بلدان
فئات

14.08.2026

°
20:32
تابعوا : حلقة جديدة من برنامج ‘ مجلة الجمعة ‘
20:24
الكويت: ندين ونستنكر بشدة الهجوم الايراني على ناقلتي ‘أدنوك‘
20:03
عبدالله بن زايد يؤكد تضامن الإمارات الكامل مع دولة الكويت
20:02
رئيس البرلمان العربي: ندين بشدة الاستهداف الإيراني لناقلتين إماراتيتين في مضيق هرمز
19:52
اصابة متوسطة لطفل (5 سنوات) اثر تعرضه لرفسة حصان في كفرمندا
19:26
عرابة: ورشة رسم لمعالم سهل البطوف في خربة ‘مسلخيت‘
17:50
دائرة وكالة الغوث في الجبهة الديمقراطية: نرفض استبعاد الأونروا من مسارات إعادة إعمار غزة
16:53
مسؤول: لبنان لم يوافق على قائمة دول يمكنها التحقق من نزع سلاح حزب الله
16:43
شبكة النساء الرياديات العربيات في المثلث الجنوبي تعقد ورشة عمل حول ‘التنظيم المجتمعي‘
16:43
مصادر فلسطينية: 70 ألفا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
16:22
ترامب: ويل شارف سيصبح مستشار البيت الأبيض ومساعدا للرئيس
16:00
تكريم وتعيين دولي للدكتور روهان نصر عبيد في مؤتمر علمي عالمي بقبرص الشمالية
15:36
مركز مساواة يعقد لقاءات مهنية لشبكة النساء الرياديات في الطيبة
15:25
الخبيرة في الاقتصاد والتمويل مروة زعبي من حيفا ضيفة برنامج ‘من حقك أن تعرف‘
15:23
مدير لواء الشمال في اتحاد ارباب الصناعة: مصانع عربية تصنف اليوم ضمن الأكثر تقدماً في الذكاء الاصطناعي
15:14
إغلاق ورشة حدادة في بلدة بقعاثا بعد ضبط بندقية قناص داخلها واعتقال مشتبه
14:51
إصابة طفلة (سنة ونصف) جراء تعرضها للدهس في حورة
14:46
الحاجة محسنة فايز طربيه أبو ريا من سخنين في ذمة الله
14:33
تدشين وحدة تطور الطفل في عين ماهل بعد ترميمها
14:25
تقرير: الرئيس الأمريكي ترامب انتقد نتنياهو بجلسة مغلقة ووصفه بـ ‘أكبر عدو لنفسه‘
أسعار العملات
دينار اردني 4.01
جنيه مصري 0.05
ج. استرليني 4.04
فرنك سويسري 3.8
كيتر سويدي 0.32
يورو 3.5
ليرة تركية 0.11
ريال سعودي 0.98
كيتر نرويجي 0.32
كيتر دنماركي 0.47
دولار كندي 2.19
10 ليرات لبنانية 0
100 ين ياباني 1.87
دولار امريكي 3.04
درهم اماراتي / شيكل 1
ملاحظة: سعر العملة بالشيقل -
اخر تحديث 2026-08-07
اسعار العملات - البنك التجاري الفلسطيني
دولار أمريكي / شيكل 3.01
دينار أردني / شيكل 4.28
دولار أمريكي / دينار أردني 0.71
يورو / شيكل 3.47
دولار أمريكي / يورو 1.1
جنيه إسترليني / دولار أمريكي 1.31
فرنك سويسري / شيكل 3.7
دولار أمريكي / فرنك سويسري 0.82
اخر تحديث 2026-08-13
زوايا الموقع
أبراج
أخبار محلية
بانيت توعية
اقتصاد
سيارات
تكنولوجيا
قناة هلا
فن
كوكتيل
شوبينج
وفيات
مفقودات
كوكتيل
مقالات
حالة الطقس

المحامي زكي كمال يكتب: الديمقراطية بين التضليل السياسي وفقدان مصداقية القيادات

14-08-2026 06:49:53 اخر تحديث: 14-08-2026 11:36:00

لم يكن حنين الشعوب إلى الديمقراطيّة بمفهومها النقيّ وربما النظريّ والأوّليّ، نزعة عابرة أو مؤقتة، بل حقيقة دامغة كانت حاضرة على مر العصور القديمة منها والحديثة، وتحديدًا منذ الثورة الفرنسيّة عام 1789

