المحامي زكي كمال يكتب: دولة إسرائيل على مفترق طرق فإمّا ديمقراطيّة كاملة أو عنصريّة محضة
بينما تتّجه الحلبة السياسيّة الإسرائيليّة ومعها، دون شكّ، أنظار جهات إقليميّة ودوليّة، نحو الجلسة الأولى للكنيست السادسة والعشرين الافتتاحيّة المقرّر عقدها في 10 نوفمبر 2026 لأداء يمين الولاء،
المحامي زكي كمال - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا
والتي تنعقد بعد انتخابات غاب عنها الحسم وفق مصطلحات الأغلبيّة اليهوديّة، أو الحكومة الصهيونيّة لأيّ من المعسكرين المتنافسين، وسنناقشها لاحقًا، لا بدّ من النظر بتمعّن إلى الحالة السياسيّة الحاليّة في إسرائيل، فهي تعكس ليس فقط أزمتها السياسيّة الحزبيّة والائتلافيّة، بل إنها حالة تستوجب نظرة فاحصة حول معانيها ومغازيها الواسعة والتي تمسّ كافّة مناحي الحياة في إسرائيل، وخاصّة تفاقم الانقسام الداخليّ الإسرائيليّ، والتوجّه دون فهم أو ادراك للحقيقة إلى مبدأ يقول إن ما لا يتمّ تحقيقه بالعنف والعسكر وقوة السلاح يجب تحقيقه بمزيد من العنف والقوة العسكريّة، خلافًا لما يؤكّده التاريخ من أن كافّة الحروب التي خاضتها الدول العربيّة والفصائل الفلسطينيّة على مدار المئة سنة الأخيرة، مثلها مثل الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ قيامها عام 1948، بما فيها الحروب عام 1956 وكذلك 1967 واحتلال الأراضي المصريّة والسوريّة والضفة الغربيّة، وحرب أكتوبر 1973 وحربي لبنان الأولى والثانية، وكافّة الجولات والصدامات العسكريّة مع غزة وإيران، تؤكّد أن الإسرائيليّين والعرب يهربون من الحقيقة، وأن الاعتماد على السياسات الغوغائيّة والشعارات الرنّانة التي يتداولها السياسيون والقيادات المتزمّتة من كل الأطراف بواسطة وسائل إعلامهم ووسائل التواصل الاجتماعيّ، تحول دون وصولهم إلى الحقيقة، ومفادها واحد ووحيد، وهو أن كل هذه الحروب وتكرار استخدام القوة العسكريّة، لم تؤدّ إلى أيّ استقرار أو سلام أو هدوء، أو بكلمات أخرى، إن استخدام القوة العسكريّة أو التفكير باستخدامها لم يوفِّر لهذه الشعوب الأمن أو السلام. وعليه أصبح هذا الوضع القائم موضوع نقاش دائم بين المؤرّخين والمحلّلين السياسيّين؛ إذ يرى البعض أن القوة العسكريّة ضروريّة للردع والبقاء، بينما يرى آخرون أن السلام الدائم لا يتحقّق إلا من خلال الحلول السياسيّة، والاعتراف المتبادل بالحقوق للشعوب المتنازعة، والعيش باحترام وعلم وأمن وأمان واقتصاد مزدهر عبر الدبلوماسيّة والتعقّل وحلّ الخلافات وبناء رفاهية الشعوب. ومن هذا المنطلق لو كانت حكومة برئاسة بنيامين نتنياهو ستتولى سدّة الحكم، خاصّة في ظلّ ما أعلنه نتنياهو نفسه من ضرورة التهيؤ لعقوبات اقتصاديّة دوليّة خانقة، ما يعني الاقتراب من مرحلة المقاطعة الدوليّة أو الحرمان والعقوبات الدوليّة، وهذه ستستمر أو تتفاقم اذا استمرت سياسات الحرب التي تستند إلى فتاوى دينيّة من الحاخامات، ما يثير المقارنة مع فتاوى الجهاد العسكريّ الذي لم يرد في القرآن، لكنّه نتيجة اجتهادات وفتاوى سياسيّة تخدم أجندات وسلطات تؤمن بالغيبيّات دوت استعمال العقل، ولذا بمواصلة ما يحدث في الضفة الغربيّة وقطاع غزة، وخاصّة الضمّ التدريجيّ للضفة الغربيّة وإرهاب المستوطنين ورفض أيّ مسار سياسيّ، بل الإصرار على هدم وتحطيم السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، زد على ذلك سياسة حكومة اليمين يمين، مواصلة ما تسميه "ثورة الاستيطان" وهو في حقيقته مشروع خطير يخدم حزبًا واحدًا أو جماعة واحدة يمينيّة متطرّفة، تؤيّد إرهاب شبيبة التلال رغم تصريحاتها الخجولة أنهم يمسّون المشروع الاستيطانيّ، وهناك احتمال كبير أن تندلع انتفاضة وفق العبارة التي يستخدمها اليمين اليوم، وهي توجيه فوَّهات البنادق التي تملكها السلطة الفلسطينيّة وأفراد الشرطة والأجهزة الأمنيّة، نحو المستوطنات الإسرائيليّة وحتى داخل إسرائيل، وهذا ما تعد به حكومة قادمة إذا ما تولى بنيامين نتنياهو رئاستها بمشاركة كافّة أو معظم شركائه الائتلافيين الحاليين، وخاصّة سموتريتش وبن غفير.
