مقال: ‘سرٌ من أسرار القرآن‘ - بقلم : الشيخ عبد الله إدريس
لم يكن هذا الترتيب لسور القرآن الأربع (قريش ثم الماعون ثم الكوثر ثم الكافرون) مجرد مصادفة عابرة، بل هو منهج في تحصيل الأمن والأرزاق في المجتمعات.
الشيخ عبد الله إدريس- عضو حركة الدعوة والإصلاح - صورة شخصية
بنظرة سريعة إلى سورة قريش، نجد أنها تتحدَّث عن ركيزتي الحياة الأساسيتين، وهما: القوت والأمن، قال تعالى: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4].
وفي مقارنة سريعة بين سورتي الماعون والكوثر، نجد أن سورة الماعون تحدَّثت عن صفات المنافقين الأربع على النحو الآتي:
الأولى: البخل، قال تعالى: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ [الماعون: 2، 3]، وهذه الصفة جاءت صريحة في سورة التوبة؛ قال تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 67].
الثانية: ترك الصلاة، قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5]، وهذه الصفة جاءت صريحة في سورة التوبة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142].
الثالثة: الرياء وعدم الإخلاص لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾ [الماعون: 6]، وهذه الصفة جاءت صريحة في آية النساء: ﴿ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142].
الرابعة: منع الخير ولو كان قليلًا، قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 7]، يقول عبد الله بن مسعود: "كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْمَاعُونَ: الدَّلْوُ، وَالْفَأْسُ، وَالْقِدْرُ، لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُنَّ"؛ (ينظر: ابن كثير، 8 /496).
ويُفهَم من هذا أن الماعون هو الأشياء البسيطة التي يتعاطاها الناس ويستعيرها بعضُهم من بعض، وهذا يشير إلى القلة، فهم يمنعون القليل من الخير عن غيرهم.
جميع هذه الصفات الأربع المذمومة، أمر الله بنقيضها في سورة الكوثر، وكأن الله تعالى يأمر محمدًا صلى الله عليه وسلم والمسلمين: لئن كان المنافقون يتمتعون بصفة البخل، فأيها المسلم ﴿ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، لئن كان المنافقون تاركين للصلاة، فأنت أيها المسلم ﴿ فَصَلِّ ﴾ [الكوثر: 2]، لئن كان المنافقون مرائين غير مخلصين، فأنت أيها المسلم ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ [الكوثر: 2] لا لغيره، لئن كان المنافقون يمنعون الخير ولو كان قليلًا، فــ ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ [الكوثر: 1] فكن كوثرًا في العطاء.
وإنه لحريٌّ بمن اتَّصَف بهذه الصفات العظيمة أن يتبرَّأ من الكفر وأهله ومنهاجه، فجاءت بعدها سورة الكافرون لإعلان البراءة منهم، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 1 - 6].
فإن قيل: سورة قريش تتحدَّث عن نعمتين هما ركيزتا الحياة: القوت والأمن، وسورة الماعون تتحدَّث عن صفات المنافقين التي مَنْ تحلَّى بها قلَّ قوتُه وأمنُه، وسورة الكوثر تتحدَّث عن صفات المؤمنين التي مَنْ تحلَّى بها كثُر رزقُه وأمْنُه، فما علاقة سورة الكافرون والبراءة من الكفر بالأرزاق والأمن؟!
فقل: لأن الكفر عامل أساسي في انعدام الأقوات والأمان؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]، والظلم في الآية فُسِّر في آية أخرى بأنه الشرك والكفر في وصية لقمان لابنه، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].
وأيضًا، فإن المسلم يعلن البراءة من مِلَّة الكفار الذين لا مانع عندهم للتنازل عن عقيدتهم مقابل الحصول على الأمن، ظانِّين أن اتِّباع الهدى والإيمان يمحق الأمن والأمان، فقد اعترف كُفَّار قريش لمحمد عليه الصلاة والسلام أن الإسلام دين الهدى، لكنهم يخشون من اتباعه أن يتخطفهم الناس فيفقدون الاستقرار والخير اللذين يعيشون فيهما، ولا يعلمون أن الذي جعل مكة آمنة مطمئنة، وقدّر فيها الأرزاق والخير الوفير هو الله! قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 57]، فإذا كانوا كذلك، فلا نعبد ما يعبدون، ولهم دينهم ولنا دين؛ وبذلك يأتي نصر الله والفتح.
من هنا وهناك
-
مرضى بسبب البلاستيك: كيف يؤثر السكن قرب المصانع البتروكيميائية على الصحة؟
-
هل يستبدل القطب الأعظم الاستعمار التقليديّ بالإمبرياليّة الاقتصاديّة ؟ بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘ حين يتكلم العنف لغة السياسة ‘ - بقلم: رانية مرجية
-
‘ في خضم الحرب الشاملة: المشتركة هي الحل ‘ - بقلم: خليل نعمة
-
مقال: بين دافوس والمنامة .. خطة كوشنر ‘لإعمار غزة‘ تتقاطع مع ‘صفقة القرن‘ وتعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية!
-
مقال: أنا ضد مشتركة مفتعلة ‘بهموم الناس‘ - بقلم : بلال شلاعطة
-
‘ حين تنقلب الكلفة: الانتفاضة الإيرانية تدفع أوروبا إلى كسر المحرّمات ‘ - بقلم : عبدالرزاق الزرزور
-
‘ الدولة الدائمة والميدان: إعادة تعريف القوة ‘ - بقلم : عماد داود
-
هل يرتفع سيناريو ‘توكيل‘ اسرائيل بضرب ايران؟ وما هي المؤشرات؟ بقلم : د. سهيل دياب - الناصرة
-
‘ الإجماع الذي لم تصنعه القيادات: درس سخنين ‘ - بقلم : منير قبطي





أرسل خبرا