المحامي زكي كمال - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا

 التي أسقطت الملكيّة المطلقة في فرنسا، مرورًا بالفترة المشهورة والتي أطلق عليها اسم ربيع الأُمم واحتجاجات عام 1848 في أوروبا للمطالبة بالحرّيّة والمساواة وصياغة القوانين والدساتير، وصولًا إلى أيامنا المعاصرة ومحطات عديدة شهدها القرن العشرون عامّة، وبشكل خاص الثمانينيّات والتسعينيّات منه، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين وموجات انبعثت وانبثقت من العدم ودون تحضير مسبق ودون أسس تُبنى عليها، ادعت المطالبة بالديمقراطيّة في العالم العربيّ والتي سميت جزافًا بالربيع العربيّ، وسط ادعاء أنها تهدف إلى دمقرطة الشرق الأوسط، اتضح أنها كانت وبالًا عليه وعلى مواطنيه، وهو حنين وتوق أساسه ماهيّة الديمقراطيّة كما صاغها حكماء الثورة الفرنسيّة وخاصة شارل مونتسكيو، واعتبار الديمقراطيّة الوسيلة الأفضل أو النظام السياسيّ الأمثل وربما الملاذ والطريق لضمان المساواة السياسيّة والمدنيّة، والحريّة، والعدالة الاجتماعيّة والرفاه الاقتصاديّ وربما حتى الأمن والأمان والكرامة الإنسانيّة، وهو حنين يزداد ويشتد في حالات الأزمات وخاصة عندما تعاني المجتمعات القمع والاستبداد وينخر عظامها، كما في إسرائيل والولايات المتحدة وشرقنا بمعظمه، الفساد الماليّ والإداريّ أو تتدهور الأوضاع الاقتصاديّة والحياتيّة، فيتطلع الجميع إلى الديمقراطيّة أملًا منهم أن تكون من جهة، النظام الذي يضمن الحقوق ويتيح ممارسة الحريات ويلغي التمييز وينصّ على ضرورة وواجب تطبيق القانون على الجميع دون مواربة ويشكل السبيل نحو بناء مؤسسات مجتمعيّة وحكوميّة تقدم الخدمات الأساسيّة ما يمنح المواطن، إلى جانب خطوات أخرى، الشعور بأن صوته هام وأنه قادر على تغيير الواقع السياسيّ والاجتماعيّ وصولًا من جهة أخرى إلى محاسبة الحكام والسياسيّين عبر صناديق الاقتراع وعبر النظام القضائيّ الذي تضمن الديمقراطيّة استقلاله بواسطة فصل السلطات وسنعود إلى ذلك لاحقًا.

