتًا لها يخدم مصالحها دون أن يضمن الحقوق الفرديّة والجماعيّة والحريّات للجميع، ودون قبول المبدأ الأساسيّ وهو وجود، بل ضرورة وجود، آراء وأحزاب وطوائف متنوّعة تتنافس سلميًّا لخدمة المجتمع، عبر ضمان المشاركة الحقيقيّة ليس فقط في التصويت بل في صناعة القرار، ومنع طغيان الأغلبيّة وحماية حقوق المجموعات المختلفة في المجتمع، وفهم الحقيقة الواضحة وهي أن الديمقراطيّة ليست للأغلبيّة فقط وليست عملية تصويت فقط، بل مسار تكامليّ يحتاج إلى تنازلات متبادلة وعمل جماعيّ ومشاركة للجميع، ومن هنا فالمعنى الفعليّ للحديث الصريح والعلنيّ عن حكومة مع أحزاب صهيونيّة فقط، هو استبعاد الأحزاب العربيّة كلها دون استثناء واستبعاد مصوّتيها، عن أي ائتلاف حكوميّ مستقبليّ، وقصر التحالفات على الأحزاب اليهوديّة التي تؤمن بالفكر الصهيونيّ، وحصر ميزة وصلاحية اتّخاذ القرار بيد الأغلبيّة اليهوديّة، وترك النواب العرب في صفوف المعارضة، وهي أيضًا تؤمن بعدم إشراكهم وعدم دمجهم، ورفضهم على خلفيّة قوميّة، وبكلمات أخرى تأكيد كون إسرائيل دولة لليهود فقط، وليست حتى دولة يهوديّة وديمقراطيّة، ليس فقط في قراراتها السياسيّة والأمنيّة الاستراتيجيّة، بل في قراراتها وسياساتها المتعلّقة أيضًا بالقضايا الحياتيّة واليوميّة، كمكافحة العنف وتوفير الميزانيات والبنى التحتيّة وضمان الحقوق المدنيّة للعرب الذين تجعلهم الدولة مواطنين من الدرجة الثانية أو أقلّ من ذلك، وتحت طائلة الاتهام الدائم بعدم الولاء والمطالبة الدائمة بإثبات الإخلاص، واعتبارهم خارجين عن الإجماع الاسرائيليّ اليهوديّ، وعنصرًا لا يشكّل جزءًا من بنية الدولة، بل ربما عاملًا يهدّدها أو حتى طابورًا خامسًا، يتم استخدام "الديمقراطيّة الإسرائيليّة" وتشريعاتها لتقييد حريّته والحدّ من مشاركته في اللعبة السياسيّة، بل إقصاؤه منها تمامًا، وليس ذلك فقط، بل إن استخدام هذا الشعار في الدعاية الانتخابيّة لا يقتصر على كونه تعبيرًا عن مواقف، أو برامج انتخابيّة بل إنه من جهة، وسيلة للضغط على الخصوم السياسيّين ودفعهم نحو مواقف متشدّدة ومعادية، آخرها إعلان الجنرال غادي إيزنكوت زعيم حزب " يَشار" بأن دولة فلسطينيّة لن تقام في عهد حكومته ردًّا على تصريحات الدكتور منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحّدة، بأن الدولة الفلسطينيّة قائمة وعلى إسرائيل وأمريكا الاعتراف بها، ومن جهة أخرى تهمة جاهزة قوامها التنازل عن الطابع القوميّ اليهوديّ للدولة إذا لوّح أحدهم بالتعاون مع النوّاب العرب أو حتى الاهتمام بقضايا المواطنين العرب، مع الإشارة هنا إلى أن مصطلح الصهيونيّة لم يرد في أيّ من قوانين الأساس التي رافقت قيام الدولة ومنها قانون "أنظمة الحكم والقضاء" للعام 1948 وهو أول قانون فور قيام الدولة، وبعده قانون التعليم الإلزاميّ من العام 1953، وقانون أساس إسرائيل دولة القوميّة اليهوديّة، وأنه ليس هناك قوانين تحاول شرح أهداف الصهيونيّة، بل قوانين تحاول ترتيب مسؤوليّات دولة إسرائيل وأهدافها. ومن هنا السؤال هل سيكون النقاش في الانتخابات القريبة حول سبل ضمان أمن وسلامة واحتياجات المواطنين اليهود فقط في الدولة (الصهاينة) أم كافّة مواطنيها، ومناقشة تعريف الدولة ما إذا كانت يهوديّة أم ديمقراطيّة أم صهيونيّة؟؟ 

