بروفيسور أسعد غانم يكتب: في وداع أبو النعمان (خالد أبو عصبة)
لحظة ما وصلني خبر وفاة العزيز بروفيسور خالد أبو عصبة، كانت لحظة ارتباك، فقدان القدرة على التفكير للحظات. زرته يوم الاحد، برفقة د. ثابت أبو راس، رأيناه بوضع صعب، لكننا حدثناه وجاوبنا برموش العين:
المرحوم البروفيسور خالد أبو عصبة - صورة شخصية
قلنا "أتذكر كذا وكذا من سهراتنا ولقاءاتنا" فأجاب بهزة شفة.. قلنا له "نلتقي في بيتك بعد أسبوع" فوافق بإشارة رمش العين.. تركناه بعد نصف ساعة او اكثر قليلا وعدنا نتحدث عن خالد أبو عصبة، وعن إشكالات الحياة، عن الأولاد والزوجات والقائمة المشتركة وتحديات سحب المواطنة وشرعية العمل السياسي العربي.. كله بنفس الخلطة السحرية.. التي لا يتقنها الا الأصدقاء.. واتفقنا ان نعود اليه كل أسبوع، وودعنا بعض وعدنا ادراجنا.. كل واحد في اتجاه، على ان نلتقي بعد أسبوع مع خالد في بيته، او في المستشفى.. ان لم يتم تسريحه.
تم تسريحه بعد اقل من أربعة أيام الى لقاء ربه.. لم أكن أدرك لحظة الوداع، رغم الشك في داخلي في إمكانيات تعافيه، لكنني كما كل الناس لا اقنط من رحمة الله أولا، ولي ثقة بإرادة خالد ثانيا، وثالثا لتجربة طويلة مع خالد تكفي لتوقعي ان يفاجئني بزيارة أخرى، بلقاء، باتصال، برسالة مع صديق مشترك. سكننا مع بعض في نفس الشقة، التقينا مئات المرات، سهرنا مئات الليالي، تناقشنا، نصحنا بعضنا في العام والخاص، وثقنا برأي الاخر، بقينا على اتصال دائم.. التقينا في مشاريع مشتركة .. انها الحياة التي أصبحت تنقلب علينا يا صديقي ...
الى خالد، عندما التقينا قبل عدة اشهر، قلت لك بانني "اشعر بتوديع الحياة"، ينتابني ذلك الإحساس بان ما بقي يلزمنا بان نجمل ونعي اننا مع الرحيل على موعد قريب.. كنت تنهاني برفق "الاعمار بيد الله".. فأرّد طبعا، لكن سنة الحياة.. وداع بعض الاهل والمعارف والأصدقاء، تسلل المرض الى اعضائنا، تجنب الخوض في قصص الحب الذي كان... كلها علامات الوداع.
رحيلك يعمق الحالة.. يجعلها اقرب واكثر جرأة في طرق باب تفكيري.. انها العقد السابع او الثامن. انها مرحلة الوداع.. كنت في وداعك يوم الاحد من دون ان اعرف.. وأصبحت ادرك الان بان كل لقاءاتي مع الناس، مع الأقارب، مع اقرب الناس.. قد تكون لحظة وداع.. لحظة الاقتراب من الاجل المحتوم.. لا أقول ذلك خوفا ولا تسليما بالأسوأ.. بل فهم لطبيعتنا، لانتقالنا من الشباب الى ما بعد، الى ضرورات التلخيص.. ضرورات ان نقول باننا عملنا كذا، حاولنا كذا وكذا.. اجتهدنا، تناقشنا، عملنا بشكل مشترك، اختلفنا.. اتفقنا.. عرّفنا عائلاتنا على بعض.. التقينا في مناسبات الاعراس، في زيارات المرض.. في وعد الوداع.. الذي لم اقبل ان يكون كذلك في لحظتها، لكنها الاقدار.. القادرة مني ومنك ومن ما نريد.. انها إرادة الحياة التي تتوقف.. إرادة الموت التي تبدأ.. مشيئة الله التي ترحم.. ولا ترحم. تبقينا معلقين بالأمل رغم الحالة الماثلة امامنا.. انها الحياة التي تنتهي ولا تنتهي... رغم الموت.
"كنت مرجعا لي.. وستبقى كذلك"
وثقت بك تماما في مجالات كنت اعرفها، لكنني لا اعتبر نفسي خبيرا بها.. في قضايا التعليم والتربية، في الشباب ومشاكلهم، في قضايا اجتماعية.. عندما فكرنا ببحث عن التعليم والشباب والمجتمع.. كنت اول المرشحين لذلك. ما تركته من ارث مكتوب هو مهم.. لكن الأهم هو ذلك غير المكتوب.. الذي اعرفه من المشاهدة.. من معرفة مباشرة عن الالتزام، عن التواضع في طرح الأفكار.. السفر لساعات لأجل لقاء هنا ونقاش هناك.. وطرح فكرة في لقاءات خاصة واجتماعات عامة.. في كل ذلك كنت مرجعا لي، وستبقى كذلك..