تحديات كبيرة أمام النظام الديمقراطيّ
رغم ما سبق، وانطلاقًا من ضرورة النظر إلى الواقع بعيون واعية ومدركة ودون عواطف أو حنين إلى منشود خياليّ أو صعب المنال وغير موجود على أرض الواقع ، لا بد من الاعتراف ورغم مرور نحو 240 عامًا على الثورة الفرنسيّة التي كانت أول بوادر الديمقراطيّة وتلتها إسبانيا عبر دستور قادس عام 1812 الذي كان النواة القانونيّة الأولى لإلغاء النظام الإقطاعيّ، بسلطاته غير المحدودة، في كافة المجالات السياسيّة والقضائيّة والحياتيّة اليوميّة وبداية انهيار النظام القديم، وبعده عام 1820 القوانين التي سميت قوانين فك الارتباط، أن النظام الديمقراطيّ وخاصة في العقدين الأخيرين يواجه تحديات كبيرة ومعوقات تمنع تطبيقه السليم وبالتالي تشكل عائقًا أمام قدرته على تلبية تطلعات الأفراد، والأسباب هنا كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، غياب الثقافة الديمقراطيّة وقلة الوعي المجتمعيّ لتقبل الرأي الآخر أو تضاؤل القابليّة لتقاليد الحوار والانتقال السلميّ للسلطة والانتقال من عهد الانتخابات الأيديولوجيّة إلى عهد الشخصنة الانتخابيّة، أي انتخاب الزعيم لشخصه ومواقفه الشعبويّة وليس لطرحه، كما الحال في الولايات المتحدة في عهد ترامب وقبله البرازيل في عهد جايير بولسينارو والأرجنتين اليوم برئاسة خافيير ميلي وهنغاريا في عهد فيكتور أوربان، والذي انتهى مؤخرًا، وكما هو الحال في إسرائيل والتي انتهى فيها ومنذ عقد أو أكثر عهد الانتخابات والديمقراطيّة الأيديولوجيّة وأصبحت الانتخابات والنقاشات قبلها وبعدها وخلالها تدور حول شخص المرشحين دون غيره، وسط ابتعاد عن مبدأ فصل السلطات والقبول حتى بمبدأ القائد الواحد والسلطة الواحدة، وإسرائيل حالة ممتازة للتدليل على ذلك خاصة وأن الحكومة وهي السلطة التنفيذية تنبثق من تلك التشريعيّة أي البرلمان (الكنيست) لكنها تتحكم بها وليست خاضعة لها، أما السلطة القضائيّة فتواجه ومنذ العام 2023، حربًا ضروسًا من السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة اللتين اتحدتا وبفعل النظام الائتلافيّ المعمول به في إسرائيل، إلى سلطة واحدة تحاول تضييق الخناق على السلطة القضائيّة وتقليص صلاحيّاتها وجعلها خاضعة لهما، تشرعن كل ما يصدر منهما، دون استقلاليّة في الرأي أو الموقف.

"الطريق نحو الهاوية مرصوف بالنوايا الطيبة"
ما سبق من خلط للأوراق واختفاء للحدود بين السلطات، ليس كلامًا نظريًّا، بل إنه يمس حياة كافة المواطنين خاصة وأن المس بمبدأ فصل السلطات ومحاولة تغليب واحدة على الأخرى، يعني عمليًّا كسر وتحطيم أو على الأقل، تجاهل كافة الضوابط والموازنات الديمقراطيّة وتغليب السلطة التنفيذيّة والتي تسيطر على السلطة التشريعيّة وتستخدمها أداة طيِّعة لخدمتها وتنفيذ مآربها عبر تشريعات غير مسبوقة، والأمثلة كثيرة في إسرائيل، منها محاولات تغيير تركيبة لجنة تعيين القضاة أو تضييق الخناق على وسائل الإعلام وسن قوانين تقيد حريّة الأقليّات وتوفر الميزانيّات للمقربين من السلطة، وتمنح فئات معينة إعفاءات خاصة لدوافع فئويّة ضيقة، مع الإشارة هنا إلى أن هذه التشريعات والتي تهتم فقط بالأغلبية تشكل من حيث الجوهر واحدًا من الأسئلة الملحة بالنسبة للديمقراطيّة بمفهومها الكلاسيكيّ، وما إذا كانت الديمقراطيّة، وعلى وزن القول المعروف "إن الطريق نحو الهاوية مرصوف بالنوايا الطيبة"، قد تحولت من ضمان المساواة والعدل وحقوق الأقليّة إلى وسيلة لتكريس ديكتاتوريّة الأغلبيّة، وإلى سلاح تستخدمه الأغلبيّة لبسط سيطرتها وتكريس سلطتها وقمع حقوق الأقليّة وتجاهل مصالحهم، وتحويل المؤسسات أحيانًا إلى أدوات في يد السلطة الحاكمة، مدعية أن تركيبة الحكومة والبرلمان هما القول الفصل، وأن صناديق الاقتراع هي الحكم، وهو ادعاء يشكل ضربة لفكرة أساسيّة في الديمقراطيّة وهي إمكانيّة التأثير على اتخاذ القرارات، بل أخطر من ذلك فهي اختزال للدور الديمقراطيّ للمواطن، بعمليّة الاقتراع والحق في التصويت، وهذا الادعاء خطير يحاول إقناع الناس أن تصويتهم يعني التجسيد التام للحريّة التي لا تصبح في الحقيقة ذات معنى، الا إذا رافقها وعي سياسيّ يتمثل في التأثير الدائم على اتخاذ القرارات وإحداث التغييرات وليس مرة واحدة كل أربع سنوات، ولذلك ورغم أهمّيّة الحق في الترشح والانتخاب، وأن صندوق الاقتراع لا يصنع العدالة خاصة إذا كانت الأصوات التي بداخله مدفوعة بدوافع دينيّة كالأحزاب المتزمتة الدينيّة، أو الطائفية او العنصرية أو تصويت القطيع والقبلية بتبريرات أساسها المال والترهيب والخوف والاقصاء وليس الفكر، عملًا بقول الفنان والمؤلف والكاتب جان جاك روسو: "إن رصيد الديمقراطيّة الحقيقيّ ليس في صناديق الانتخابات فحسب، بل في وعي الناس"، ناهيك عن أن اختزال الممارسة الديمقراطيّة بالعمليّة الانتخابيّة ينتهي إلى تضاؤل ثقة المواطنين في الأحزاب السياسيّة ودورها والانتخابات وأهمّيّتها، وتضاؤل متواصل في البرامج السياسيّة ووعود السياسيّين غير المنطقيّة وغير القابلة للتنفيذ.

