فادي عجاوي يكتب: 10 ملاحظات على وقف إطلاق النار في الشرق الاوسط
أولًا أمريكا الإمبريالية مقابل إسرائيل الإقليمية: الولايات المتحدة ليست مجرد دولة قوية بل هي نظام إمبراطوري عالمي يدير شبكة مصالح تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا والشرق الأوسط لذلك
فإن قرار الحرب أو الهدنة بالنسبة لها يخضع لحسابات شاملة تشمل أسعار الطاقة واستقرار الأسواق وتوازن القوى مع الصين وروسيا وأمن الممرات البحرية مثل مضيق هرمز في هذا السياق لا يمكن لواشنطن أن تنخرط في حرب مفتوحة مع إيران دون حساب الكلفة العالمية لأن أي تصعيد كبير قد يؤدي إلى انفجار أسعار النفط وتهديد الملاحة الدولية وتوسيع الصراع إلى أكثر من جبهة ولهذا جاء قرار دونالد ترامب أقرب إلى إدارة الصراع لا حسمه في المقابل إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تتحرك ضمن أفق إقليمي ضيق حيث تركز على الردع العسكري المباشر وكسر خصومها في الجوار وتحقيق صورة انتصار واضحة لكنها لا تتحمل كلفة حرب إقليمية طويلة دون دعم أمريكي كامل وهنا يظهر التناقض فما تراه إسرائيل ضرورة وجودية تراه أمريكا مخاطرة غير محسوبة.
ثانيًا استقلال القرار الأمريكي عن نتنياهو
قرار وقف إطلاق النار يعكس حقيقة قاسية مفادها أن إسرائيل ليست شريكًا ندّيًا في القرار بل حليف يعمل ضمن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى فعندما قررت واشنطن التهدئة لم تنتظر موافقة بنيامين نتنياهو ولم تضع أولويات إسرائيل فوق حساباتها العالمية وهذا ليس خللًا ظرفيًا بل نتيجة طبيعية للفارق في المكانة حيث تقود أمريكا النظام الدولي بينما تعمل إسرائيل داخله.
ثالثًا المكاسب البنيوية لإيران
رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي الإسرائيلي فإن إيران خرجت من المواجهة دون انكسار وهذا بحد ذاته يعد مكسبًا وفق منطقها إذ تستند قوتها إلى عوامل بنيوية واضحة فهي تسيطر فعليًا على أحد أهم شرايين العالم وهو مضيق هرمز وأي تهديد هناك ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي كما أن حجمها الكبير ومساحتها التي تقارب مليوني كيلومتر مربع وعدد سكانها الذي يقترب من تسعين مليون يمنحانها قدرة على امتصاص الضربات والاستمرار إضافة إلى احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز وقدرتها على التأثير في أسعار الطاقة عالميًا فضلًا عن شبكتها الإقليمية التي تجعل أي حرب معها متعددة الجبهات تلقائيًا.
رابعًا صراع المعايير الغرب المادي مقابل الشرق الروحاني
الاختلاف الأعمق ليس عسكريًا فقط بل فلسفي أيضًا فالغرب ممثلًا بالنموذج الأمريكي الإسرائيلي يقيس النصر بالتدمير والسيطرة وتحقيق أهداف ملموسة بينما يقيس الشرق ممثلًا بإيران وشعوب المنطقة النصر بالصمود وعدم الانكسار والاستمرار وبذلك فإن مجرد بقاء إيران صامدة أمام أقوى قوتين في العالم يعد انتصارًا معنويًا وهذه المعادلة تجعل الحسم شبه مستحيل إذ قد يربح الغرب عسكريًا بينما يعتبر الشرق نفسه منتصرًا نفسيًا.
خامسًا لماذا قد يتصادم ترامب ونتنياهو
قرار وقف إطلاق النار يضع بنيامين نتنياهو في مأزق داخلي لأنه كان يسعى إلى صورة نصر واضح لكن وقف الحرب بهذه الطريقة يوحي بعدم الحسم في المقابل لا يحتاج دونالد ترامب إلى هذا النوع من الانتصار المحلي بل يحتاج إلى استقرار الأسواق وتجنب حرب طويلة وتسجيل إنجاز سياسي سريع وهنا ينشأ التناقض حيث يريد نتنياهو استمرار الضغط العسكري بينما يريد ترامب إغلاق الملف.
سادسًا مناورة نتنياهو فصل الجبهات
لمواجهة هذا المأزق يحاول نتنياهو إعادة صياغة المشهد من خلال القبول بوقف إطلاق النار مع إيران والاستمرار في التصعيد في لبنان لإيصال رسالة مفادها أن المعركة لم تنته وإنما تغيرت ساحتها وبذلك يسعى إلى الحفاظ على صورة الردع والهروب من تهمة التراجع وتحسين موقعه قبل أي انتخابات.
