قصة بعنوان ‘دموع السماء‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
توقفت عن الكتابة لحظة. حولت نظري نحو النافذة. السماء مكفهرة بالغيوم، والجو ماطر وبارد، يجعلك تشعر بالانكماش داخل روحك.

خطر ببالي خاطر. كيف حال من خسر بيته ودفء عائلته؟
وكيف حال من يعانون تحت وطأة قسوة الطبيعة وليس لديهم بيت يأويهم؟
في تلك اللحظة أصابتني قشعريرة لم أعرف كيف أداريها، وأنا المعروف عني بقوة شخصيتي وأمتلك ارادة صلبة لا يمكن لأحد ثنيها.
وبين الشك واليقين، كسر خلوتي بوصول حبيبي "ماهر"، الذي قطع بعثته التعليمية في الخارج وعاد فور سماعه بمآسي الحرب المجنونة التي قلبت الربيع شتاءً وزمهريرًا.
جاء حبيبي ماهر وكله إصرار على أن يأخذني معه:
كأنه كان على علم بما يدور بخلدي من أفكار وأمنيات تمنيتها ونحن نعيش تلك الظروف القاسية.
قال لي:
لا ضير، فقليل من السياحة وتغيير الشكل. على حد قوله. وأكمل. هل تصدقين بأن عقلي في هذه الفترة وبحدود الشهرين كان مشغولًا عليك، لدرجة لم أستطع التركيز بامتحاناتي ودراستي.
وعندما طلبت من إدارة الجامعة إجازة من خلالها أردت الاطمئنان عليك وعلى العائلة من الأحداث المتلاحقة، حتى أني خفت بأن يحدث لكم أي مكروه لا سمح الله.
وعندما سمحوا لي بتلك الاجازة حجزت تذكرة وجئت في أول طائرة قبل أن يغلقوا المجال الجوي. وها انا قد جئت حتى أطلب يدك فنتزوج على السريع وآخذك معي حيث الأمان.
نظرتُ إليه، وكان وجهه يحمل تفاصيل البلاد التي اشتاقت للأمان، وفي عينيه لهفة ممزوجة بخوفٍ حقيقي. كلماته عن "الزواج السريع" و"السفر نحو الأمان" كانت تغريني كغريقٍ يرى قشة نجاة، لكن في صدري غصة لا يمحوها بريق الوعود.
قلتُ له بصوتٍ حاولتُ أن يظل ثابتاً:
ماهر، جئتَ كالغيث في وقت الجفاف، لكن هل يمكن للمرء أن يحمل قلبه في حقيبة سفر ويغادر؟ السماء التي تبكي الآن فوق بيوتنا المدمرة، أليست أولى بدموعنا من مدنٍ لا تعرف وجعنا؟
اقترب مني، مسح قطرة مطر تسللت من النافذة إلى كفي، وقال:
الحب هو وطني الأول يا عزيزتي، وضياعكِ يعني ضياعي. الأمان ليس خيانة للوطن، بل هو محاولة لنبقى أحياء من أجل أن نبنيه يوماً ما.
أغمضتُ عينيّ لثانيةٍ واحدة، فمرت أمامي صور الوجوه التي أحب، وشوارع المدينة التي غسلها المطر بدموع السماء. شعرتُ بيد "ماهر" الدافئة تحيط بيدي الباردة، وكأنها سياجٌ من الأمان في وجه تلك الرياح العاتية.
قلتُ في سري: إن كان الوطن قد ضاق بنا حتى صار قبراً، فليكن قلبُ من نحب هو الوطن البديل.
نظرتُ إليه واليقين يغلب الشك هذه المرة، وبصوتٍ خافتٍ يحمل ثقل القرار، قلت.
سأذهب معك يا ماهر. ليس هروباً من قدري، بل لأنني أدركتُ أن قوتي التي يتباهى بها الجميع، لا تكتمل إلا بوجودك بجانبي. سأحزمُ في حقيبتي رائحة الياسمين، وذكريات أبي، وحبراً لا يجف، لنكتب معاً فصلاً جديداً بعيداً عن أزيز الرصاص.
لم تكن الكلمات سهلة، بل كانت كمن يقتلع جذوره من أرضٍ أحبها ليغرسها في أصيصٍ غريب. لكن نظرة الفرح والطمأنينة التي ارتسمت على وجهه، جعلتني أشعر لأول مرة منذ بدء هذه الحرب المجنونة، أن الربيع قد يزهر فعلاً، حتى لو كان في بلادٍ غريبة.
بدأنا نعد العدة للرحيل قبل أن يُغلق المجال الجوي، وكان كل شيء يتحرّك بتسارعٍ غريب، كأن القدر يسابق الزمن ليخرجنا من عنق الزجاجة.
بينما كنتُ أحزمُ ما خفّ حمله وغلا ثمنه من ذكريات، وبينما ماهر يراجع تذاكر السفر بقلق، قطع سكون الغرفة بقرعٍ عنيف على الباب. لم يكن قرعاً عادياً، بل كان نداءً يحمل في طياته رائحة البارود والاضطرار.
كان جارنا العجوز أبو إبراهيم، يلهثُ والدموع تجف على تجاعيد وجهه:
يا ابنتي، أنتِ من يثق الجميع برجاحة عقلها وقوة قلمها. المشفى الميداني في الحي المجاور غصّ بالجرحى، والشباب يحتاجون لمن يوثق الأسماء، لمن يكتب الرسائل الأخيرة للمكلومين، لمن يملك صوتاً يصل للعالم..
الحرب لا ترحم، وأنتِ صوتنا.