المال السياسيّ
إن الواقع المذكور سابقًا، يستوجب وحده أسئلة كثيرة حول الديمقراطية ومبادئها وإمكانيّة تنفيذها بمضمونها النقيّ الذي وضعه آباؤها، وهي أسئلة تزداد حدة إذا ما أضفنا إلى ما سبق عوامل جديدة ترافق الديمقراطيّة اليوم، وهي التي كانت منها براء حتى قبل حين، وهي ظاهرة المال السياسيّ أو ربما وبحكم الماضي "الإقطاع الماليّ"، وهي حالة يستغل الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال إمكانيّاتهم أو قوتهم الماليّة للتأثير على نتائج الانتخابات، وأمريكا هي خير مثال، وحملات ترامب الانتخابيّة والدعم الماليّ الذي يحصل عليه المرشحون للكونغرس من جهات اقتصاديّة تحمل أجندات معينة، ومنها شركات التبغ مثلًا والتي تريد منع فرض القيود على التدخين بسبب أضراره الصحيّة، أو شركات صنع الأسلحة والتي تريد ضمان حريّة اقتناء السلاح دون تحديد لكل من بلغ الثامنة عشرة من العمر، وآخر هذه الأمثلة الصراع على الترشح لمجلس الشيوخ الأمريكيّ كنائب ديمقراطيّ عن ولاية ميشيغان لعام 2026 مقابل النائبة هيلي ستيفنز، التي حظيت بدعم ماليّ غير مسبوق يقال إنه بلغ نحو 50 مليون دولار، من "ايباك"، لجنة الشؤون العامة الأمريكيّة الإسرائيليّة، وهي حالة قد تفقد المواطن العادي القدرة على التأثير الحقيقيّ في القرار، وتنقل القوة الى أصحاب رؤوس الأموال، وبكلمات أخرى فقدان مبدأ المساواة الفعليّة في التأثير على السياسات رغم ضمان المساواة في صناديق الاقتراع.. الممارسة شيء والتطبيق على أرض الواقع شيء آخر يختلف تمامًا.