سابعًا الرسائل العميقة لهذه المرحلة
ما حدث يرسل رسائل استراتيجية واضحة مفادها أن القرار النهائي في المنطقة ما زال أمريكيًا وأن إسرائيل رغم قوتها لا تستطيع فرض حرب شاملة دون واشنطن وأن إيران أثبتت أن الصمود بحد ذاته أداة قوة وأن الحروب الحديثة لم تعد تحسم عسكريًا فقط بل نفسيًا وسياسيًا.
ثامنًا ماذا تعني هذه اللحظة لدول الخليج
إذا كانت هذه المواجهة قد كشفت حدود القوة الإسرائيلية فإنها كشفت أيضًا حدود الضمانات الأمريكية خصوصًا بالنسبة لدول الخليج مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وتبني جزءًا كبيرًا من أمنها الاستراتيجي على الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية حيث يتضح أن الحماية الأمريكية ليست مطلقة وأن منشآت حيوية قد تتعرض للاستهداف دون أن يؤدي ذلك إلى رد أمريكي شامل لأن واشنطن تتحرك وفق مصالحها الكبرى لا وفق اعتبارات الحلفاء فقط، وهذا يعني أن الأولوية الأمريكية هي استقرار النظام الدولي وليس بالضرورة حماية الحلفاء بشكل مطلق وهو ما يدفع هذه الدول إلى التفكير في إعادة تعريف أمنها من خلال تنويع التحالفات وبناء قدرات دفاع ذاتي أكبر وتقليل الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية، كما أن الرسالة الإيرانية غير المباشرة تفيد بأنها قادرة على التأثير وإيصال الضرر دون الانزلاق إلى حرب شاملة وهو ما يعيد رسم معادلة الردع في الخليج.
تاسعًا البعد الداخلي الأمريكي وتأثيره على القرار
قرار دونالد ترامب لم يكن فقط قرارًا جيوسياسيًا بل كان أيضًا قرارًا داخليًا حيث يواجه ضغوطًا من قاعدته السياسية وخاصة حركة MAGA التي ترفض الحروب الخارجية وترى أن على الولايات المتحدة التركيز على الداخل وقد ظهرت داخل هذا التيار أصوات تعتبر أن هذه ليست حرب أمريكا وأن بنيامين نتنياهو يحاول جر واشنطن إلى صراع لا يخدمها وهو ما خلق ضغطًا على ترامب للتراجع كما أن حسابات الانتخابات تفرض عليه الظهور كرجل ينهي الحروب لا يبدأها والحفاظ على قاعدته الشعبية وتجنب التورط في صراع غير مضمون ولذلك حاول الموازنة بين دعم إسرائيل وعدم الانجرار إلى حرب واسعة مع إيران فكان وقف إطلاق النار هو الحل الوسط.
عاشرا الخلاصة
هذه المواجهة لم تحسم لكنها كشفت التوازن الحقيقي حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية تدير العالم وفق مصالحها لا وفق رغبات حلفائها وأن إسرائيل رغم قوتها تبقى مقيدة وتحتاج إلى واشنطن لحسم أي مواجهة كبرى وأن إيران تراهن على الصمود والبنية العميقة للقوة بينما تقف دول الخليج أمام لحظة مراجعة استراتيجية حقيقية لعقيدة الأمن وبين هذه القوى يتشكل عالم لا يقاس فيه النصر فقط بما دمر بل بما بقي صامدًا.
* كاتب المقال: عضو المكتب السياسي في القائمة العربية الموحدة
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
فادي عجاوي - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
من هنا وهناك
-
مقال: هل جيفري إبستين، مصباح علاء الدين السحري؟! - بقلم: توفيق أبو شومر
-
‘الحياة تحت ظل المستوطنات الإسرائيلية: كيف يقلل الفلسطينيون مخاطر المواجهة اليومية؟‘ - بقلم : علاء كنعان
-
‘المقارنة… حين تُفقد الإنسان نعمة الرضا ‘ - بقلم: الشيخ سمير عاصي
-
‘ الحرب في إيران: بدايتها سوء التقدير فهل تنتهي بحسن التدبير؟‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘الحرب على ايران وملف غزة ‘ - بقلم: د . سهيل دياب - الناصرة
-
‘السرديات في الشرق الأوسط: نهر تُكتب مجاريه بالقصص قبل الصواريخ!‘ - بقلم : عماد داود
-
مقال: نتنياهو ينتقل بإسرائيل من ‘اسبارطة‘ الى ‘الدولة العظمى‘ - بقلم : أمير مخول
-
‘ أوروبا تكسر دائرة الإفلات: قرار برلماني يضع نظام طهران أمام اختبار المحاسبة الدولية‘ - بقلم : د. سامي خاطر
-
‘المعلومات والشائعات في أوقات الأزمات‘ - بقلم: غزال أبو ريا
-
‘أين أعضاء الكنيست العرب في ظل الحرب ؟ ‘ - بقلم : أحمد صالح حمدان





أرسل خبرا