‘هنا فقط يُباح الطلاق‘ - مقال بقلم: المحامية د. سيما صيرفي
يبدأ الزواج بعقد شرعيّ، ثمّ يصبح كيانًا إنسانيًّا متكاملًا، تتداخل فيه المشاعر والمسؤوليّات في بيت واحد ومستقبل مشترك. ومع أوّل لحظة تجمع الزوجين، تتكوّن رابطة تتجاوز الإطار القانونيّ إلى فضاء أوسع من المشاركة الوجدانيّة،
د. سيما صيرفي - محامية متخصّصة بقوانين الأسرة ، صورة شخصية
حيث يحمل كلّ طرف همّ الآخر، ويشارك أفراحه وأحزانه، ممّا يجعل كلّ واحد امتدادًا للآخر في هذه الحياة. وقد رسم القرآن الكريم صورة هذه العلاقة ببيان بليغ، إذ وصف الزوجين بأنّ كلًّا منْهما لباس للآخر، بما يحمله هذا الوصف من معاني السكن والستر والحماية والقرب والسكينة والجمال.
ومن هذا الأساس تنشأ منظومة الحقوق المتبادلة، حيث تقوم الحياة الزوجيّة على الرعاية، والإنفاق، والاحترام، وصون الكرامة، وحسن العشرة. وتظهر هذه المبادئ في تفاصيل الحياة اليوميّة أكثر من حضورها في التنظير، فالكلمة اللطيفة تخفّف التوتّر، وموقف الاحتواء يعيد التوازن، والتقدير المتبادل يبعث في العلاقة روحًا جديدة، والإخلاص يؤجّج الحبّ.
والحياة الزوجيّة تسير عبر مراحل متعدّدة، تحمل اختلاف الطباع، وتباين الرغبات، وضغوط العمل، وتحدّيات التربية، وتقلّبات الواقع الاقتصاديّ. وتبقى قوّة العلاقة مرهونة بقدرة الطرفين على الصبر وسعة الصدر، واستحضار الصورة الكاملة للإنسان بما يجمع من فضائل ونقائص، مع ترجيح كفّة الودّ على كفّة العثرة.
وأقول من خلال القضايا التي عالجتها في شؤون الأسرة أنّ كثيرًا من الأزمات تبدأ بتراكمات صغيرة، كمشاعر مؤجّلة، وحوارات متقطّعة، واحترام يتراجع تدريجيًّا، حتى يتّسع البُعد العاطفيّ داخل البيت الواحد.
وعند هذه المرحلة تبدأ مسارات الإصلاح، حيث تُبذل جهود لإعادة التوازن عبر الحوار المباشر بين الزوجين، وبمساندة أصحاب الحكمة والخبرة من الأسرة أو الوسط الاجتماعيّ، لإعادة تقريب وجهات النظر وترميم ما تآكل من الثقة، ضمن رؤية تعتبر استقرار الأسرة قيمة إنسانيّة كبرى، وركيزة لتوازن الأبناء النفسيّ والاجتماعيّ.
وتصل بعض العلاقات إلى مرحلة يتقدّم فيها الخلاف على مساحة التفاهم، ويتراجع فيها الانسجام أمام اتّساع الفجوة، فتفقد الحياة المشتركة مضمونها الذي قامت عليه، وتبقى الأشكال الخارجيّة بلا روح جامعة.
وتبرز في الفقه الإسلاميّ حكمة في إدارة هذا التحوّل، إذ قامت الشريعة على مقاصد السكن والرحمة والكرامة، وربطت استمرار الحياة الزوجيّة بقدرتها على تحقيق هذه المقاصد. ومع استنفاد مسارات الإصلاح، وانغلاق أبواب التفاهم، وغياب مقوِّمات العشرة، يظهر الفراق كمسار تنظيميّ يعالج واقعًا قائمًا ويعيد ترتيب العلاقة ضمن إطار قانونيّ وإنسانيّ.
