خطاب ديني إصلاحي ‘العودة إلى المشرّع الواحد… وإحياء الدين من منبعه الأول‘ - بقلم: سليم السعدي
الحمد لله الذي أنزل الكتاب مفصّلًا مبينًا، وجعله نورًا لا يخبو، وحكمًا لا يُبدَّل، وشرعًا لا يشاركه فيه أحد. والصلاة والسلام على النبي الذي بيّن الرسالة وبلّغ الأمانة، ولم يَدَّع يومًا أن له تشريعًا من دون الله.
سليم السعدي - صورة شخصية
أيها الإخوة والأخوات، إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من إسقاط الناس، ولا من مهاجمة العلماء، بل يبدأ من إعادة الأمور إلى نصابها، ومن ردّ الدين إلى أصله الأول: القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي وصف نفسه بصفات لا تقبل الشك: ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ أَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) .
فإذا كان الله قد أكمل دينه، فمن أين جاءت عشرات التشريعات التي لم تُذكر في كتاب الله؟
أولًا: التشريع لله وحده
إن أعظم قاعدة إصلاحية جاء بها القرآن هي:
* “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”
* “وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا”
هذه الآيات تقطع الطريق أمام كل تصور يجعل لأحد — أيًّا كان — سلطة تشريعية موازية لكتاب الله.
ثانيًا: دور النبي… بيان وليس تشريعًا
النبي عليه السلام مأمور باتباع الوحي:
* “إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ”
وقال له ربه: “قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي”
إذن، النبي مبلّغ وشارح، وليس مشرّعًا من ذاته. والبيان النبوي بيانٌ لما في القرآن، لا إضافة فوق القرآن.
ثالثًا: الموروث الديني… اجتهاد لا تشريع
من أخطر ما أصاب الأمة عبر تاريخها هو تحويل الموروث البشري — مهما كان محترمًا — إلى تشريع مُلزِم.
الله تعالى حذّر من هذا بوضوح كامل: “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ” (الشورى 21)
هذه الآية تصف بدقة ما يحدث حين يُنسب التشريع إلى غير الله.
فمن يجعل الموروث تشريعًا مطلقًا، أو يضيف أحكامًا لم ينزل بها الله، فهو يدخل في دائرة ما لم يأذن به الله.
كما قال تعالى: “وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ… لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ”
إن الله لم يطلب منا أن نقدّس الموروث، بل أن نعرضه على الكتاب؛ فما وافق القرآن قُبل، وما خالفه رُدّ، وما سكت عنه القرآن فهو اجتهاد بشري لا يُلزم أحدًا.
رابعًا: إصلاح مفهوم الصلاة والعبادة
الصلاة — عمود الدين — قد فصّل القرآن أركانها:
الوضوء والطهارة
أوقاتها
القبلة
الركوع والسجود
الخشوع
الذكر
القيام والقنوت
وهذه المعالم الكبرى وردت بنصوص قرآنية قاطعة، لا تحتمل اللبس.
وكل ما جاء من تفاصيل تطبيقية واجتهادات فقهية يبقى في نطاق البيان العملي، لا التشريع الإلهي.
والإصلاح هنا لا يعني هدم التراث، بل إعادته لموضعه الطبيعي:
إضاءات بشرية تساعد، لكنها لا تشرّع.
خامسًا: لماذا الإصلاح الآن؟
لأن الأمة دفعت ثمن الخلط بين القرآن وغيره:
اختلافٌ لا ينتهي
وتعدد أحكام
وتضارب فتاوى
وتقديس لما لم يقدّسه الله
والقرآن يقول: “اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ”
ولم يقل: ما روي لكم، ولا ما فُسّر لكم، بل ما أُنزل.
سادسًا: دعوة الإصلاح
إنني أدعو — دعوة إصلاحية مسؤولة — إلى:
1. توحيد التشريع في كتاب الله، لا شريك له.
2. احترام السنة النبوية باعتبارها بيانًا، لا مصدر تشريع مستقل.
3. رفع القداسة عن الموروث البشري وإعادته إلى حجمه الطبيعي: اجتهاد لا وحي.
4. تنقية الدين من التشريعات التي “لم يأذن بها الله”.
5. نبذ التقليد الأعمى، وفتح باب الاجتهاد على أساس القرآن وحده.
ختام الخطاب
ليس الإصلاح خروجًا من الدين… بل عودة إلى جوهر الدين. وليس التمسك بالقرآن إنكارًا للسنة… بل اتباعٌ للنبي الذي لم يقل إلا: “إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ”
اللهم اجعل القرآن العظيم إمامنا ونور صدورنا، وردّنا إلى دينك ردًا جميلًا.
من هنا وهناك
-
‘الامتداد الزمني في سردية النكبة‘ - بقلم: أسامة خليفة
-
‘سعيد نفاع… حين تتحوّل الذاكرة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة‘ - بقلم: د. فاروق غانم خدّاج
-
ماذا يريد الشعب الإيراني؟: بقلم: عبدالرحمن کورکي (مهابادي)
-
د. يوسف جبارين يكتب: الفاشيّة أصبحت واقعًا سياسيًا والقائمة المشتركة بوسعها أن تهزمها
-
درجة ونصف: الدرع الخفي للكرة الأرضية!
-
‘ رأيٌ في اللُّغة‘ - بقلم: أيمن فضل عودة
-
الخيط الواصل بين ‘اتفاق‘ أميركا وإيران وبين انتخابات البرلمان في إسرائيل - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘بحنكة وذكاء الحوراني.. عمان الاهلية مرة أخرى في الصدارة أردنياً وفي المقدمة قارياً‘ - بقلم: حسن سعيد
-
‘درس الكرك اليوم.. فلنرمم السور.. لكن مَن يرمم جدار الثقة بيننا؟‘ - بقلم : عماد داود
-
‘الصحفيون في فلسطين بين محكمة بلا عدالة وحكومة بلا مصداقية‘ - بقلم: أسامة خليفة





أرسل خبرا