‘ رأيٌ في اللّغة ..قولٌ في النّفْسِ والذّات ‘ - بقلم: أيمن فضل عودة
كنت قد كتبت مرة العبارات التالية: «نفس هذا المعيار»، و«نفس هذه المعاني» و«لها ذات الدلالة»؛ فغيرها– ولا أقول صحّحها- لي أحد الأحبة إلى: «هذا المعيار نفسه»، و«هذه المعاني نفسها»، و«لها الدلالة ذاتها».
د. أيمن فضل عودة - صورة شخصية
ولا أرى هذا النهج من التخطيء المستعجَل، إلا تأثرا بما تناقلته كتب الخطأ والصواب، على ما فيها من لغط وتضارب في الأحكام، فترى المدقق اللّغوي إن كان قرأ لمحمد العدناني قوله في هذه الأمور، اتخذ أقواله قرآنا منزلا يتعبّد فيه بكرة وأصيلا، نظرا لكون العدناني صاحب أحد أشهر هذه الكتب في العصر الحديث. فها هو العدناني يقول في النفس والعين ما يلي:
«ويقولون: جاء نفسُ الرّجلِ. والصواب: جاء الرّجل نفسُه؛ لأن كلمتي (نفس) و(عين) إذا كانتا للتوكيد، وجب أن يسبقهما المؤكَّد، وأن تكونا مثله في الضبط الإعرابي، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور حتما، يطابق هذا المؤكَّد في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع». [معجم الأخطاء الشائعة لمحمد العدناني، ص: 252]
ولم يكن العدناني بدعا في هذا القول، فقد سبقه مَن سبق من المخطّئين منذ بداية القرن الماضي، مثل أسعد داغِر في كتابه تذكرة الكاتب. (انظر: تذكرة الكاتب، ص 53)
وقد نقل العدناني هذا التقييد من النحو الوافي عند حديثه عن النفس والعين في باب التوكيد، وظني به، أنه نقل ما نقل غافلا عن تقييد النحو الوافي هذا الحكم كله بالقول: «إذا كانتا للتوكيد». مما يعني أن النفس والعين كباقي ألفاظ التوكيد المعنوي، قد لا تأتي للتوكيد النحوي الإصطلاحي، مع إفادتها التوكيد معنًى، فقد يُفقَد المؤكَّد قبلها، فتخرج من هذا الباب– التوكيد النحوي الاصطلاحي- لتقع معمولة للعوامل الأخرى- أي أن تكون مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا أو... أو...-، وقد تَخرُج عن معنى التوكيد كلية. وقد نوّه النحو الوافي لهذا في موضع آخر بقوله:
«وأما (نفس) و(عين) فالصحيح عند فقد المؤكَّد وقوعهما معمولين- أحيانًا- لبعض العوامل، وإفادتهما التوكيد المعنوي مع امتناع إعرابهما توكيدًا، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأَنعام 55)، ونحو: جاءني عين الكتاب.... والعرب تقول: نزلت بنفس الجبل، ونفسُ الجبل مقابلي». [النحو الوافي (3/ 515-516)]
وإن غفل العدناني عن هذا التفصيل، فلم يغفل عنه أساتذتنا الفحول في مجمع اللغة العربية المصري، إذ بتّ المجمع في هذه القضية وفصَل فيها بقرار فصْل مفاده:
«يتحرج بعض الأدباء والكتاب من استعمال كلمة (نفس) في غير التوكيد المعنوي، لما وردت به عبارات الأئمة كما في شرح الأشموني: «لا يلي العامل شيء من ألفاظ التوكيد وهو على حاله في التوكيد إلا جميعا وعامة مطلقا، وإلا كُلّا وكِلا وكلتا مع الابتداء بكثرة ومع غيره». وقد علّق الصبان على ذلك بقوله: «(على حاله في التوكيد) واعترض بقولهم: جاءني نفس زيد وعين عمرو. وفي التنزيل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأَنعام 55)».
وعلى هذا ترى اللجنة أن (نفس) و(عين) كلمتان تستعملان في التوكيد المعنوي، وأن كلمة (نفس) تستعمل في العبارة بها عن الذات في غير التوكيد، وشاهد على هذا آيات القرآن الكريم والحديث ولسان العرب، وتستعمل أيضا في العبارة بها عن معنى التوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي، كما جاء في تعبير سيبويه والجاحظ: نفس الكلام، و:نفس الترجمة».[القرارات المجمعية في الألفاظ والأساليب، ص275]
واعتمد المجمع في هذا القرار على بحث للأستاذ عبد السلام هارون، أهم ما جاء فيه ما يلي:
1: أن الصّبّان خالف تقييد الأشموني المذكور، كما فُصّل في قرار المجمع أعلاه.
2: استشهد لهذا بقول سيبويه في «الكتاب»: نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي. وقول الجاحظ في كتابه «الحيوان»: ولا بد للترجمان أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة.
وخلص الباحث إلى النتيجة التالية- منقول بتصرف-: «وعلى ذلك نجد أن النفس تستعمل استعمالين آخرين، غير استعمالها في التعبير عن التوكيد المعنوي الاصطلاحي:
أ: في العبارة بها عن الذات، أي ذات الشيء وروح الكائن، في غير توكيد. وهذا كثير جدا. كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (النساء 2).
ب: في العبارة بها عن معنى التوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي، كما في قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأَنعام 55)، وفي أمثلة سيبويه والجاحظ.
