قصة ‘بين حقيبتين‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
نحو سماء خالية من المقاتلات. ونحو مستقبلٍ واعدٍ للأجيال القادمة، نحو كل شيءٍ جميلٍ، نحو حياة كلها حب واطمئنان، هذا الشيء أتمناه من أعماق قلبي.

لقد تأخرت، وموعد الطائرة قد أزف، وانا إلى الآن لم أحضر حقيبة السفر، ولم احجز التذاكر بعد ولم أحضر أي شيء من لوازم السفر.
اتكأت سعاد بمرفقيها على حافة النافذة. تنظر نحو سماء تبشر بربيعٍ دافئٍ، وشعورٍ جميلٍ يجعلك تتمنى لو أنك جزء لا يتجزأ من هذا الجمال، من هذه الطبيعة الساحرة. فقد تم الاتفاق على وقف إطلاق النار. وكل شيء عاد لطبيعته، التلاميذ عادوا لمدارسهم، العمال كل واحد منهم عاد لعمله، الشوارع غصت بالسيارات والازدحام الذي كنا نشهده، كل ساعات النهار والليل. عاد كما كان وأكثر.
لكن الذي كان يقلق سعاد وجعل النوم يجافيها، حالات العنف التي كل سنة تزداد وتيرتها عن السنوات السابقة. وهذا الشيء جعلها تفكر بالهجرة لبلاد تنعم بالسلام والاستقرار.
لكن الذي منع منها ذلك وصية والدها الذي طالما رددها على مسامعهم هي وأخوتها الخمسة. وبالأخص كلما سمع عن شاب أو شابة تعلموا خارج البلاد ولم يعودوا لوطنهم، بل أنهم اختاروا وطنًا بديلًا لوطنهم الأم. وهذا الشيء كان يحز بنفسه.
لذلك قبل وفاته كتب في وصيته. "أوصيكم يا أولادي أن تتمسكوا بتراب الوطن ولا تتخلوا عنه". لأن الوطن هو المكان الوحيد الذي يشعر به الإنسان بالانتماء نحوه. لذلك فكرة الهجرة لا تضعها من أولويات حياتك. ولا تفكر ولا مرة إذا بدلت وطنك بوطن بديل، هذا الشيء الذي سوف يعيد إليك السلام الذي افتقدته في وطنك الأم، لأنك بذلك تكون قد ارتكبت أكبر خطأ في حياتك.
لأن من مسؤوليتنا الحفاظ على وجودنا عندما نصمم بأن نتمسك بتراب الوطن. لهذا سعاد فكرت لعل وعسى تهتدي الى حل سحري، من خلاله تستطيع مداواة هذا الجرح الغائر الذي طالما نزف دماء، حتى أصبح من الصعب مداواته.
بينما كانت سعاد غارقة بالتفكير جاءها اتصال من رفيق وهو أستاذ يدرس في الجامعة موضوع اللغة الإنجليزية. فقد اتفقا على إقامة أمسية تثقيفية تحت عنوان "لغة السلام هي هويتنا".
أجابته وصوتها يحمل بقايا شرود: أهلاً يا رفيق، كنتُ أنظر إلى السماء.. والتي تبدو اليوم مختلفة، وكأنها تتنفس الصعداء بعد طول عناء.
رد رفيق بحماس: هذا هو الوقت المثالي يا سعاد. القاعة محجوزة، والدعوات وُزعت، والناس متعطشون لسماع كلمة تعيد إليهم التوازن. فهل أنتِ مستعدة؟
أغلقت سعاد الهاتف، ونظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط. شعرت وكأن عينيه تبتسمان لها، وتشدان على يدها لتكمل المسير.
لم تكن الحقيبة التي تنوي حزمها هي حقيبة السفر والرحيل، بل كانت حقيبة الأفكار والمبادرات التي ستنثرها في تلك الأمسية.
كان الحضور مزيجاً من جيل الشباب المتطلع للتغيير، وكبار السن الذين شهدوا ويلات الحروب. اعتلت سعاد المنصة، وبدأت حديثها بنبرة واثقة:
السلام ليس مجرد صمت المدافع، بل هو تلك الطمأنينة التي نزرعها في شوارعنا بيدينا. ها نحن اليوم نتمسك بالوصية؛ لا نهجر الأرض حين تمرض، بل نداويها.
شاركها رفيق بتقديم نماذج من الأدب العالمي تتحدث عن صمود الشعوب، وكيف أن اللغة يمكن أن تكون جسراً للمحبة لا جداراً للعزلة. وخلال النقاش، قامت شابة صغيرة وسألت بمرارة: ولكن كيف نواجه العنف الذي يتفشى بيننا كالنار في الهشيم؟
صمتت القاعة، ونظرت سعاد نحو النافذة حيث بدأت خيوط الشمس الذهبية تداعب الأوراق الخضراء، ثم قالت: سنواجهه بالبناء لا بالرحيل. الحل ليس في حقيبة سفر نضع فيها خيباتنا ونغادر، بل في حقيبة انتماء نفتحها هنا.
