مقال: هل استسلمت أمريكا في اليمن؟ قراءة في تراجع الدور الأمريكي - بقلم : سليم السعدي
على مدى سنوات، ظلت الولايات المتحدة لاعباً أساسياً، وإن من خلف الستار، في الحرب اليمنية من خلال دعمها العسكري والاستخباراتي للتحالف العربي الذي تقوده السعودية. غير أن المشهد تغيّر في السنوات الأخيرة،

صورة للتوضيح فقط - تصوير Pra Chid-shutterstock
ما دفع بعض المراقبين لطرح سؤال جريء: هل استسلمت أمريكا في اليمن؟
الدور الأمريكي: دعم غير مباشر لكنه فعّال
منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، لم تكن الولايات المتحدة طرفاً مباشراً في النزاع، لكنها قدمت دعماً كبيراً للسعودية والإمارات عبر تزويدهما بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى الدعم اللوجستي والتقني. كان الهدف المعلن هو دعم الحكومة الشرعية في مواجهة الحوثيين، وردع النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن، شيئاً فشيئاً، بدأت واشنطن تخفف من انخراطها.
التحول الاستراتيجي: بايدن يعيد رسم الأولويات
مع وصول إدارة جو بايدن إلى الحكم، بدأ التحول يظهر بوضوح. فقد أعلن الرئيس الأمريكي في بداية 2021 وقف الدعم "الهجومي" للسعودية في اليمن، وأبدى نية إدارته بالعمل على إنهاء الحرب لا تأجيجها. هذا التغيير لم يكن فقط موقفاً أخلاقياً، بل انعكاساً لتحول استراتيجي في السياسة الخارجية الأمريكية التي باتت تميل إلى تقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط لصالح التركيز على التحديات الكبرى مثل الصين وروسيا.
الضغوط الداخلية: السياسة لا تنفصل عن الرأي العام
الضغوط التي مورست على الإدارة الأمريكية من قبل الكونغرس، ومنظمات حقوق الإنسان، والرأي العام، كانت عنصراً حاسماً. فالكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب في اليمن، بما في ذلك المجاعة وانتشار الأوبئة، جعلت من الصعب سياسياً وأخلاقياً استمرار واشنطن في دعم العمليات العسكرية. خصوصاً بعد توثيق حالات ضربات جوية طالت مدنيين، ومدارس، ومستشفيات، بأسلحة أمريكية الصنع.
الحوثيون: من ميليشيا إلى قوة ردع
من جهة أخرى، تطوّر الحوثيون بشكل لافت خلال الحرب، سواء على مستوى التسليح أو التكتيك. هجماتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت سعودية حيوية، مثل "أرامكو"، أظهرت قدرتهم على الردع وخلقت نوعاً من التوازن غير المتوقّع في الحرب. هذه المعادلة الجديدة جعلت أي رهان على الحسم العسكري يبدو أقرب إلى المستحيل.
التقارب السعودي–الإيراني: ضربة لمعادلة واشنطن
الاتفاق الذي رعته الصين بين السعودية وإيران في 2023 مثّل تحوّلاً نوعياً في ميزان القوى. فبمجرد أن بدأت الرياض وطهران بخفض التوتر، باتت مبررات المواجهة في اليمن أضعف. هذا التقارب جعل واشنطن تفقد أحد أدوات التأثير الاستراتيجية، وأخرج جزءاً من الملف اليمني من يدها.
الخلاصة: لا استسلام بل إعادة تموضع
ما يجري ليس "استسلاماً" أمريكياً بقدر ما هو إعادة تموضع استراتيجي. واشنطن لم تعد ترى في اليمن ساحة تستحق استنزاف مواردها أو صورتها الأخلاقية، خاصة في ظل واقع إقليمي ودولي متحوّل. ومع تصاعد أدوار لاعبين جدد كالصين، وتراجع هيبة القطب الواحد، يبدو أن أمريكا اختارت الانسحاب الهادئ على الانغماس في صراع بلا نهاية.
من هنا وهناك
-
هل يستبدل القطب الأعظم الاستعمار التقليديّ بالإمبرياليّة الاقتصاديّة ؟ بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘ حين يتكلم العنف لغة السياسة ‘ - بقلم: رانية مرجية
-
‘ في خضم الحرب الشاملة: المشتركة هي الحل ‘ - بقلم: خليل نعمة
-
مقال: بين دافوس والمنامة .. خطة كوشنر ‘لإعمار غزة‘ تتقاطع مع ‘صفقة القرن‘ وتعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية!
-
مقال: أنا ضد مشتركة مفتعلة ‘بهموم الناس‘ - بقلم : بلال شلاعطة
-
‘ حين تنقلب الكلفة: الانتفاضة الإيرانية تدفع أوروبا إلى كسر المحرّمات ‘ - بقلم : عبدالرزاق الزرزور
-
‘ الدولة الدائمة والميدان: إعادة تعريف القوة ‘ - بقلم : عماد داود
-
هل يرتفع سيناريو ‘توكيل‘ اسرائيل بضرب ايران؟ وما هي المؤشرات؟ بقلم : د. سهيل دياب - الناصرة
-
‘ الإجماع الذي لم تصنعه القيادات: درس سخنين ‘ - بقلم : منير قبطي
-
مقال: الاستيراد الشخصي بعد رفع الإعفاء إلى 150 دولاراً: ما هو الحد الفاصل بين الاستيراد الشخصي والاستيراد للأغراض التجارية؟





أرسل خبرا