نقاش يجب أن يجري لفحص الحالة الراهنة
أجل، الحديث عن الحكومة المرتقبة أو الائتلاف المزمع تشكيله وكيف سيكون، هو ليس مراجعة لما كان، بل إنه نقاش يجب أن يجري لفحص الحالة الراهنة وفق نتائج الانتخابات التي أشارت إلى حقيقتين أولهما تراجع معسكر نتنياهو من 68 نائبًا إلى 53 حاليًا، ولكن مع بقاء الليكود الحزب الأكبر في البرلمان الإسرائيليّ، وهي نتيجة لا تلغي حظوظ نتنياهو في تشكيل حكومة تعتمد على الائتلاف الحاليّ إذا رضخت كتلة أو معسكر التغيير لمحاولات الترهيب التي يمارسها اليمين ضد إشراك العرب في الائتلاف القادم، أو حتى الاعتماد عليهم بصفتهم شبكة أمان خارجيّة، مع الإشارة هنا إلى أن نتنياهو يعتمد على حقيقة واقعة كون كتلة المعارضة غير متجانسة، وأنه رغم تفوق معسكر التغيير عدديًّا، إذا احتسبنا عدد 67 النواب العرب، ليمتلك 67 عضوًا من أصل 120 يشمل الأحزاب العربيّة، (48 بدونها) إلا أنه يفتقر إلى برنامج سياسيّ، بل يضمّ أحزابًا لها مواقف متباينة تمتدّ من أقصى اليمين، مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، وحتى الوسط وربما يائير لبيد وغادي آيزنكوت واليسار الصهيونيّ أو المعتدل برئاسة يائير غولان. وما يجمعهم هو فقط الرغبة في الإطاحة بنتنياهو من رئاسة الحكومة، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلّة في إخفاقات السابع من أكتوبر، وهي تباينات يحاول الليكود استغلالها عبر محاولات حثيثة لاستقطاب منشقّين من حزب "يشار" برئاسة غادي آيزنكوت تحديدًا، أو عبر محاولات يقودها رئيس الدولة لتشكيل حكومة وحدة لا تضمّ النواب العرب، بل فقط الأحزاب اليهوديّة، رغم أن قسمًا منها وهي أحزاب الحريديم لا تعترف بالصهيونيّة وبأنها حرّرتهم وبنت لهم دولة، بل يؤمنون بقوة عليا اوصلتهم الى الدولة ومن هذا المنطلق يرفضون التجنيد الإجباري، وحتى تصريح رئيس الدولة إنه على كافّة الأحزاب الكفّ عن وضع الشروط التعجيزيّة أمام حكومة الوحدة التي لا تشمل النواب العرب، ولكن مع احتمال حكومة وحدة دون حرب تهدّد أمن دولة اسرائيل، ولن تكون المرّة الأولى، خاصّة وأنه كانت هناك حكومة وحدة مع اتّفاق تناوب نتنياهو وبيني غانتس.