تابعت سعاد وهي تتقدم نحو وسط المنصة:
اقتراحي العملي الذي سنبدأ بتنفيذه من الغد هو تأسيس ميثاق جسور المحبة. هو ليس مجرد شعار، بل مبادرة ميدانية تعتمد على ثلاثة محاور:
أولاً: مدرسة التسامح: دعوة لكل معلم وأستاذ جامعي، مثل الزميل رفيق، لتخصيص حصة أسبوعية خارج المنهج، نعلّم فيها الأطفال كيف يحلون خلافاتهم بالحوار بدلاً من القسوة، لنمحو بذور العنف قبل أن تكبر.
ثانياً: لجان الأحياء الخضراء: عليها أن نخرج شباباً وشيباً، لترميم ما تهدم، ليس فقط الحجر، بل زراعة الأشجار وتنظيف الشوارع. حين يشعر الشاب أنه غرس شجرة بيده وحماها، لن يسهل عليه تدمير بيئته أو إيذاء جاره.
ثالثاً: صندوق باقون وهو صندوق تعاوني لدعم المشاريع الصغيرة للشباب الذين يفكرون في الهجرة، لنثبت لهم أن أرضنا تعطي من يعطيها.
همس رفيق لسعاد وهو يسجل النقاط بحماس: هذا هو الجرح ومداواته يا سعاد، لقد حولتِ وصية والدكِ من كلمات مكتوبة إلى حياة تُعاش.
تفاعل الجمهور بشكل غير مسبوق، وبدأ الحاضرون بتدوين أسمائهم للانضمام للمبادرة. في تلك اللحظة، شعرت سعاد أن "الجرح الغائر" الذي كان ينزف، بدأ يتلقى أولى ضمادات الشفاء. لم تعد فكرة الطائرة والتذاكر سوى طيف عابر، ومزقت في خيالها تلك التذكرة الوهمية، لتستبدلها بعهد جديد مع تراب الوطن.
بينما كان الحضور يتدافعون لتسجيل أسمائهم، اقترب من سعاد رجلٌ مسن، بدا على وجهه وقار السنين وتجاعيد الصبر، أمسك يدها وقال بصوتٍ متهدج: يا ابنتي، لقد أحييتِ فينا روحاً كدنا نفقدها. والدكِ لم يترك لكم تراباً فحسب، بل ترك فيكم أمانةً عرفتِ كيف تؤدينها.
ابتسمت سعاد والدموع تلمع في عينيها كحبات اللؤلؤ. نظرت إلى رفيق الذي كان يوزع المهام على الشباب بحماس لم يعهده من قبل، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن ثقل حقيبة السفر قد انزاح عن كاهلها تماماً.
عادت إلى منزلها في تلك الليلة، والسكينة تملأ قلبها. توجهت نحو حقيبتها القديمة التي كانت قد بدأت بجمع بعض أغراضها فيها، لكنها هذه المرة لم تضع فيها ملابس للرحيل، بل وضعت فيها أوراق المبادرة، ونسخة من وصية والدها، وشتلة صغيرة من الياسمين لزراعتها في حديقة الحي صباحاً.
وقفت مرة أخرى عند النافذة، لكنها لم تعد تتكئ بمرفقيها كمن ينتظر الفرج من الخارج، بل كانت تقف بصلابة من قرر أن يصنع الفرج بيده. نظرت إلى السماء التي خلت من صوت المحركات الحربية، وهمست لنفسها ولروح والدها:
الوطن ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو الروح التي تسكننا. والآن يا أبي، بدأ الحصاد الحقيقي، حصاد المحبة في أرض الانتماء.
ومع بزوغ أول خيط من خيوط الفجر، نامت سعاد لأول مرة بعمق، وهي تعلم أن غداً ليس يوماً للسفر، بل هو اليوم الأول في عمرٍ جديدٍ لوطنٍ تكاتف أبناؤه ليحموا وجودهم.
من هنا وهناك
-
قصة بعنوان ‘دموع السماء‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
قصيدة ‘ يحقُّ لي أن أتعب ‘ - بقلم : ملكة زاهر لالا من عسفيا
-
حين يرفضُ الوعيُّ الأرشفة - بقلم : خالد عيسى من نحف
-
‘رسالة من الجليل لجبران خليل جبران‘ - بقلم : زهير دعيم
-
أزهار وأشواك - بقلم: كاظم ابراهيم مواسي
-
استعراضٌ لقصة ‘لبلب وعنتر‘ للأطفال للكاتب سليم نفاع - بقلم : الدكتور حاتم جوعية
-
‘ في رثاء الشاعر نايف سليم ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘ولادةُ الفجرِ بعدَ الاحتراق‘ - بقلم الشاعر: خالد عيسى
-
‘أزهار وأشواك ‘ - بقلم : كاظم ابراهيم مواسي
-
‘ الحَرْبُ مَعَ إيرَان ‘ - بقلم : كمال إبراهيم





أرسل خبرا