تسمرتُ في مكاني. حقيبتي مفتوحة على السرير، وتذاكر السفر في يد ماهر الذي نظر إليّ بعينين تتوسلان ألا أتراجع، وكأنه يقول: لقد حجزنا الأمان، فلا تعودي للخطر.
لكن صوت أبي إبراهيم كان يتردد في أذني ، كأنه صرخة من أعماق الأرض. نظرتُ إلى نافذتي حيث
"دموع السماء" لا تزال تنهمر، وشعرتُ بتلك القشعريرة القديمة تعود.
قال ماهر بحدةٍ يشوبها الخوف:
الساعة تقترب من موعد الإغلاق الجوي يا حبيبتي رشا إن ذهبتِ الآن، سنفقد الرحلة.. وسنفقد بعضنا في هذا الجحيم.
وقفت "رشا" في منتصف الغرفة، كأنها شجرة زيتون ضاربة الجذور، يحاول الريح اقتلاعها وهي تأبى. نظرت إلى حقيبتها، ثم إلى وجه "ماهر" القلق، وأخيراً إلى وجه الجار العجوز الذي يحمل استغاثة وطن.
في تلك اللحظة، شعرت بصلابتها المعهودة تعود لتسيطر على الموقف. اقتربت من ماهر، أمسكت يديه وضغطت عليهما بقوة، والدموع تحفر مجاريها على وجنتيها كأنها "دموع السماء" التي في
قالت بصوت مخنوق باليقين:
سامحني يا ماهر.. القلب يريدك، لكن الروح لا تستطيع الرحيل. كيف لي أن أكتب عن السلام في بلاد الغربة وأنا أهرب من صرخات من يحتاجون لصوتي هنا؟ قلمي ليس مجرد حبر، إنه أمانة، وأنا اليوم أعلن أن استقالتي من هذا الوجع.. مرفوضة.
صُعق ماهر، كاد اليأس يقتله وهو يرى حلم الأمان يتسرب من بين أصابعه:
رشا، ستقتلكِ هذه الحرب! جئتُ لأنقذكِ لا لأودعكِ.
احتضنته للمرة الأخيرة، استنشقت رائحة الأمان في ثيابه، ثم دفعته برفق نحو الباب وهي تهمس:
اذهب أنت يا حبيبي، كن أنت الأمان الذي أنتظره من بعيد. اذهب لتعود إليّ يوماً ما والبلاد بخير. سأبقى هنا لأوثق حكايات من رحلوا، ولأكون صوتاً لمن لا صوت له.
خرج ماهر والدموع تحرق عينيه، يركض نحو قدره والوقت يداهمه، بينما وقفت رشا خلف النافذة، تراقب طيفه يتلاشى تحت المطر. لم تعد تشعر بالقشعريرة الآن، بل شعرت بحرارة الواجب تسري في عروقها. فتحت دفترها، وضعت التاريخ، وكتبت الجملة الأولى: "من قلب الرماد.. تولد الحقيقة.
مرت الشهور ثقيلة، كأن كل يوم فيها دهر من الترقب. غادر "ماهر" حاملاً معه جزءاً من روح رشا، لكنها لم تنكسر. كانت تمشي بين الركام، تجمع قصص المكلومين وتضمد جراحهم بكلماتها قبل ضمادات الشاش.
كانت الحرب كحقل "زيوان" نبت بين القمح ليخنق الحياة، لكن رشا قررت أن يكون حصادها مختلفاً. لم تحصد اليأس، بل حصدت الصمود من عيون الأطفال، والقوة من صبر الأمهات.
ذات مساء، والجو ماطر يذكرها بليلة الوداع، جلست خلف نافذتها ذاتها. فتحت بريدها لتجد رسالة من "ماهر" يقول فيها:
رشا، كلماتك التي تنشرينها تصل إلينا هنا في المنافي. صدى صوتكِ أقوى من دوي المدافع. الآن أدركتُ لماذا رفضتِ الاستقالة من وجعكِ؛ لأنكِ لو رحلتِ، لضاعت نصف الحقيقة.
ابتسمت بمرارة، وضمت معطفها حول كتفيها. لم تعد تخشى قسوة الطبيعة ولا زمهرير الشتاء. أمسكت قلمها وخطت السطر الأخير في روايتها التي بدأت بدموع السماء:
قد تسرق الحرب البيوت، وقد تفرق المحبين، لكنها أبداً لا تستطيع اقتلاع من اختار أن يكون جذراً في أرضه. استقالتي من وطني ومن حرفي كانت وما زالت.. مرفوضة.
وضعت القلم، ونظرت نحو الأفق. فرغم سواد الغيوم، كان هناك خيط رفيع من الضوء يبشر بفجرٍ قريب، فجرٍ ستكتب عنه في كتابها القادم: "عصر السلام"
صورة شخصية
من هنا وهناك
-
‘ الرحمة للشيخ المغدور ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
قصة بعنوان ‘ راكعة ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
موشحات ‘ لَستم بَشَر ‘ بقلم: اسماء طنوس من المكر
-
قصيدة ‘ المصير‘ - بقلم : هادي زاهر
-
‘ القَتلُ والشِّجَارُ مُسْتَمِرّ ‘ - بقلم : كمال إبراهِيم
-
‘التعامُل في رمضان‘ - بقلم: اسماء طنوس من المكر
-
‘ شُباطيُّ الحِسِّ أنا ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
الملكة رانيا العبدالله تتألق بالأحمر في أول إفطار رمضاني
-
‘ عبت النبضات ‘ - بقلم : هادي زاهر
-
‘ للموت شخصية جادة ‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة





أرسل خبرا