في هذا السياق تطرح أسئلة كثيرة بعضها متناقض، ومنها هل ستنجح المعارضة في استغلال حالة السخط داخل الأحزاب المتديّنة (الحريديم) بسبب ملفات التجنيد والميزانيات للضغط عليها، وتفكيك تحالفها مع الليكود، وسط حديث عن تخوف الليكود من دعم غير مباشر لأحد أحزاب الحريديم، لحكومة برئاسة آيزنكوت، أم سيكرّر نتنياهو نجاحه في استقطاب نواب من أحزاب الوسط أو اليمين المعارض، كما فعل في فترة حكومة التغيير برئاسة نفتالي بينيت وبعده يائير لبيد، حيث انضمّ النائبان عيديت سيلمان وعميحاي شيكلي بحقائب وزاريّة، وبالتالي إسقاط تلك الحكومة التي سمّيت في حينه حكومة التغيير. وفي حالتنا اليوم منع تشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب العربيّة التي التقى قادتها يوم الإثنين من هذا الأسبوع لتنسيق المواقف، والحقيقة اليوم أن الأحزاب العربيّة تشكّل اليوم ووفق كلّ المعادلات، بيضة القبان على ضوء المشاركة التاريخيّة وغير المسبوقة في الانتخابات، وإيصال 19 نائبًا إلى البرلمان، ما يربك حسابات معسكر اليمين خاصّة وأحزاب أخرى عامّة، ويطرح سيناريوهات حول إمكانيّة تقديم الأحزاب العربيّة شبكة أمان برلمانيّة من الخارج لدعم حكومة آيزنكوت دون المشاركة فيها رسميًّا، مع استمرار الحديث عن شبهات تدخّل خارجيّ وتشكيك ليكوديّ في شرعيّة النتائج رغم إعلان رئيس لجنة الانتخابات المركزيّة، القاضي نوعم سولبرغ، بحضور رئيس الشاباك دافيد زيني الموالي لنتنياهو فهو من عيّنه والمستشارة القضائيّة للحكومة غالي بهراف ميارا، أن التحقيق لن يغير المعطيات النهائيّة المعتمدة، وباختصار أسئلة كثيرة حول شكل الحكومة القادمة، فضلًا عن أنه سُدّت كافّة طرق تشكيل حكومة يمين خالص أو مركز- يسار، وبالتالي يبرز احتمالان، فإما الذهاب نحو حكومة وحدة وطنيّة قسريّة تجمع الليكود وأطرافًا من المعارضة، وهو خيار معقّد بسبب الفيتو، على شخص نتنياهو، أو حكومة مركز ويسار بدعم عربيّ من خارج البرلمان، يؤكّد ضرورتها غالبيّة المواطنين العرب على اختلاف انتماءاتهم الحزبيّة، وفي حال فشلهما بقاء الحكومة الحاليّة كحكومة انتقاليّة والتوجّه إلى انتخابات جديدة وهذا خيار يريده نتنياهو واليمين الإسرائيليّ للاستمرار في سياسة الحرب واستعمال القوة العسكرية، رغم الأضرار العالميّة والمحليّة التي تلحق بالشعب الإسرائيليّ.
السبيل الوحيد لتنفيذ نتائج الانتخابات وتحقيق رغبة الناخبين
الأسئلة لا تنتهي هنا، بل تمتدّ لتصل الجلسة الأولى للبرلمان في العاشر من الشهر الحالي، وتحديدًا الخطوات التي سيتمّ اتّخاذها خلالها، وهل ستشمل تغيير أو استبدال رئيس الكنيست الحالي عضو الكنيست من الليكود أمير أوحانا، الموالي لبنيامين نتنياهو حتى النخاع وأكثر. وهي أكثر خطوة تخيف الليكود، وهذا ما يكشفه تهديد الفارغ من المضمون بأن استبدال رئيس البرلمان، سيبعد أي احتمال لتشكيل حكومة وحدة، وهو احتمال لم يكن واردًا أصلًا في عرف آيزنكوت، تتلو