‘ للموت شخصية جادة ‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
انطفأت روحه مات في عز شبابه. ترك زوجة وأولادًا يشتاقون إليه. عائلته الكبيرة حزينة. اليوم سوف يشيعونه لمثواه الأخير. جملة من الصعوبة أن تألفها الأذن وتستطيبها. "مثواه الأخير" هناك ستطول اقامته، لن يعود من الأحياء،

لن يشاهد أبناءَه يكبرون ويتخرجون من الجامعة، وبعد ذلك يتزوجون وينجبون، لن يفرح بولادة أول حفيد، ولن يشاركهم أعياد الميلاد.
لأنه ذهب لمكان لا عودة منه.
لقد عرفت قسوة الموت. عندما توفى أخي وكان في عز شبابه . عرفت يومها بأن الموت بشع مخيف لا يستأذن منك. بل يأتي من دون أن تطلب منه المجيء.
يومها عرفت كم الفقدان قاسٍ، عندما عدنا من مراسم الدفن. سألت بمرارة لماذا لم يعد معنا؟ هل سيبقى هناك مدة من الزمن وبعد ذلك سوف يشتاق لنا ويعود؟
لكن يومها لم أجد إجابة. غير الدموع ونظرات أمي التي ضمتني لصدرها. قالت لي الله أخذه عنده ولن يعود.
لماذا أخذه يا والدتي؟ لماذا لم يسألني فنحن كنا توأمين ! لم نكن نفترق ولا يوم، إلا بهذا اليوم الذي لن أنساه ما حييت.
علمت يومها بأن للموت شخصية جادة. "ما عندها مزح"
مرت السنوات ولم يعد مثلما كنت أعتقد. لكني لن أنساه. فهو يعيش بذاكرتي هناك أريده ان يبقى.
فكرت كثيرًا لماذا نولد ونكبر ونتعلم ونعمل ونتزوج وننجب الأبناء نتعب ونحاول أن نكون متفائلين رغم قسوة البشر؟
لماذا يتقاتلون لأتفه الأسباب، أليس من الأفضل أن يتفقوا بالحوار وليس بالسلاح.
حوار دار بيني وبين صديق الطفولة ياسر حامد وهو مدرب تنمية بشرية. وكثيرًا ما كنت أستشيره بعدة أمور تتعلق بحياتنا نحن البشر. وكنت كثيرًا ما أجد لديه الجواب الشافي.
فهو يحمل جينات والديه أباه الذي تخصص بعلوم المسطحات المائية:
"علوم المسطحات المائية، وتحديداً علم الليمونولوجيا (Limnologهو دراسة شاملة للبيئات المائية العذبة والمالحة الداخلية (بحيرات، أنهار، مياه جوفية، أراضي رطبة) من النواحي الفيزيائية، الكيميائية، البيولوجية، والجيولوجية. يهدف هذا المجال إلى فهم النظم البيئية المائية، حمايتها، وإعادة بناء البيئات السابقة باستخدام تقنيات الملاحظة والتجريب، وعلاقتها بالمناخ والكائنات الحية.
أما والدته فقد درست علوم الأرض والبيئة.
"علوم الأرض والبيئة هي دراسة شاملة لأنظمة كوكب الأرض، تربط بين المكونات الجيولوجية (الصخور، المعادن) والعمليات البيئية، بهدف فهم نشأة الأرض، إدارة مواردها الطبيعية (مياه، طاقة، معادن)، وتقليل الآثار البيئية السلبية. يجمع هذا التخصص بين الجيولوجيا، الكيمياء البيئية، نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لتقديم حلول مستدامة.
جلستُ مع ياسر في شرفة منزله المطلة على جدول ماء صغير، كان الصمت يلفنا قبل أن أكسره بسؤالي المعتاد الذي يطاردني منذ رحيل توأمي: يا ياسر، لماذا كل هذا التعب؟ نولد، نكبر، نبني، ثم يختطف الموت كل شيء بجدية غريبة.. لماذا لا نعيش بسلام مادامت النهاية واحدة؟
نظر ياسر إلى الماء الجاري، وكأنه يستحضر جينات والده المتخصص في "الليمونولوجيا"، وقال بهدوء:
تعلمين يا صديقتي، والدي كان يقول دائماً إن النهر لا يتوقف عن الجريان لأنه يعلم أنه سيصب في البحر ويذوب فيه. هو لا يرى في النهاية فناءً، بل يرى فيها عودة للأصل. الموت جادّ فعلاً، لكنه جزء من دورة الحياة التي لا تقبل العبث.
ثم صمت قليلاً، وأكمل متأثراً بعلوم والدته عن الأرض والبيئة:
الأرض التي نمشي عليها، بجبالها وصخورها، تخبرنا أن البقاء ليس للجسد، بل للأثر. المعادن الثمينة لا تتكون إلا تحت ضغط وحرارة هائلين في باطن الأرض. نحن البشر نشبه هذه الأرض؛ أحزاننا، وفقدنا لأحبائنا، هي الضغط الذي يصقل أرواحنا. الموت لا يستأذن، كما قلتِ، لأنه يذكرنا في كل مرة أن الحياة فرصة ضيقة جداً لا تحتمل ضياعها في الحروب والنزاعات التافهة.
سألته بمرارة: ولكن، لماذا السلاح بدل الحوار؟ لماذا القسوة؟
أجابني وهو يضع يده على كتاب التنمية البشرية أمامه:
لأن البشر ينسون حقيقة (المثوى الأخير). لو أدرك كل مقاتل أنه سيقف يوماً ما وحيداً أمام جلال الموت، لرمى سلاحه خجلاً. الحوار هو اعتراف بأننا عابرون، أما السلاح فهو وهم القوة التي يظن صاحبها أنه سيخلد بها.
نظرتُ إلى السماء، وتذكرتُ حضن أمي ودموعها. أدركتُ حينها أن أخي لم يرحل تماماً؛ فهو يسكن في تلك الأسئلة التي تجعلني لا أنساه، وفي تلك الذكرى التي ترفض الاستسلام للنسيان.
لقد كان موته "استقالة مرفوضة" من قلبي؛ فمهما طال الغياب، يبقى هو الحاضر في كل حوار، وفي كل دمعة، وفي كل محاولة مني لأكون شخصاً أفضل.
من هنا وهناك
-
‘ نحن ونابليون والزّمَن ‘ - بقلم: زهير دعيم
-
‘كتاب الدم‘ - بقلم: سليم السعدي
-
‘ في حب الملك ! ‘ - بقلم : عماد داود
-
‘ أنا... أنا ... أنا ‘ - قصّة للأطفال بقلم : زهير دعيم
-
‘ رَبَّنا ارْحَمْ عَبِيدَك ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
زجل الإيمان - بقلم: أسماء طنوس من المكر
-
لوحة أمل ذكريات لا تنام - بقلم: معين ابوعبيد - شفاعمرو
-
‘وسمعت السّماء‘ - قصّة للأطفال بقلم : زهير دعيم
-
‘ حَيَاتُنَا باتًَتْ مُشِينَة ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
قصة بعنوان ‘جسور الحياة‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة





أرسل خبرا