حين تتمرد الحكومة على القضاء - مقال بقلم: المحامي علي أحمد حيدر
لقد أثار قرار الحكومة الإسرائيلية، الذي اتُّخذ بالإجماع يوم 5 تموز 2026، والذي أعلنت من خلاله صراحةً عزمها على عدم احترام قرار المحكمة العليا المتعلق بمجلس السلطة الثانية للبث (والقرارات المتوقعة بشأن القناة 13)،
المحامي علي أحمد حيدر - صورة شخصية
نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والقانونية والإعلامية. وقد ذهب بعض المعلقين إلى اعتبار هذا القرار بمثابة إعلان حرب على الجهاز القضائي، فيما رأى آخرون أنه يشكل دعوة صريحة إلى التمرد على سلطة القانون، تستوجب مساءلة المسؤولين عنه ومحاكمتهم.
صحيح أن هذه ليست المرة الأولى التي تتجاهل فيها الحكومات الإسرائيلية قرارات المحكمة العليا أو تمتنع عن تنفيذها، إلا أنها المرة الأولى التي تُعلن فيها الحكومة، بصورة علنية ومباشرة وصريحة، عدم انصياعها لقرار قضائي صادر عن أعلى هيئة قضائية في الدولة. وبهذا، فإنها لا تتحدى مبدأ فصل السلطات، الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للنظام الدستوري الحديث، فحسب، بل تتمرد أيضًا على القواعد الجوهرية للنظام الديمقراطي، حتى في صيغته الشكلية والإجرائية. ولعل ما يزيد من خطورة هذا السلوك أنه حتى الأنظمة التي لا تدّعي الديمقراطية تتجنب، في كثير من الأحيان، الإعلان الصريح والمسبق عن رفضها الانصياع للسلطة القضائية، إدراكًا منها لما ينطوي عليه ذلك من تقويض لأسس النظام القانوني ذاته، ومن مساس بشرعية مؤسسات الدولة وسيادتها.
فمبدأ فصل السلطات يمنح السلطة القضائية صلاحية تفسير القانون وتأويله، كما يخولها الفصل في النزاعات والخلافات القانونية والإدارية. ولذلك، فإن ما تنوي الحكومة القيام به لا يقتصر على إهانة المحكمة العليا أو إضعاف مكانتها، بل يتعدى ذلك إلى محاولة الاستيلاء على صلاحياتها الجوهرية، وتجريدها من وظيفتها الأساسية في تحديد ما هو قانوني وما هو غير قانوني.
لقد شهدت إسرائيل، منذ عام 1948، عشرات الحالات التي امتنعت فيها الحكومات عن تنفيذ قرارات قضائية (على سبيل المثال عودة أهالي بلدتي إقرث وبرعم إليهما)، غير أن هذه الظاهرة تصاعدت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ إعلان الحكومة الحالية عن مشروع "الانقلاب القضائي". ومن الأمثلة البارزة على ذلك، من الفترة الأخيرة، عدم تنفيذ قرارات المحكمة العليا المتعلقة بتجنيد اليهود الحريديم، وكذلك القرارات الخاصة بإعادة إجراء انتخاب مراقب الدولة.
"تداعيات متعددة"
ومن المتوقع أن تترتب على هذا القرار تداعيات متعددة، قصيرة الأمد وطويلة الأمد. فمن جهة، قد يشجع المواطنين على عدم احترام القانون والامتناع عن تنفيذ أحكامه، الأمر الذي يهدد بانتشار الفوضى وتقويض الثقة بالمؤسسات العامة. ومن جهة أخرى، فإنه يضعف الجهاز القضائي، ويفتح الباب أمام تعزيز النزعات السلطوية والاستبدادية. كما أنه قد يمهد الطريق لمحاولات عرقلة العملية الانتخابية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر المقبل، بما في ذلك تجاهل قرارات المحكمة العليا المتعلقة بلجنة الانتخابات المركزية، أو حتى رفض نتائج الانتخابات في حال خسارة الحكومة الحالية للسلطة.
وقد أشرنا مرارًا إلى أن الجهاز القضائي في إسرائيل خدم، تاريخيًا، الأهداف الاستراتيجية الكبرى للدولة اليهودية. ففي كل ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني عمومًا، وحقوق المجتمع الفلسطيني في الداخل على وجه الخصوص، لم تُحدث المحكمة العليا تغييرات جوهرية أو بنيوية. بل على العكس، صادقت خلال السنوات الأخيرة على العديد من القوانين التي وُصفت بأنها تمييزية وعنصرية، مثل قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي، وقانون لجان القبول، وقانون النكبة، وقانون منع لمّ الشمل، وغيرها. كما منحت، منذ عام 1967، شرعية قانونية لسياسات الاحتلال وممارساته، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، جدار الفصل، وسياسات الاستيطان، وهدم المنازل، والاعتقالات و، ومصادرة الأراضي وعمليات التجويع والتهجير والقتل والتدمير والإبادة في قطاع غزة. ومع ذلك، فإن قرار الحكومة وتصريحاتها الأخيرة يشكلان نقطة تحول مفصلية، ستكون لها آثار سلبية عميقة على كل من يرى في المحكمة العليا ملاذًا أخيرًا للحصول على حق، أو على الأقل فرصة لإسماع صوت معارض للسلطة الحاكمة.
إن عدم الرضوخ لهذا التوجه الحكومي أصبح ضرورة سياسية ومجتمعية. وتقع على عاتق القوى التي تدّعي الدفاع عن "الليبرالية والديمقراطية" في المجتمع الإسرائيلي مسؤولية التصدي لهذا التدهور الأخلاقي والمؤسساتي، والعمل بصورة دؤوبة ومنظمة من أجل إسقاط هذه الحكومة. كما يترتب علينا، نحن أبناء المجتمع العربي، المساهمة في هذه الجهود، انطلاقًا من مبدأ درء المفاسد وتقليل الأضرار، والدفاع عن ما تبقى من هوامش ضيقة جدا من الحريات.
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
من هنا وهناك
-
‘المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)‘ - بقلم: اسعد عبدالله عبدعلي
-
المحامي زكي كمال يكتب: قد تنتهي النزاعات السياسيّة.. أمّا الحروب الدينيّة فتبقى أبديّةً
-
‘من اتحاد الشعوب إلى اتحاد النخب؟ قراءة نقدية في صناعة القرار الأوروبي‘ - بقلم: المحامي لؤي زريق
-
‘ شتَّان ما بين النفاق ‘الدبلوماسيّ‘ والحقيقة ‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘سياسة الهدم محاولة لكسر مجتمع لا يَنكسر‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
مقال: انتخابات 2027... هل تبدأ معركة الخلافة الفلسطينية؟ بقلم: علاء كنعان
-
أمير مخول يكتب في بانيت: التوتر الاسرائيلي الأمريكي بصدد لبنان ودور سوريا وتزايد احتمالية تأجيل الانتخابات
-
خالد رغدان يكتب: الإدمان.. عندما تتحول اللذة إلى عبودية خفية
-
محمد برانسي يكتب: دعوة عاجلة لإنهاء الخلاف حول الأرنونا في الطيبة وفتح باب الحوار
-
‘ضياع استراتيجي: نتنياهو يفقد القدرة على الخروج منه أمير مخول، مركز تقدم للسياسات‘ - بقلم: أمير مخول





أرسل خبرا