ذلك خطوات إضافيّة منها تشكيل اللجنة المنظِّمة لعمل البرلمان حتى تشكيل الحكومة والائتلاف وإقرار مشروع قانون لتشكيل لجنة تحقيق رسميّة، وكل ذلك وسط تهديدات أمنيّة وترقّب ربما لضربة عسكريّة لإيران، ما يثير السؤال مرة أخرى ما إذا كنا سنشهد مرة أخرى تصعيدًا أمنيًّا لخدمة أهداف سياسيّة أو لعرقلة خطوات سياسيّة كانت متوقّعة، دون أن يوقف ذلك قطار تشكيل الحكومة القادمة، وهو أمر سيقرّره غادي آيزنكوت وتحكمه مدى شجاعته على اتّخاذ خطوات شجاعة بتشكيل حكومة بدعم أو اشتراك حكومي للقائمة العربيّة الموحدة، وتعيين الدكتور منصور عباس ويوآف سيغالوفيتش، وزراء في الحكومة مع الحفاظ على أمل انضمام القائمة المشتركة، لتكون المرة الأولى التي تتشكل حكومة في إسرائيل بمشاركة حزب يؤمن بالشيوعيّة وآخر يؤمن بالقوميّة العربيّة، وهو السبيل الوحيد لتنفيذ نتائج الانتخابات وتحقيق رغبة الناخبين، أو احترام قرار الناخب والأغلبيّة التي أفرزتها صناديق الاقتراع دون إقصاء 20% من المواطنين. أما الليكود الذي تغنّى منذ الانتخابات الماضية عام 2022 بأن حكومة بينيت – لبيد - عباس، كانت مبررًا لخطواته المتعلّقة بالانقلاب القضائيّ وغيرها من الخطوات والتشريعات والسياسات، مع الإشارة إلى أن أهميّة استبدال رئيس الكنيست تكمن في أنها خطوة تعني السيطرة على إدارة الجلسات في الكنيست، وتعيين رئيس للجنة التنظيميّة، وتحديد جدول الأعمال لمنع نتنياهو من تعطيل المسارات التشريعيّة، وسنّ وتعديل قوانين تهدف إلى إضعاف ائتلاف نتنياهو وخاصّة تشكيل لجنة تحقيق رسميّة في أحداث 7 أكتوبر، وإلغاء قوانين التعديلات القضائيّة التي أقرّتها الحكومة السابقة، وإقرار قانون التجنيد الإلزاميّ ليشمل المتدينين (الحريديم)، وكلّ هذا قد يساهم في تعميق الخلافات داخل معسكر نتنياهو، وبالتالي سيواجه آيزنكوت ضغوطًا وهجمات إعلاميّة وسياسيّة مكثّفة، وتصعيد حملة التهديد والوعيد من حزب الليكود، والذي يسعى مع العناصر اليمينيّة المتطرّفة من حزبي سموتريتش وبن غفير، للتشكيك في شرعيّة أيّ تحرك يعتمد على الصوت العربيّ، بجانب محاولات نتنياهو لإحداث اختراقات وانشقاقات داخل صفوف معسكر التغيير لإفشال مساعيه، وربما جاءت بوادر ذلك الأولى مساء الأحد من هذا الأسبوع بتظاهر نحو عشرين من أنصار الليكود وحزب إيتمار بن غفير أمام منزل آيزنكوت واتهامه بالخيانة، وأنه يريد تسليم مفاتيح دولة إسرائيل للإخوان المسلمين، وأنه السبب في مقتل ابنه الذي قتل خلال الحرب في غزة وغير ذلك من اقذع التهم الخطيرة والشتائم التي يندى لها الجبان. ومن هنا تنبع أهميّة قرار رئيس الدولة والذي سيصدره في ختام التوصيات من قبل رؤساء الأحزاب لتشكيل الحكومة القادمة، ويظهر أن النواب العرب الـ 19 هم الذين سيفرضون على رئيس الدولة انتداب النائب غادي آيزنكوت، لأن الرئيس هرتسوغ لا يستطيع دستوريًّا أن يتجاهل سبعة وستين نائبًا يرشّحون آيزنكوت لتشكيل الحكومة.