قشرة رقيقة وقابلة للكسر
ما سبق يستوجب، وبشجاعة طرح السؤال، حول ما إذا كانت الديمقراطيّات في أيامنا هذه وما يرافقها من أوصاف تعتبرها قمة وخلاصة وصفوة التحضّر والمساواة والنقاء السياسيّ والإنسانيّ، أنظمة حكم قوية ومتماسكة يمكنها مواجهة الأزمات والصعاب، دون التنازل عن ثوابتها، ودون دوس الضعفاء والأقليّات والتحوّل إلى دكتاتوريّة الأغلبيّة خاصّة في أيام الأزمات، أم أنها كما يثبت التاريخ، قشرة رقيقة وقابلة للكسر تخفي تحتها العنصريّة والكراهية والمخاوف والقبليّة التي رافقت الإنسان منذ القِدَم، وأن من نسميه "تحضّرًا" غالبًا ما يكون طبقة خارجيّة هشّة تزول بسرعة عند أوّل أزمة حقيقيّة، ليظهر حينها الوجه الحقيقيّ وميزته انهيار الأسس الديمقراطيّة وتضاؤل معانيها وضيق مساحة ممارستها، إضافة إلى الخوف والأنانيّة وسرعة الانهيار الأخلاقيّ خاصّة في أوقات الحروب، فتبرز النزعات العرقيّة والطائفيّة والدينيّة المتطرّفة حتى في المجتمعات التي تدّعي العلمانيّة والحريّة والمساواة، وتتراجع سيادة القانون، واستمرار اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية دون رادع ودون قرار حكوميّ رسميّ بمواجهتهم، واستمرار بل تفاقم مظاهر العنف في إسرائيل عامّة والمجتمع العربيّ خاصّة، هو دليل على ما يعنيه ذلك من ضعف للتشريعات وللمؤسّسات، وتراجع لقيم المساواة وتعزيز التوجهات الإقصائيّة وانعدام الأسس والقوانين القوية التي تحمي الممارسة الديمقراطيّة، وتمنع العودة إلى شريعة الغاب والتعصّب الدفين والعصبيّات القديمة الكامنة في النفوس بانتظار الشرارة الأولى لتظهر من جديد.

ازدواجيّة في المعايير
استمرارًا لما سبق وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم حروبًا وصراعات من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط ومناطق أخرى، وتهديدات لاقتصاد دول كبيرة، لا بدّ من السؤال الذي كان طرحه قبل عقدين أمرًا ممنوعًا خاصّة في ظلّ الحديث الأمريكيّ والعالمّي عن إرساء الديمقراطيّة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وتفكّك الاتحاد السوفييتي والحريّة لشعوبه ودوله. وهو السؤال حول ما إذا كانت البشريّة، ومع استمرار بل ازدياد الصراعات والحروب وعمليّات القمع في أماكن كثيرة من العالم اليوم، وبضمنها دول تدّعي الديمقراطيّة، أمام حالة جديدة تعترف فيها أنها لم تكمل بل لن تكمل، رحلتها ومشوارها من البربريّة والعنف والحروب والقلاقل، نحو السلام والتحضّر والاستقرار والمساواة والعدالة التامّة، أو شبه الكاملة على الأقلّ، رغم تطوّر القوانين الدوليّة وتقدّم العلوم والتكنولوجيا وتكرار التصريحات حول السلام الدوليّ ورفض العنف، مقابل الواقع الذي يشهد صراعات وصدامات مستمرة وأزمات إنسانيّة أودت بحياة ومقوّمات حياة ملايين البشر في العقود الأخيرة، وذلك رغم المواثيق الدوليّة لحماية حقوق الإنسان ومنع الإبادة الجماعيّة، ورغم ارتفاع نسبة انتشار التعليم ووجود المنظمات الدوليّة التي تسعى لحلّ النزاعات بالطرق السلميّة وتطبيق العدالة الدوليّة، وسط ازدواجيّة في المعايير، وتطبيق لمبادئ العدالة والإنسانيّة بانتقائيّة سياسيّة ومصلحيّة، والأهمّ من ذلك الصمت الدوليّ وتضاؤل مظاهر التضامن الدوليّ، أو حتى بين الفئات والمجموعات في الدول نفسها، ناهيك عن تركيز الثروات في أيدٍ قليلة (في إسرائيل وعلى سبيل المثال، تتركّز أكثر من 90% من الثروات بأيدي عشر عائلات ثريّة بل فاحشة الثراء) مقابل اتّساع الفقر والجوع عالميًّا. وهي حالة تجعل تغلغل المواقف الدينيّة والسياسيّة والعرقيّة المتطرّفة أمرًا سهلًا، وتجعل العامّة يقبلون بإضعاف الديمقراطيّة واستعداء فئات مجتمعيّة وإقصائها، دون معارضة أو احتجاج، بل الصمت المطبق، لأن همّهم الأول هو ضمان المقوّمات الأساسيّة للحياة، ولعل انتشار الفكر الأصوليّ الدينيّ في إيران وأفغانستان وبين المجموعات السكانيّة الضعيفة اقتصاديًّا في أوروبا، وتحديدًا المهاجرين من دول إسلاميّة وآسيويّة، وكذلك داخل الطبقات والمجموعات الضعيفة اقتصاديًّا وعلميًّا بين اليهود في إسرائيل خير مثال.