ج: لذا نرى أن قولهم: «نفس الشيء» وأمثاله، استعمال صحيح فصيح لا ترقى إليه الريبة».
[انظر لكل هذا: كتاب الألفاظ والأساليب، الجزء الثالث، ص:92-95]
وأكد كل هذا مما ذهب إليه المجمع ومستندا عليه، الأستاذ أحمد مختار في معجم الصواب اللغوي، حيث قال: «الصواب والرتبة: -جاء في الوقت نفسه [فصيحة]- جاء في نفس الوقت [فصيحة]». [معجم الصواب اللغوي (1/ 764)]
ويؤيد الأستاذ إميل بديع يعقوب صحة التعبير: «جاء نفس الرجل»، في معجمه.[انظر معجم الخطأ والصواب في اللغة، 256-257]
وأما كلمة (ذات)، فبينما ذهب أسعد داغِر إلى تخطيء استعمالها للتوكيد ككلمة (نفس) و(عين) كما في القول: «جاء الرجل ذاته» وعدّها من الأوهام، والصحيح عنده: «جاء الرجل نفسه أو عينه» فقط– فهو يخطّئ ما يذهب إليه بعض المدققين اللغويين كما أشرنا إليه أعلاه- [انظر: تذكرة الكاتب ص:121] نرى أن العدناني يقول بصحتها بهذا التركيب وصحة استعمالها مضافة للاسم، فيقول: « ويخطّئون من يقول: «فعلت ذات الشيء»، ويقولون إن الصواب هو: «فعلت الشيء ذاته»، ظانين أن (ذات) هي من ألفاظ التوكيد المعنوي السبعة. والحقيقة هي أننا يجوز أن نقول: «فعلت الشيء ذاته»؛ لأن (الذات) تحمل معنى النفس والعين، أو: «فعلت ذات الشيء»؛ لأن (ذات) ليست توكيدا معنويا لـ (شيء)، لكي تأتي بعده وجوبا». واستدل لأقواله هذه بتصريح المعاجم المحتلفة أن النفس تعني الذات. [معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، محمد العدناني، ص 241 -242]
والعجيب في كل هذا، أن ترى العدناني يستميت لإثبات أن الذات تعني النفس، ويصوّب القول:«ذات الشيء»، ولا يستشف من هذا إشارة ولو كانت بسيطة إلى جواز القول: «نفس الشيء» فيذهب إلى تخطيئه كما بيّنا.
ويؤكد الأستاذ أحمد مختار صحة استعمال (ذات) مضافة للاسم، فيقول:
«الصواب والرتبة: -أبصرت الصفحة عينها [فصيحة]- أبصرت الصفحة نفسها [فصيحة]-أبصرت ذات الصفحة [فصيحة]
التعليق: إذا أريد التوكيد ينبغي استخدام أحد ألفاظه كالمثالين الأول والثاني، أما المثال المرفوض – أبصرت ذات الصفحة- فهو صواب؛ لأن «ذات» قد تجعل اسمًا مستقلًّا فيعبر بها عن الأجسام كما يقول المصباح (ذوي)، وقد صار استعمالها بمعنى نفس الشيء عرفًا مشهورًا». [معجم الصواب اللغوي (1/ 383)]
وبناء على كل هذا تتأكد صحة وفصاحة التعابير التي يخطّئها البعض في النفس والعين والذات، لنستدرك على المخطّئين ونقول:
استدراك:
قل: «هذا المعيار نفسه»، و«لها الدلالة ذاتها». وقل: «نفس هذا المعيار»، و«لها ذات الدلالة»؛ ولا حرج ولا خطأ، فكله صحيح فصيح!
وليكن شعارنا دائما: يسّروا ولا تعسّروا، وسّعوا ولا تضيّقوا، بشّروا ولا تنفّروا؛ ففوق كل ذي علم عليم!!!
من هنا وهناك
-
‘عندما تتحوّل ‘القوادة‘ إلى أداة تحكم وحكم‘ - مقال بقلم : عماد داود
-
‘ التنظيم المجتمعي للعرب في إسرائيل: حين تصبح الفوضى أغلى من التنظيم‘ - مقال بقلم : د. رفيق حاج
-
هل دور الجيوش قمع الشعوب أو مساعدتها في التحرير؟! بقلم: المحامي زكي كمال
-
مقال: آفاق انتفاضة الشعب الإيراني ضد الديكتاتورية- بقلم: عبدالرحمن کورکي (مهابادي)
-
‘ أولادنا ليسوا أرقاماً – صرخة الأمهات التي مزقت قلب تل أبيب ‘ - بقلم : كفاية مصاروة
-
مقال: مجتمعنا ينزف.. 32 قتيلا منذ مطلع العام حتى كتابة هذه السطور والحبل عالجرار- بقلم : المحامي فراس بدحي رئيس بلدية كفر قرع
-
‘ تأملات في مظاهرة تل أبيب ‘ - بقلم : المحامي علي أحمد حيدر
-
‘ارشادات لمرضى السكري قبيل شهر رمضان‘ - بقلم : د. هيثم حاج يحيى
-
‘معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر‘ - بقلم : إبراهيم أبو عواد
-
مقال: ‘سقوط آخر الأقنعة: حرس النظام من أداة حكم إلى منظمة إرهابية دولية.. قرار مؤجَّل يخرج إلى العلن‘





أرسل خبرا