ما سبق وخاصّة الحديث عن حكومة دون العرب وائتلاف صهيونيّ خالص، ودون مشاركة الأحزاب العربيّة، يستوجب القول وبصراحة ودون تردّد أو وجل، أن ليس في إسرائيل ديمقراطيّة برلمانيّة، ولا حتى ديمقراطيّة رئاسيّة أو ليبراليّة، بل "ديمقراطية عنصريّة" تضمن المساواة والحقّ والمشاركة في صنع القرار لمجموعة عرقيّة واحدة، يجمعها العرق حتى لو اختلفت في المواقف والطروحات، وحتى لو كان بعضها أقل انتماء لدولة إسرائيل من المواطنين العرب، وأقلّ مساهمة في مؤسّساتها ومرافقها المختلفة وأيضًا لها دورها في اقتصادها ومسيرتها الأكاديميّة والتربويّة والتعليميّة والتكنولوجيّة وغيرها من المجالات، فنشاهد ديمقراطيّة خاصّة واستثنائيّة يتمّ تفصيلها على مقياس الأغلبيّة مع إبقاء أكثر من 20 بالمئة من مواطني الدولة، خارج إطار القرارات والتأثير، بل خارج إطار الشرعيّة المدنيّة والمساواة المجتمعيّة، يحقّ لهم حاليًّا الترشّح والانتخاب، لكن عليهم البقاء خارج دائرة التأثير والقرار حين تشكيل الحكومة، ويحظر عليهم حتى دعمها من الخارج كشبكة أمان، بادّعاء واهٍ وشعبويّ أنهم ليسوا صهيونيّين، وتناسي 7 مقاعد لحزب يهدوت هتوراة المتزمّت وكذلك 6 مقاعد لحركة شاس، وكلاهما غير صهيونيّين، ولذلك لا بدّ من القول أن تكرار أحزاب كتلة التغيير عبارات تتحدّث عن أغلبيّة صهيونيّة أو حكومة صهيونيّة، يعني أنها تقدّم على طبق من فضة، لبنيامين نتنياهو المهزوم انتخابيًّا وجماهيريًّا، حبل النجاة وربما وبكلمات أقسى، يقدّمون المواطنين العرب قرابين على مذبحه، أي مذبح نتنياهو الذي يميّزه تقديس شخصيّته من قبل مؤيّديه وتأليهها أحيانًا. ويجب القول بصورة واضحة بأن موقفًا شجاعًا يقبل العرب في الحكومة والائتلاف، ويؤكّد للمجتمع العربيّ الذي خرج بأعداد غير مسبوقة إلى صناديق الاقتراع، مؤكّدين رغبتهم التامّة وقرارهم الحاسم أنهم جزء لا يتجزّأ من الدولة بكافّة مناحي حياتها، وجزء هامّ في المشهد البرلمانيّ والسياسيّ والانتخابيّ، ومن حقّهم أن يكون لهم قسط في اتّخاذ القرارات والتأثير على مستوى الدولة، من منطلق كونهم جزءًا لا يتجزّأ من أمنها، وأن أصواتهم لها قيمة وأنها مساوية لأصوات المواطنين اليهود، وأنها تؤخذ بالحسبان عند تشكيل الحكومة أو الائتلافات الحكوميّة.
دولة غير سويّةٍ وغير عاديّة
تجدر الإشارة إلى أنه لو وجدت قيادة يهوديّة حقيقيّة، لرحّبت بالتحوّل والتوجّه العربيّ على جميع أطيافه، لأن الائتلاف الحكومي الذي يضمّ العرب واليهود سوف ينعش اقتصاد الدولة وأمنها، ويحسّن مكانتها الدوليّة ويخرجها من العزلة التي ازدادت في السنوات الأخيرة، وأكثر من ذلك فإن محاولة اعتبار أصوات المواطنين العرب غير شرعيّة، وأنها قرار يقف عند حدّ صندوق الاقتراع، يؤكّد لمن ما زال الشكّ يساوره، أن إسرائيل خرجت أو ربما أخرجت نفسها طوعًا ومن منطلقات حزبيّة وسياسيّة، من خانة الدول السليمة عقليًّا أو تلك الدول الطبيعيّة، ففي تلك الدول كان من المفروغ منه أن 67 نائبًا في البرلمان من أصل 120هم أغلبيّة واضحة وحسم واضح للانتخابات، وهذا أبسط قواعد وأسس الرياضيّات والسياسة الحكيمة. وبالتالي كان على الكتلة الليبراليّة أن تفرح وأن تغتبط، وأن تؤكّد كونها صاحبة الحقّ الديمقراطيّ والانتخابيّ لتشكيل ائتلاف وحكومة، وممارسة التأثير السياسيّ والبرلمانيّ والحكوميّ، وأن تعلن رسميًّا أن الكتلة المنافسة التي حصلت فقط على 53 مقعدًا يجب أن تخلي الساحة السياسيّة احترامًا لقرار الناخب ونزولًا عند رغبة المواطنين، وأن تسارع إلى تشكيل حكومة جديدة متجاهلة كافّة محاولات التضليل والترهيب والتخويف، بل التخوين، لكننا نعيش في دولة غير سويّةٍ وغير عاديّة، يمنح رجل واحد هو بنيامين نتنياهو نفسه، حقّ وصلاحيّة