التأثير المتبادل بين الاقتصاد والسياسة
ما سبق يعيد إلى ذهني أمرين أوّلهما قديم وتاريخيّ وهامّ، وهو مواقف الروائيّ والكاتب الألمانيّ توماس مان الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1929، ويعتبر من أهم الروائييّن والكتّاب الألمان، ومن أشهر رواياته "آل بودنبروك" وكذلك رواية "موت في البندقيّة"، واحتلّ الإنسان مكانًا أساسيًّا في أعماله، بمواقفه الشجاعة بعد أن اعتلى الحزب النازي الحكم في ألمانيا عام 1933. وهو ما عمل مان على التحذير منه حتى تمّ نفيه إلى خارج المانيا، وخاصّة قوله الشهير إنه لا يجب أن تكون ماركسيًّا أو رأسماليًّا حتى تدرك أن مواقف ومشاعر وتفكير الناس، في القضايا السياسيّة والمبدئيّة، تتأثّر أساسًا بأوضاعهم الاقتصاديّة، في إشارة إلى التأثير المتبادل بين الاقتصاد والسياسة خاصّة وأن الدراسات والأحداث اليوميّة تؤكّد ارتباط الحالة الماديّة للأفراد بتوجّهاتهم وقناعاتهم. وليس ذلك فقط، بل إنها تحدّد سلّم أولويّاتهم، ورغبتهم أو قدرتهم على مواجهة السياسات التي تعتمد التطرّف والتمييز وزيادة الأعباء والفجوات الاقتصاديّة، فكلما زادت الفوارق الطبقيّة والماليّة بين شرائح المجتمع، أصبح الفقراء أكثر قبولًا للمواقف المتطرّفة الدينيّة والسياسيّة وغيرها، كما أن مشاركتهم في العمليّة السياسيّة وبسبب الفوارق الاقتصاديّة، لا تتمّ من باب الاهتمام بالمصلحة العامّة، بل انطلاقًا من تأييد من تعتقد هذه الفئات المتديّنة والفقيرة اقتصاديًّا والمسحوقة اجتماعيًّا أنه يعمل لصالحها، أو ضد الفئات الأخرى التي هي أكثر ثراءً وعلمًا وانفتاحًا، كما الحال بين اليهود الشرقييّن والغربيّين في البلاد والتوتّر الطائفيّ بينهم وأساسه الشعور لدى الشرقيّين أنهم الأضعف. وهو ما قال عنه توماس مان، إن مشاركة العامّة في الأنظمة الحزبيّة والبرلمانيّة القائمة على المصالح الاقتصاديّة الضيّقة، تؤدّي إلى إفساد الحياة السياسيّة داخل الدول، وأن الأزمات تدفع السياسة أحيانًا لتصبح، كما قال، أفيونًا للعامّة والجماهير، تغيب معه العقلانيّة الموضوعيّة، ودعوته في خطابه للشعب الألمانيّ عام 1940، إلى معارضة توجّهات العنصريّة والتشدّد وتراجع الديمقراطيّة، قائلًا لهم إن انصياعهم أصبح بلا حدود، وأن مشاعر عدم غفران موقفهم هذا تزداد يومًا بعد يوم، في تأكيد هنا على أهميّة الانتباه إلى التغييرات التي تطرأ على نظام الحكم وتعامل السلطات، وضرورة عدم الصمت خاصّة إذا كانت التغييرات تمسّ الغير والأقليّات، والتأكيد على أن دور المثقفين والليبراليين ليس فقط الكتابة الأدبيّة أو الإنتاج الفنيّ، بل عليهم رفعَ صوتهم مدافعين عن الإنسانيّة وضد الجهل والبطش والبربريّة، وهذا ما يخشاه وللأسف كثيرون في العالم عامّة وبضمنه إسرائيل، خشية اتهامهم بالخروج عن الإجماع أو التعاطف مع العدو، أو إضعاف البلاد خلال الحرب والأزمات.

