‘شجرة الخير والشر… من أساطير البدايات إلى دعوات توحيد الأديان‘ - بقلم : سليم السعدي
منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، ووقف أمام رهبة البرق ودويّ الرعد، وتقلّبات الفصول، وهدير البحر، وهو يسأل: من وراء هذا الكون؟ كيف يُدار؟ ولماذا يولد الإنسان ويموت؟

بهذه الأسئلة وُلدت العقائد، وتشكلت الأساطير، وتأسست الحضارات.
الحضارات الأولى وصناعة المقدّس
في مصر القديمة شيّد الفراعنة الأهرامات، ودوّنوا على جدران المعابد نصوصًا دينية تصف رحلة الروح بعد الموت. وفي بلاد الرافدين سطّر البابليون والآشوريون ملاحمهم وأساطيرهم، وشرّعوا القوانين باسم الآلهة. أما في اليونان القديمة فقد امتلأ جبل الأولمب بآلهة تتنازع الصفات البشرية من غضب وحب ومكر.
لم تكن تلك المعتقدات مجرد تعبير روحي؛ بل كانت أيضًا أداة لتنظيم المجتمع، وتثبيت السلطة، وإضفاء الشرعية على الحاكم. فحين يُقال إن الملك مختار من الإله، تصبح طاعته جزءًا من الطاعة الدينية. وهكذا تداخل المقدس بالسياسي، والأسطورة بالقانون.
قبل آدم وحواء: الإنسان بين الأسطورة والرمز
تتحدث النصوص الدينية في التوراة والقرآن عن قصة آدم وحواء وشجرة معرفة الخير والشر. غير أن مفهوم الشجرة أقدم من هذه النصوص؛ فقد ورد في ملحمة جلجامش حديث عن نبتة الخلود، كما عرفت حضارات أخرى فكرة “شجرة الحياة”.
فهل كانت الشجرة رمزًا؟
ربما تمثل “شجرة الخير والشر” وعي الإنسان حين انتقل من البراءة الفطرية إلى إدراك المسؤولية. إنها لحظة الانفصال عن الطبيعة البسيطة إلى عالم الاختيار الأخلاقي. الخير والشر ليسا مجرد وصية، بل تجربة إنسانية تراكمت عبر الألم والخطأ والتعلّم.
التشابه بين الشرائع… صدفة أم جذور مشتركة؟
عند قراءة شريعة حمورابي نجد قوانين القصاص والعقوبات التي تشبه ما ورد في التوراة، ونلمس أصداءها في التشريعات اللاحقة. هذا التشابه لا يعني بالضرورة النقل الحرفي، بل قد يدل على بيئة حضارية واحدة، أو على وحدة التجربة الإنسانية في البحث عن العدالة والنظام.
فالإنسان في كل زمان احتاج إلى ضوابط تحكم علاقاته، وتحمي الضعيف، وتردع الظالم. ومن هنا ظهرت فكرة “الإله العادل” الذي يراقب، ويحاسب، ويجزي.
الخير والشر: فطرة أم تجربة؟
إن معرفة الخير والشر ليست نظرية مجرّدة، بل خبرة بشرية. الطفل لا يولد مدركًا كل القيم، بل يتعلّمها عبر الاحتكاك بالحياة. والتجربة هي التي تكشف عواقب الأفعال.
هناك من يتعلم من خطئه فيرتقي، وهناك من يصرّ فيدور في حلقة النفاق والمكر والاستعلاء.
قال النبي محمد ﷺ: “الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة”، وهي إشارة إلى أن جذوة الخير لا تنطفئ مهما اتسعت مساحة الشر. فالخير فعلٌ واعٍ، والشر انحراف عن ميزان الفطرة.
من تعددية الآلهة إلى وحدانية المعنى
عبدت الشعوب الشمس والقمر، الجبل والبحر، خوفًا من قواها أو رجاءً في عطائها. ومع تطور الفكر الديني، انتقل الإنسان من تعددية الآلهة إلى مفهوم الإله الواحد الجامع للصفات.
الوحدانية هنا لم تكن فقط توحيدًا للعبادة، بل توحيدًا للمعنى والمرجعية الأخلاقية.
دعوات توحيد الأديان في العصر الحديث
في السنوات الأخيرة طُرحت أفكار حول التقارب بين الأديان تحت مسمّى “الدين الإبراهيمي”، خاصة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، حيث رُوّج لمشاريع سياسية وثقافية تحمل هذا العنوان.
لكن السؤال الجوهري: هل يمكن جمع الأديان في قالب واحد دون إلغاء خصوصياتها العقدية والتاريخية؟
وهل الوحدة تكون بدمج النصوص، أم بإحياء القيم المشتركة كالعدل والرحمة وكرامة الإنسان؟
إن الإيمان الحقيقي لا يُفرض بقرار سياسي، ولا يُختزل في شعار. فالدين تجربة روحية وأخلاقية عميقة، لا مجرد هوية شكلية.
شجرة الإنسان… قراءة معاصرة
إذا عدنا إلى رمز الشجرة، يمكننا أن نراها اليوم في العائلة البشرية ذاتها: جذورها في الماضي، وفروعها في المستقبل، وثمرها هو العمل الصالح أو الفاسد.
الخير ليس حكرًا على أمة، والشر ليس قدرًا محتومًا. بل هما خياران متلازمان في داخل كل إنسان.
لقد صنعت الحضارات فكرة الإله أحيانًا لخدمة السلطة، لكنها أيضًا بحثت بصدق عن معنى الوجود. وبين الاستغلال والإخلاص، بقي السؤال مفتوحًا:
هل نعبد الله خوفًا، أم حبًا، أم طمعًا، أم وعيًا؟
خاتمة
من أساطير ما قبل آدم، إلى قصص الشجرة في الكتب المقدسة، إلى دعوات توحيد الأديان في العصر الحديث، يبقى الإنسان هو المحور.
هو الذي يختار.
هو الذي يزرع الشجرة.
وهو الذي يجني ثمارها.
إن “شجرة الخير والشر” ليست في السماء ولا في الماضي البعيد، بل في ضمير كل واحد منا.
فإذا صلح الضمير، صلح العالم.
وإذا فسدت النية، تكاثرت الآلهة وتفرقت القلوب.
من هنا وهناك
-
‘ الحرب في إيران: بدايتها سوء التقدير فهل تنتهي بحسن التدبير؟‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘الحرب على ايران وملف غزة ‘ - بقلم: د . سهيل دياب - الناصرة
-
‘السرديات في الشرق الأوسط: نهر تُكتب مجاريه بالقصص قبل الصواريخ!‘ - بقلم : عماد داود
-
مقال: نتنياهو ينتقل بإسرائيل من ‘اسبارطة‘ الى ‘الدولة العظمى‘ - بقلم : أمير مخول
-
‘ أوروبا تكسر دائرة الإفلات: قرار برلماني يضع نظام طهران أمام اختبار المحاسبة الدولية‘ - بقلم : د. سامي خاطر
-
‘المعلومات والشائعات في أوقات الأزمات‘ - بقلم: غزال أبو ريا
-
‘أين أعضاء الكنيست العرب في ظل الحرب ؟ ‘ - بقلم : أحمد صالح حمدان
-
هل الحرب قاب قوسين من وقف إطلاق النار أو تصعيدها صينيًّا وأمريكيًّا ؟ بقلم: المحامي زكي كمال
-
مكتبتي… ذاكرة العمر والمسيرة | بقلم: د. غزال أبو ريا
-
‘ ترامب يتبنى المقاربة السورية في ايران وليس الفنزويلية ‘ - مقال بقلم: أمير مخول





أرسل خبرا