اتّخاذ القرارات للمعارضة والائتلاف على حدّ سواء، يجيز الأمور لمن يريد ومنها السماح لكبار مستشاريه والعاملين في ديوانه بتقديم خدمات سياسيّة وإعلاميّة وإعلانيّة لدولة قطر التي تعتبر دولة معادية لإسرائيل من حيث الرسميّات، والحصول منها على مئات آلاف أو ملايين الدولارات، ويُحَرِّمها على من يريد وفق أهوائه ومصالحه بل يطالب بالويل والثبور وعظائم الأمور للمواطنين العرب عامّة بسبب شبهات غيبيّة وواهية أكّد الشاباك أنها غير ذات قيمة، واعتبرتها لجنة الانتخابات المركزيّة برئيسها القاضي المحافظ واليمينيّ والمتديّن نوعم سولبرغ مبالغ فيها تم تضخيمها، دون أن نأخذ بعين الاعتبار التدخّل السافر في شؤون إسرائيل من الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، وإعلان تأييده لنتنياهو وإصدار أوامر لرئيس الدولة من على منصّة الكنيست لإصدار العفو عن نتنياهو وإلغاء لائحة الاتهام، وبالتالي يمكن الجزم هنا أنه حان الوقت كي يستفيق قادة كتلة التغيير، وأن يتصرّفوا كما هم فعلًا، أغلبيّة انتخابيّة وبرلمانيّة، إضافة إلى القول إنه من الواضح أن نسبة التصويت في المجتمع العربيّ وعدد النواب العرب خاصّة ونتائج الانتخابات عامّة، ومنها ازدياد كبير في أعداد الفلسطينيّين من شرقي القدس الذين أدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات، والذين زاد عددهم عن عشرة آلاف في رسالة تحمل معاني كثيرة، منها ربما كسر حاجز المقاطعة والخوف من المشاركة في انتخابات البرلمان، وهو أمر يخشاه اليمين في إسرائيل، ما زالت تلقي بظلالها على المعسكرين، وأن الصدمة التي تمخّضت عنها هذه الانتخابات ما زالت واضحة المعالم عليهم.
على إسرائيل أن تستعدّ لحرب متواصلة ودائمة مع جاراتها العربيّات
قلت في البداية إن الأنظار تتّجه نحو الجلسة الاولى للكنيست، البرلمان، السادس والعشرين، والحقيقة أن ذلك يشمل أنظار المنطقة برمّتها، بما فيها كافّة الدول العربيّة وحتى تلك التي لا تربطها بإسرائيل علاقات سلام أو صلح أو اعتراف. وهي كلّها دون استثناء تنتظر النتيجة النهائيّة لهذه الانتخابات، وهي تركيبة الحكومة القادمة والائتلاف القادم، وما إذا كانت مختلفة عمّا سبقها أم نسخة طبق الأصل عنها، بما في ذلك وزراء يعلنون على رؤوس الأشهاد صباح مساء أن عيونهم ترنو إلى دولة شريعة يهوديّة تمتدّ إلى لبنان وسوريا ومصر والسعوديّة والمملكة الأردنيّة الهاشميّة والعراق وغيرها، وأن الضفة الغربيّة جزء من وعد ربانيّ وأن الاستيطان في غزة وجنوب لبنان وسوريا، فريضة ما بعدها فريضة، وأن السلام وكما كشفت وثائق رسميّة لمعهد كوهيليت المتديّن اليمينيّ الذي وضع أسس سياسات حكومة اليمين يمين، في كافّة القضايا القضائيّة والدستوريّة والسياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والعلاقة مع المواطنين العرب، ليس هدفًا بل إن على إسرائيل أن تستعدّ لحرب متواصلة ودائمة مع جاراتها العربيّات، القريبات منهن والبعيدات، وكذلك الشعب الفلسطينيّ، بما في ذلك الاستعداد لعمليّات عسكريّة بريّة في الدول العربيّة، وهو ما كرّره مؤخّرًا أحد النوّاب الجدد في البرلمان ضمن قائمة الليكود وهو يعقوب بردوغو، الذي تفاخر بأن حكومة نتنياهو هي أول حكومة في إسرائيل امتلكت الجرأة لقصف الدوحة، ومن هنا فإن تركيبة الحكومة التي تنتظر الدول العربيّة ودول أوروبيّة رؤيتها، تحمل معاني خاصّة وكبيرة تتضاعف بل أكثر عبر مشاركة الأحزاب العربيّة فيها، سواء بمشاركة فعليّة أو بدعم من الخارج، علمًا أن ذلك يحمل في طيّاته، نظريًّا وتصريحيًّا وظاهريًّا على الأقلّ، دلائل تشير إلى نهج جديد يريد العلاقات السليمة مع الجارات والعالم، ويسعى الى تسويات سياسية دون الحروب والضمّ والاستيطان .