الحماية من الاستبداد والحفاظ على الحرّيّة
ما سبق يؤكد أن الديمقراطيّة والتي كانت أسسها المساواة والعدل والحريّة وفصل السلطات، والتي قال عنها مونتسكيو في كتابه "روح القوانين"، إن الهدف منها هو الحماية من الاستبداد والحفاظ على الحرّيّة، عبر جعل السلطات منفصلة ومستقلة في قراراتها، لكنها مترابطة بشكل يمنع سلط واحدة ان تتجاوز أو تقصي أو تلغي دور واستقلاليّة السلطتين الأخريين، تعيش اليوم حالة من تراجع مفاهيمها ومضامينها الديمقراطيّة التقليديّة داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعاني أزمة بنيويّة في كافة الأنظمة الليبراليّة: ففي أمريكا يتزايد الاستقطاب وتخف الثقة بالمؤسسات، وفي إسرائيل تتسع الهوة بين الطابع الديمقراطيّ والسياسات الحكوميّة القائمة أي بين كون إسرائيل دولة ديمقراطيّة وكونها دولة يهوديّة، ناهيك عن تزايد شكوك طبقات ومجموعات معينة وخاصة الأجيال الشابة، حول قدرة النظام الديمقراطيّ على تمثيلها وإلى ذلك تضاف مساعي الحكومة المستمرة للتضييق على الجهاز القضائيّ وإضعاف رقابته، ما يعني أن الديمقراطيّة شهدت تغييرات كثيرة تستوجب الوقوف عندها والسؤال وبكل جرأة، هل ما كان في نهاية قبل قرون وفي عهد الثورات الديمقراطية ورغم دوره التاريخيّ البارز والمصيريّ، ما زال مناسبًا لما نحن أمامه اليوم، والإجابة هي لا، فما كان مناسبًا في القرن الثامن عشر لم يعد كافيًا أو مناسبًا اليوم بصيغته الأصليّة، فقد تغيرت المفاهيم وتغير الناس وتبدلت أو اختلفت طرق ممارسة الديمقراطيّة وذلك بفضل التطور المتواصل في مفاهيم حقوق الإنسان، والتحولات التكنولوجيّة والاقتصاديّة وكذلك زيادة الوعي واتساع مفهوم المواطنة ليشمل الجميع، وبالتالي يمكن القول مثلًا إن الديمقراطيّة في بدايتها حصرت حق الانتخاب على الرجال وأصحاب الأملاك بينما ديمقراطيّة اليوم تضمن الاقتراع العام الشامل لكل مواطن بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الثروة، وكذلك المشاركة في العمليّة الديمقراطيّة التي كانت سابقًا تمثيليّة ومحدودة وبطيئة، لكنها اليوم وبفضل الثورة الرقميّة صارت أوسع وأكثر كثافة وتأثيرًا، وهذه أمور تغيرت مع بقاء المبدأ القائل إن السلطة تستمد شرعيتها من الشعب وليس من الحاكم المطلق أو الإرادة الفرديّة، وانطلاقًا من ذلك وخاصة ازدياد تدخل الدولة في حياة المواطنين من القرن الثامن عشر وحتى اليوم، وانتقالها من دور الحارس المحدود إلى دور دولة الرعاية الشاملة التي تتولى عمليّة تنظيم التعليم والصحة والاقتصاد وحقوق الأفراد خاصة بعد الثورة الصناعيّة وما رافقها، بدأت الدول تتدخل لتنظيم ساعات العمل وحماية العمال وتوفير التعليم الأساسيّ، وبعدها وتحديدًا بعد الحرب العالميّة الثانية ومع ظهور دولة الرفاه الاجتماعيّ ومعها أنظمة للرعاية الصحّيّة العامة والضمان الاجتماعيّ والمعاشات التقاعديّة، وعملها كدولة على توجيه الاقتصاد ومحاربة البطالة وغيرها، ما يؤكد ضرورة تعديل وتغيير بعض طرق ممارسة الديمقراطيّة لتصبح كما أرادها واضعوها، ناهيك عن أنه لا بد من القول اليوم واستنادًا إلى ما سبق من ضرورة توفر الوعي السياسيّ والجماهيريّ والشعور بالمسؤوليّة المجتمعيّة الشاملة والجماعيّة، أن النظام الديمقراطي لا ينجح إلا حين يكون الشعب واعيًا، قادرًا على الاختيار بعقلٍ لا بغريزة القطيع وقد قال جورج برنارد شو عن ذلك إن الديمقراطية لا تنفع مع مجتمع جاهل.