الأمر الثاني الذي يتبادر إلى ذهني إزاء استمرار مظاهر الحرب والصراعات والبطش، ورفض بعض الشعوب وأنظمة الحكم الخروج منها وتجاوزها حتى بعد انتهائها، هو الفيلم السينمائيّ "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان، والذي تعرضه دور السينما في العالم هذه الأيام، وتحديدًا معانيه التاريخيّة والآنيّة، خاصّة وأنه لا يكتفي بسرد تاريخيّ للأحداث، بل يوفّر ويمنح قراءة مختلفة لملحمة "حصان طروادة" التاريخيّة المعروفة، مع الإشارة إلى أن بداية الفيلم هي اللحظة التي تنتهي فيها المعركة، بمعنى أنه لا يحتفل بسقوط طروادة، ولا يجعل من مشهد الانتصار وما سبقه من دمار ودماء، مشهدًا بطوليًّا، بل ينشغل بما تركه وما يحمله هذا الانتصار من تأثيرات وأزمات ومشاعر ورواسب نفسيّة وأخلاقيّة تصيب الجميع، المهزوم والمنتصر على حدّ سواء، أي أنه رحلة رجل، ومعه شعب، يحاول النجاة من آثار الحرب التي شارك في صنعها وحقّق الانتصار فيها، ليكتشف بعدها أن لا عودة بعد أي حرب دامية إلى الحياة العاديّة التي كانت قبله، وأن الحرب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تستمر داخل الإنسان وفي ذاكرته، عبر مشاعر عارمة أوّلها واهمها الشعور بالذنب تجاه من تضرّروا أو لقوا حتفهم، أو بسبب الفشل والهزيمة، أو تجاه أولئك الذين كلّفتهم قرارات القيادات وأخطائها حياتهم وأمنهم، وربما أولئك الذين وقفوا محايدين أمام خطوات كانت نهايتها واضحة ومأساويّة، إضافة إلى أن الانتصار نفسه يتحوّل إلى بداية لاختبار جديد قد يكون أقسى وأشد، وقد يتحوّل الانتصار والقوّة إلى سقوط أخلاقيّ خطير. وهذا ربما ما نشهد بعض معالمه اليوم من عودة إلى مسار القوة العسكريّة والبطش واستغلال القوة السياسيّة لقمع الغير، خاصّة الأقليّات. وهي حالة تتواصل حتى اليوم وبعد نحو 3000 عام يمكن القول حولها أن التقنيات تقدّمت وتطوّرت مرّات ومرّات وبشكل متسارع، لكن الإنسان تطوّر بوتيرة أقلّ، وبالتالي ورغم أن الحضارة الرومانيّة منحت العالم القوانين والهندسة ومؤسّسات الحكم والسلطة، ما زال الإنسان قادرًا ومستعدًّا لتحويل وجعل العنف والقمع إلى حالة مقبولة وسائدة، وخاصّة في أوروبا التي أثبتت عبر أحداثها التاريخيّة أن الثقافة والعلم والتحضّر لا تقي العالم من البطش والبربريّة، والنازيّة خير دليل على ذلك عبر ملايين الضحايا بضمنهم الملايين من اليهود، وليس عبر انفلات غرائزيّ، وإنما عبر قوانين وتشريعات وموظّفين نفذوا ذلك، أي عبر بطش لم يأت من الخارج، بل نما وترعرع من الداخل ووسط ظروف وفّرتها توجّهات ديمقراطيّة وليبراليّة تم تجييرها واستغلالها لذلك، والأخطر من ذلك كله وسط صمت وقبول يتجاهل المخاطر، ويقبل بالواقع وينساق وراء شعارات قومجيّة متطرّفة وسياسات تتّسم بالإقصاء والكراهية والدعوة إلى سفك الدماء من منطلقات عرقيّة مقيتة، ومن منطلق كون ألمانيا في نظر قادتها الأقوى والأحق والوحيدة التي تملك الحقيقة والسلطة الأخلاقيّة وليس فقط القوة العسكريّة، وسط صمت العالم، مؤمنةً أن الانتصار في الحرب هو الأهم.