الحكومة القادمة والتي لم تتّضح بعد معالمها رغم انقشاع الضباب عن بعض جوانبها، ستحدّد ما إذا كانت إسرائيل ستنتقل، خارجيًّا إلى سياسة مصالحة مع الدول العربيّة واستعادة العلاقات الطبيعيّة مع الدول الأوروبيّة وحتى الولايات المتحدة بحزبيها الجمهوريّ والديمقراطيّ، أم ستواصل استعداء كل من سبق، وداخليًّا هل ستبدأ مرحلة من السلام الداخليّ والعودة إلى العقلانيّة ورأب الصدع الطائفيّ والعرقيّ فيها، أم لا. وهل ستعود لتكون ديمقراطيّة مع كل محدوديّتها ونواقصها أم دولة لليهود فقط. وهل ستعود إلى حالة سويَّة يكون فيها رئيس الحكومة خادمًا لشعبه وليس رمزًا يتمّ تقديسه واعتباره ملكًا وحاكمًا وحيدًا منحه الله حقّ السيطرة التامّة، وفي هذا يحضرني وعلى ضوء ما نشهده في الأيام الأخيرة، ورغم انتهاء الانتخابات عمليًّا، مع بقاء ضجيجها وارتداداتها معنا، ما جاء في قصيدة "بلا اسم" للشاعر الروسيّ أندريه فوزنيسينسكي والتي تحمل في طيّاتها نصوصًا تعبر عن الرغبة في الهروب من ضجيج العالم والخطابات السياسيّة نحو السكينة والحريّة والسلام والنقاء: "لا داعي للمراوغة، ولا حاجة للكلام الفارغ؛ فنحن أبناء "عبادة الشخصيّة" - بل نحن لحمها ودمها - نشأنا في ضبابٍ من الازدواجيّة، وسط أوهام العظمة والفقر الروحيّ".. فهل تتواصل أوهام العظمة، لتتزايد معها وتتجذّر مظاهر الفقر الروحيّ والتدهور العنيف السياسّي والاجتماعيّ، أم هي بداية العودة إلى طريق السلامة والسلام والحياة الطبيعيّة؟؟ والأسئلة كثيرة فهل من مجيب!!!
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
من هنا وهناك
-
مقال: تفكيك السلطة الفلسطينية ‘مناورة سياسية أم استراتيجية إسرائيلية؟‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
‘يوم الحسم على وجودنا‘ - بقلم: عمر عقول من الناصرة
-
مقال ‘ صوتك قرار ‘ - بقلم : شعاع حجيرات
-
‘الورقة والتراب: صون المقدسات بين أمانة المكان وواجب المشاركة‘ - بقلم : دكتور نوّاف علي الطّوري | رهط
-
‘الحاج موسى شلاعطة، أبو سفيان… ذاكرة طيبة وجسر بين سخنين والطيرة‘ - بقلم: د. غزال أبو ريا
-
‘الثّابت والمتغيّر في انتخابات الكنيست‘ - بقلم: بروفيسور إبراهيم أبو جابر
-
الانتخابات.. هل يحسمها وعي الناس أم شعبوية السياسيين؟
-
‘لا فائدة وطنية من تعكير الأجواء‘ - بقلم: أمير مخول
-
المحامي علي أحمد حيدر يكتب في بانيت: ‘المشاركة في التصويت قد تحدّ من حضور اليمين وهيمنته‘
-
أسامة مصري يكتب: عوض دراوشة.. مسيرة حياة ورسالة صحفية لا تغيب





أرسل خبرا