تعرف ان الاكاديميين كثر، ومنهم من يشدد على تفوقه في كتابة الكتب والمقالات، لكنهم ليسوا بمثقفين.. وانت، كما الكثيرين ممن عملنا معهم.. مثقفين اصيلين .. المعرفة لا تقتصر على التقدم الشخصي.. بل أداة لإجراء تحولات وتغييرات نحو الأفضل.. انها القدرة على تحويل المعرفة العلمية الى أدوات تغيير والالتزام بدفعها نحو التحقق.. نحو تغيير المجتمع للأفضل.. انها المعنى الحقيقي والمباشر للمثقف.. وهي كذلك الحب الذي يفسر كل النجاحات.. الحب لشعبك ولمجتمعك ولعائلتك ولزوجتك ولاولادك.. انها الدافع بالشغف للعطاء، علّنا نكون ما نريد..
طبعا، وكما تناقشنا كثيرا، الأمور لا تسير دائما كما فكرنا، كما اعتقدنا مع بعض او منفصلين عن بعض.. انها طرق مركبة لا يؤثر فيها مثقف واحد ولا طريق واحد ولا اجتهاد بعينه.. انها الحياة الآخذة في التعقيد.. بما يشمل الانزلاق نحو السيء والاسوأ او الاحسن والأفضل.. وذلك صحيح لقضايا كثيرة.. انها الحياة يا صديقي.. انها دروب الحب والامل او دروب الالام والسقوط.. رغم المحاولات والجهود.. تبقى من هذا وذاك، من الامل ومن النكوص.. من صباح يحمل نجاحات الأطباء والطبيبات في الإنجازات وزمن الفشل في انقاذ الحياة.. وهذه المرة بالنسبة لك..
عندي وعند عائلتك واصدقاءك الكثر ستبقى في الذاكرة كمن اختار العطاء، آثر الحياة بكرامة ودفاعا عن شعبه، وتجيير كل المعرفة والنشاط لذلك.. ستبقى اثارك واعمالك ودراساتك ومحاضراتك ومداخلاتك.. ماثلة في مجالات مفتاحية لمجتمعنا.. سوف نستعملها، نتذكر رأيك ونتحاور في بعض تلخيصاتك.. قد نقبل بجزء منها، وقد نعارضك او نتناقش معها.. لكنها ستكون جزء من تراثنا، من املنا بإعادة المناعة، من قدرتنا على تحدي الخراب الداخلي، والسياسات الظالمة، في آن واحد .. انها الحياة بعد الموت يا صديقي، انها جزء من الوداع الذي لا نودع فيه.. لأننا على امل في مستقبل شعبنا... ان نساهم في مواجهة التحديات، وفي وضع خطوط للمستقبل كما نريد لأبنائنا، كل أبناء شعبنا أينما تواجدوا.. لحظة الوداع التي نلتقي بعدها، كما وُعدنا – في الفردوس الأعلى..
لحظة الارتباك لا زالت هنا، في داخلي، في أجواء البيت، في حديثي مع زوجتي وبناتي.. لكنها مغموسة بالحب والامل، وربما الوداع.. لك أولا، وللأصدقاء وللعائلة.. انها الحياة يا خالد.
الى اللقاء يا صديقي..
البروفيسور أسعد غانم - تصوير: قناة هلا وموقع بانيت
من هنا وهناك
-
مقال: أزمة "الكونكور": تململ الأجيال وتآكل العقد الاجتماعي في إيران - بقلم: د. سامي خاطر
-
المربية ألمازة جبارة من الطيبة تكتب: على عتبة نهاية عام دراسي استثنائي
-
‘حين تصبح الكلمة الطيبة مصدر إزعاج: ماذا تغيّر فينا؟‘ - بقلم: منير قبطي
-
‘اجتماع الناصرة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تشكيل القائمة المشتركة‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
‘حجر الزاوية أم فخ حزبي؟ القائمة المشتركة وبؤس الخطاب الاستعلائي‘ - بقلم: المحامي شادي الصح
-
مقال: المحاصصة الحمائلية وبدعة التناوب - بقلم: نضال حايك ومحمد قدح
-
‘ العمر رحلة قصيرة شاقّة وممتعة ‘ - بقلم: جميل السلحوت
-
‘ تأملات في كتابة البنات عن الآباء والأمهات ‘ - بقلم: فراس حج محمد
-
‘بين سياسة الحرب وحرب السياسة‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘ عقول حيرت العقول ‘ - بقلم : حيدر حسين سويري





أرسل خبرا