إما القبول والولاء أو الترحيل
ختامًا، وعود على بدء فمواضيع النقاش في الانتخابات والتي ستدور بين طروحات تترجم الصهيونيّة إلى مفاهيم تتّسم من جهة بالأصوليّة والأفكار الخلاصيّة ووعود، يقولون عنها إنها إلهيّة، تعد بأرض إسرائيل الكبرى على الأقلّ والتوراتيّة في حالات أخرى، دون اكتراث بما يدور من حولها في العالم ومخاطر العزلة التي قد تواجهها إسرائيل، ودون اهتمام بالقضايا اليوميّة والمعيشيّة لغير اليهود، بل إقصائهم نهائيًّا ومنحهم أحد خيارين فإما القبول والولاء أو الترحيل، وبين طروحات تريد ظاهريًّا في بعضها دولة ليبراليّة علمانيّة متقدّمة ومتطوّرة اقتصاديًّا تضمن أوّلًا حقوق اليهود، الاقتصاديّة والسياسيّة ودورهم في اتخاذ وصنع القرارات دون غيرهم وبدل غيرهم، باعتبار إسرائيل دولة يهوديّة ومن ثم ديمقراطيّة، وبالتالي فإن التوّتر والتنافس بين هذين الطرحين، سيلقي بظلاله على طبيعة وشكل دولة إسرائيل وعلاقاتها مع مواطنيها عامّة والمواطنين العرب خاصّة، وكذلك شكل علاقاتها الخارجيّة والدوليّة. وهل هي دولة تضمن لمواطنيها اليهود تحقيق ذاتهم وأمنياتهم الفرديّة والجماعيّة، بعيدًا عن الأحلام الخلاصيّة، نحو حياة مدنيّة داخل البلاد ومع الأقليّة العربيّة فيها، أم دولة ستعمل على تحقيق أحلام تصطدم مع معتقدات وتطلّعات ونهج حياة مجموعات أخرى مختلفة داخل الدولة. ويقينًا وبغض النظر عن نتيجة الانتخابات والتي من السابق لأوانه، ومن المجازفة وعدم فهم الحلبة السياسية الاسرائيليّة، التنبّؤ بها، أن ما كان هو ليس ما سيكون، فهل سيكون سلبًّا أم إيجابًا؟؟

 والخلاصة، إزاء كل ما سبق يمكن الجزم أن البشريّة لم تنه بعد مسيرة التخلّص من الشرور والبطش والظلم، ولم تصل إلى السلام والتحضّر والعدالة، وأن الديمقراطيّة والتحضّر ليسا نقطة مفهومة ضمنًا نقف عندها ونحتفل بها، بل هما جهد بشريّ مستمرّ وإنجاز يجب النضال يوميًّا للحفاظ عليه.

حيفا 28.8.2026                         

البريد الإلكترونيّ: [email protected]

لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا

[email protected]استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ

إعلانات

إعلانات

اقرأ هذه الاخبار قد تهمك