قراءة في كتاب ‘ باقة من فلاسفة الشَّرق ‘ لمؤلّفه الدكتور جوزيف الياس كحّالة
02-04-2023 06:20:35
اخر تحديث: 29-04-2023 18:39:00
عرفت حلب الشهباء في العصر العثماني بأنها ثاني أعظم مدينة بعد إسطنبول من حيث العمران والتجارة والتواصل مع العالم، وكذلك في عدد السّكان والأدباء والمؤرخين

عبد الله نعمان وجوزيف إلياس كحَّالة - صور من الكتب
والمدوّنين والفنّانين والمعماريّين. وأحب الحلبيّون السفر للتجارة والسياحة والعمل على مرّ العصور حتّى قيل إنّ "أعرج حلب وصل إلى الصين"!
عرفت بدوري حلبيّين كبارًا، وشرّفتني صداقتهم وقرأت تراثهم وطربت لغنائهم وظرفهم ودماثة معشرهم، أذكر منهم الفقيه الألمعي إدمون ربّاط (1902-1991)، والشاعر الوطني الملهم عبد الله يوركي حلاَّق (1911-1996)، والمترجم المتأنّق رونيه خوّام (1917-2004)، وصنّاجة الطرب صباح فخري (1933-2021)... وكم نهلت من مصنّفات المدوّنين الحلبيين أمثال الشيخ كامل الغزّي (1853-1933)، ومحمّد راغب الطبّاخ (1877-1951) في تدقيق وتوثيق معلوماتي مذ بدأت بالتحضير للكتابة التاريخيّة العلمية.
أمّا جوزيف الياس كحّالة، فقد جمعتني به صداقة أدبيّة وثقى مذ قدم إلى ضفاف السين وأقام في صومعته خادما للكلمة وللمعرفة، ناسكًا مغرمًا بالتعريف بالحلبيين البارزين من أبناء جلدته في مشارق الأرض ومغاربها. عرفته باحثًا مدقّقًا، متعدّد المواهب والمواضيع، كثير الإنتاج، معرّفًا برجالات المدينة ونسائها، المبرزّين منهم والمغمورين، سالكًا مسلك سابقَيه خير الدين الزركلي (1893-1976) وعمر رضا كحّالة (1905-1987).
وليدُه الجديد الصَّادر أخيرًا عن دار نعمان للثَّقافة هو مجموعةٌ من المقالات المنتخبة التي سبق أن نشرها في المجلات العربيّة، وقد عنونَها "باقة من فلاسفة الشرق"، والمقصود فلاسفة توسَّلوا الكتابة بلغة الضاد ولو كان بعضهم فارسيّ الأصل أعجمي الأرومة، ذلك أن العرب قومية متعدّدة الأصول والأديان والمذاهب والمشارب والاتجاهات العلميَّة والعقائديَّة. ولا جدال في أنَّ الفلسفة بدأت يونانيّة ونقلت أولاً مجتزأة أو بتصرّف كبير بجهدٍ جليلٍ للأقليات المسيحيّة واليهوديّة العربيّة.
وكعادته، ينفض جوزيف الياس كحّالة عن كنوز الفلسفة العربيّة المنسيَّة أو المندثرة ويعرّف القارئ الى زبدة ما ينبغي أن يعرفه الجيل الجديد، وله في مسعاه صولات وجولات وساعات من التنقيب والتدوين والتدبيج، وقد أفاد من مراجعة أمّهات المصنّفات والمراجع العلمية القابعة في المكتبات الجامعية والوطنية الغنيّة في سورية ولبنان وفرنسة وايطالية وما وراء البحار.
حبّذا لو شمّر جوزيف الياس كحّالة عن ساعديه، في مجلّد قادم، وأتحفنا بباقة ثانية يعرّف فيها بالفلاسفة العرب المحدثين الذين أثروا البيئة الفكريّة المشرقيّة والمغربيّة بدراسات مميّزة ليس بالعربيّة فحسب، وانّما كذلك باللغات الأجنبية كالفرنسيّة والألمانيّة والإنكليزيّة والإسبانيّة وسواها.
في بلادنا المشرقيّة، كم نحن في حاجة للعودة الى التعمّق بقراءة ينابيع الفكر والمعرفة التي تركها لنا أسلافنا الأقدمون، بعد أن مزّقت أوصالنا المشاريع الاستعماريّة والاستيطانية الجديدة، ودمّرت دول وأزيلت أنظمة واستبدلت "بالفوضى البناءة" كما يقولون، وتشقّقت وتوسّعت الانقسامات بين شعوبنا التعيسة اللاهثة الى الاكتفاء بالتفاهات والتلهي بالقشور بِاسم الدين والسياسة والعقيدة والحدود المصطنعة وفي خدمة الأنانيات والمصالح الضيّقة والعصبيّات والإقطاعيات، وفي ظل الحصارات المطبقة على الناس والأنفاس والمؤدية الى تثبيت الاحتلالات وتسليح الحكومات والجيوش لقتل الشعوب وشرذمة المجتمعات وتأمين استمرار الهيمنة الخارجيّة من خلال استحداث هويّات قاتلة ومشرذمة وفتّاكة.
ونتساءل : "أين ذهبت الأخلاق والقيم والعدالة وإحقاق الحقّ في شعوب وحكومات تدّعي العمل على إرساء السلم والنهوض بالشعوب المستكينة وهي في الواقع تمعن في شرذمتها وتفتيتها وتقسيمها الى مجموعات متناحرة"؟
وبكلمة: ما أحوجنا اليوم الى العودة الى الأصول والينابيع؟ بل ما أحوجنا الى مصنّف جوزيف الياس كحّالة الجديد، يضيء لنا فكر السابقين النيّر ويرسم طريق العودة الى الاصالة؟
سلم القلم الغزير الذي نقّب عن الجواهر وأعاد صياغتها ونشرها بين الناس.

من هنا وهناك
-
أمير مخول يكتب في بانيت: لماذا التلويح بحرب إسرائيلية تركية غير محتملة؟
-
‘دفاعاً عن الوجود: التصدي للفاشية واجب الجميع لحماية هويتنا وبقائنا على أرضنا‘ - بقلم: إياد إغبارية
-
مقال: حين تتحول الذكرى إلى مسؤولية وطنية‘ - بقلم: دلير إبراهيم من اربيل
-
مقال: ‘قبل أن تحاربوا العنف... حاربوا الفساد‘ - بقلم: د. عطوة ابو فريح
-
حين تتمرد الحكومة على القضاء - مقال بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
-
‘حرب الفضاء الرقمي في إيران: دلالات اختراق الجامعات وتآكل الهيمنة الأمنية‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
‘خطوط الليل ليست مجرد خدمة مواصلات – بل هي مهمة وطنية‘ - بقلم: يسرائيل غانون
-
‘الكشف عن سر نجاح المنتخبات الأفريقية في بطولة كأس العالم‘ - بقلم: د. عوفر موختار
-
‘شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من الحساب المحتوم‘ - بقلم : اسعد عبدالله عبدعلي
-
‘ إيران..نهاية نموذج للحكم ‘ - بقلم: عبدالرحمن کورکی (مهابادي)





أرسل خبرا