ديمقراطيّة شكليّة وليست جوهريّة
ختامًا: تشهد الديمقراطيات اليوم تراجعًا كبيرًا وتحديات كثيرة منها تزايد التوجهات والأحزاب الشعبويّة التي تحاول تقويض استقلال القضاء وحرّيّة الصحافة والإعلام، استغلال الأزمات العالميّة الصحّيّة (كورونا مثلًا) والاقتصاديّة والعسكريّة، لتقليص سلطة القانون وتجاوزها، وإفراغ الديمقراطيّة من مضمونها وجعلها ديمقراطيّة شكليّة وليست جوهريّة، ناهيك عن تشجيع خفيّ ربما لأصحاب رؤوس الأموال بسبب الضرائب والعائدات الماليّة وقوتهم المرافقة لذلك، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء واضمحلال الطبقات الوسطى، ما يعزز شعور الفئات المهمشة اقتصاديًّا وكذلك الأقليّات بأن النظام الديمقراطيّ لا يضمن حقوقها، بل ربما تشعر هذه الطبقات بوجود محاولات لاشتراط أو ربط الاستقرار الاقتصاديّ والسياسيّ بالتخليّ عن الحرّيّات السياسيّة وحرّيّة التعبير عن الرأي، مثل منع التظاهر ضد الحرب في غزة او أوكرانيا بادعاء أنه سيبدو وكأنه يضعف الدولة أو يقوض نشاطات الجيش، وإلى كل ذلك يجب أن نضيف التحديات، التحديات التكنولوجيّة والإعلاميّة وتأثير وسائل التواصل الاجتماعيّ في ترويج المعلومات والأخبار المضللة بقصد مسبق للتأثير على الرأي العام، وأحيانًا وكما أظهرت الحملة الانتخابيّة الحاليّة في إسرائيل، استخدام الذكاء الاصطناعيّ لتزييف الحقائق والتلاعب بالعمليّات الانتخابيّة، وبالتالي يمكن الجزم أنه لو كان مونتسكيو حيًّا اليوم لما اكتفى بالإعلان عن أن الديمقراطيّة تستند إلى سلطات ثلاث، بل كان على الأرجح سيضيف إليها سلطات جديدة مستقلة بسبب التطور الهائل في التكنولوجيا والإعلام منها تلك التكنولوجيّة والرقميّة والإعلاميّة لحماية الحقيقة ومنع إساءة استخدام التقنيات، وسلطات تضمن الاستدامة والبيئة وسلطات نقديّة مستقلة تضمن الحد من تأثير رؤوس الأموال والشركات الكبرى على القرار السياسيّ، بل السيطرة عليه بالكامل أحيانًا أخرى.

وفي النهاية أقول: الديمقراطيّة وحدها دون وعي سياسيّ جماهيريّ ومراقبة قضائيّة وكلمة حرَّة وثقافة علميّة، لا يمكنها أن تكون الحل السحريّ لكافة القضايا، ولا يمكنها أن تضمن طواعية حقوق الناس، فقد تتم ممارستها وتطبيقها من قبل سياسيّين لهم مصالحهم الخاصة، ومن هنا لا بد من السهر عليها ومنع تقليص حيزها العامّ وعدم التنازل عنها حتى في زمن الأزمات، فما تم التنازل عنه يستحيل استرداده، أما ممارستها الحقيقيّة، وأقول هذا على أبواب انتخابات برلمانيّة تستوجب تصويتًا عقلانيًّا ومدروسًا وواعيًا خاصة من المواطنين العرب، وفي ظل آفة العنف التي يعانيها المجتمع العربي، إن غياب الوعي الجماهيريّ للحقوق والواجبات وعدم فهم الممارسة الصحيحة للديمقراطيّة، واستخدامها وسيلة للتأثير المستمر والمتواصل وعدم الاكتفاء بالتصويت وكفى الله المؤمنين شر القتال، أو الأنكى من ذلك الامتناع عن ممارسة هذا الحق، يجعل من الديمقراطيّة الجوهريّة مجرد ممارسة شكليّة وروتينيّة عديمة الفائدة، ويحول الحرّيّة إلى فوضى، ومن ثمّ إلى عبوديّة جديدة وقبول صامت بالأمر الواقع أو الواقع المرّ ويأس وقنوط من إمكانيّات التغيير وحتى عدم محاولة ذلك كأضعف الإيمان، لأن الأغلبيّة الجاهلة كما قال جورج برنارد شو، لا تُنتج حكمًا رشيدًا، بل تُعيد تدوير الجهل بأغلبية أكثر ضجيجًا.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]

[email protected]استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ

إعلانات

إعلانات

اقرأ هذه الاخبار قد تهمك