وعبر التاريخ الإنسانيّ تعدّدت النماذج في تنظيم إنهاء العلاقة الزوجيّة، فبعض النظم وسّعت نطاق الطلاق حتى اهتزّ استقرار الأسرة، وبعضها ضيّق المساحة حتى أجبر شخصين على العيش ضمن علاقة فقدت معناها. وجاءت الشريعة الإسلاميّة بمسار وسطيّ، حافظ على قدسيّة الأسرة، وفتح باب الانفصال بضوابط تحفظ الكرامة وتصون الحقوق، وتضع الطلاق في موقعه الأخير ضمن سلسلة من محاولات الإصلاح.
وتظهر في الواقع الأسريّ صور تمتدّ آثارها إلى عمق الكرامة الإنسانيّة والأمن النفسيّ. فقد تواجه المرأة خيانة تهزُّ أساس الثقة، أو سلوكيّات تزعزع الاستقرار الأسريّ، أو بيئة يغلب عليها القلق والتوتّر، فتتشكَّل الحاجة إلى حماية الذات والأبناء من تبعات استمرار وضع مثقل بالاضطراب، وقد يكون الرجل أيضًا ضحيّة لخيانة زوجته.
وتدخل بعض النساء في مسار طويل قبل الوصول إلى قرار الانفصال، ثمّ تبدأ مرحلة لاحقة بتحدّيات جديدة، تتمثّل في التدخّل في تفاصيل حياتهنّ الخاصّة، أو ملاحقة استقرارهنّ الجديد، أو الضغط الاجتماعيّ المصاحب لمرحلة ما بعد الطلاق. وتكشف هذه الصور أهميّة ترسيخ احترام الاستقلال الإنسانيّ بعد انتهاء العلاقة الزوجيّة، وصيانة الحدود بين حياتين منفصلتين، وعدم استخدام الأولاد كسلاح لتحقيق العكس.
وتقوم القاعدة الأخلاقيّة والقانونيّة على تساوي قيمة الاحترام في بداية العلاقة ونهايتها. فكما تأسّست الحياة الزوجيّة على الحقوق والواجبات، يقوم الانفصال على صون الكرامة، ومنع الإضرار، وإغلاق أبواب الانتقام الاجتماعيّ أو النفسيّ، ويتجلّى ذلك القدرة على بناء علاقة زوجيّة مستقرّة، وتظهر بصورة أعمق في الأخلاقيّات عند انتهائها. فالفراق الذي يُدار بروح الاحترام يترك للأبناء مساحة آمنة للنموِّ، ويمنح الطرفين فرصة للانتقال إلى حياة أكثر توازنًا، ويعكس الفهم الحقيقيّ لمعنى الرحمة والعدل في العلاقات الإنسانيّة.
ولنفهم جميعنا أنّ معيار النجاح في الحياة الزوجيّة هو قدرتها على الحفاظ على الكرامة، وصون المشاعر، وحماية الأبناء من آثار التوتّر، وإلّا فالفراق هو الحلّ.
من هنا وهناك
-
مقال: مبروك عرس الجبهة.. وأمّا بعد! - بقلم : المحامي سعيد نفاع
-
مقال: ‘الإسلام الحقيقي… ملة إبراهيم لا صناعة الطوائف‘ - بقلم: سليم السعدي
-
‘زيارة ترامب إلى الصين.. بين تايوان وإيران وإبقاء الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
مقال: ‘الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية‘ منذ اميل حبيبي، مرورا بالتصور المستقبلي وحتى القائمة المشتركة‘ - بقلم : بروفيسور أسعد غانم
-
‘مشتركة رباعية بتوافق… أم خماسية تفرض ذاتها؟‘ - بقلم: هاني نجم - الناصرة
-
مقال: التحركات في الخان الأحمر والقدس والأقصى جزء من ‘رؤية استراتيجية‘ إسرائيلية لحسم الصراع وفرض أمر واقع في سباق مع الزمن!
-
كمال ابراهيم يكتب في بانيت: الاتفاق على تشكيل القائمة المشتركة أمرٌ إلزامِيٌ
-
‘ الأنثروبولوجيا الرقمية.. من القبيلة إلى الشبكة‘ - بقلم: الدكتور حسن العاصي
-
‘ البداية وليست النهاية‘ - بقلم : هادي زاهر
-
‘ الأسرة نواة المجتمع وأساس الاستقرار الاجتماعي ‘ - بقلم: نغم زهير صايغ





أرسل خبرا