قصة بعنوان ‘سلام على المحك‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
لم يكن هناك موعدٌ مسبقٌ، بل كانت هي الصدفة التي جمعتنا. اجتمعنا في يوم كانت بشائر السلام قد بدأت تحل على هذا الكون الذي ذاق مرارة الحروب منذ الأزل وإلى اليوم لم تهدأ الصراعات، ولا القتال.

يومها التقينا على سفح رابية والشمس كانت مشرقة والسماء صافية، والطيور تغرد على الأشجار فرحة.
قال لي والابتسامة مرسومة على شفتيه:
لقد تم الاتفاق على وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، واليوم يحق لنا بأن نحتفل، ونشرب كاس النصر، النصر على الحرب التي جعلت كل مناحي حياتنا تتوقف.
ابتسمت لسماع هذا الخبر المفرح، فقد كنت بحاجة لسماع مثل هذه الأخبار حتى تزيل عن نفسي كل المنغصات.
عبرت عن سعادتي بهذه الكلمات:
يا سلام ما أجمل هذا النهار. أنظر إلى السماء يا مهند ما أجمل صفائها.
تابع تلك الطيور كم هي فرحة بهذا اليوم. وهذا الفضاء الخالي من المقاتلات والصواريخ والنيران والدخان الأسود الذي كان يملأ الأجواء.
تأمل معي هذا الهدوء الذي بدأ يتسرب الى جوانحي، كأننا نعيش على أجمل بقعة موجودة في العالم، أنا وأنت نجلس على شاطئ البحر وفي القرب منا طفل يبني قلعة من الرمال وفجأة تأتي موجة كبير وتهدم ما بناه في لحظة
لم يتأثر ولم يحزن لأنه أعاد بناءها من جديد.
قطع استرسالي عزف ناي آتٍ من مكان بعيد، أمسكت يدي وقلت لي هيا أريد أن آخذك لمكانٍ عندما تشاهدينه صدقيني سوف يغمرك فرح عظيم، لن تنسيه كل عمرك.
ما رأيك يا ابتسام بهذا الجدول رغم صغره لكنه يعطي الحياة لهذه النباتات التي تعيش بقربه؟
غير أن خرير الماء يجعلك تشعرين بعظمة الطبيعة وما توهبنا من عطايا، مع الأسف الإنسان يستخف بها ويحاول تدميرها، لكن حسب رأيي سوف يندم لأنه بتدميره لكل هذا الجمال سوف يأتي بأثر عكسي على كل مناحي الحياة.
الصحيح يا مهند لقد أخرجتني من الجو العصبي الذي عشناه في فترة الحرب والتي اثرت عليَّ أنا شخصيًا مثلما أثرت على الكثيرين منا.
الطبيعة وجمالها وهذا الجدول الصغير والطيور والنسيم العليل الذي يجعلنا نشعر بأن الحياة رغم قسوة البشر، فيها أشياء تجعلك تؤمن بأن الشر زائل والخير هو الباقي.
لكن هنا توجس وخوف في قلبي ما زال صداه يتردد كلما خلوت لنفسي.
هل يا ترى سيدوم وقف إطلاق النار؟ أو ان تلك القرارات سوف ينكثون عهدها ونعود لنفس السيناريو الخوف والاختباء في الملاجئ؟
لكن هناك صوت بداخلي يقول لي سوف يحل السلام ولن تكون هناك جولة أخرى من القتال، لأن المباحثات على قدم وساق، والشعوب مطلبها الوحيد أن يعم السلام والاستقرار.
نظر إليّ "مهند" ملياً، وكأنه يقرأ تلك الغيمة العابرة التي غطت بريق عينيّ.
ساد صمت قصير لم يقطعه سوى صوت خرير الماء، ثم قال بصوت يملؤه اليقين:
يا ابتسام، السلام ليس مجرد ورقة تُوقع أو قرار يُعلن،
السلام نبض يبدأ من الداخل. انظري إلى هذا الجدول، هل توقف يوماً عن الجريان لأن الصخور اعترضت طريقه؟
لقد اختار أن ينحت مجراه بالصبر، ونحن كذلك.
أمسك غصناً صغيراً كان ملقىً على العشب، ورسم به دائرة حولنا على التراب، وتابع:
هذه الدائرة هي عالمنا الصغير الآن، هنا لا توجد صواريخ، ولا دويّ انفجارات. الشعوب التي ذاقت الوجع، كما ذقناه، هي الضمان الوحيد للسلام، لأنها لن تسمح لأحد بأن يسرق منها ضوء الشمس مرة أخرى.
سرحتُ في الدائرة التي رسمها، وتخيلتُ لو أن كل إنسان يرسم حوله دائرة من المحبة، هل ستجرؤ الحروب على اختراقها؟ لكن فجأة، ومن بعيد، سُمع صوت دويّ مكتوم.. تجمدت الدماء في عروقي، واتسعت عيناي هلعاً، فهل كان ذلك رعداً يبشر بالمطر، أم أنه صدى "السيناريو" الذي أخشاه؟
التفتُّ إلى مهند، وكان هو الآخر قد أنصت بتركيز، لكنه لم يترك يدي، بل شدّ عليها بقوة وكأنه يستمد ويمنحني الأمان في آن واحد.
حبستُ أنفاسي، وشعرتُ بقلبي يقرع طبول الحرب من جديد داخل صدري. تراءت لي صور الملاجئ المظلمة، ورائحة الغبار التي تخنق الأنفاس. لكن مهند ظلَّ هادئاً، لم يتحرك من مكانه، بل ابتسم بهدوء وهو يراقب اضطراب ملامحي.
قال بصوتٍ واثق وهو يشير بيده نحو الأفق البعيد:
اهدئي يا ابتسام. إنه ليس قصفاً، ولا غارة. انظري هناك، خلف تلك التلة، إنهم المزارعون يهيئون الأرض، وربما هي بعض الصخور التي تُزاح لفتح طريقٍ كان مغلقاً لسنوات. ليس كل صوتٍ قوي يعني الموت، أحياناً يكون للبناء صوتٌ أيضاً.
تنفستُ الصعداء، وشعرتُ بجسدي يرتخي تدريجياً، وكأنَّ جبالاً من الثقل قد انزاحت عن كاهلي. لكنني نظرتُ إليه وقلتُ بنبرةٍ غلب عليها الشجن:
كيف استطعتَ أن تميز بين الأمرين؟ لقد أصبح آذاننا لا تلتقط إلا نذير الشؤم.
لقد سرقت الحرب منا القدرة على تفسير الجمال، حتى الرعد صرنا نحسبه قذيفة، وحتى الألعاب النارية في الأعراس باتت ترعبنا.
أومأ برأسه موافقاً، ثم انحنى والتقط زهرة برية صغيرة كانت تنبت عند حافة الجدول، قدمها لي قائلاً:
هذا هو التحدي الحقيقي يا ابتسام. "السلام على المحك" ليس فقط في جبهات القتال، بل في قدرتنا على استعادة ثقتنا بالحياة. علينا أن نُعيد تدريب قلوبنا على سماع صوت الطبيعة دون خوف. هل تسمعين الآن؟
أغمضتُ عينيّ، وحاولتُ جاهدةً أن أعزل صوت مخاوفي. غاب ضجيج الانفجارات الوهمية في رأسي، وبدأ يتسلل إليها زقزقة عصفور دوري، وحفيف أوراق الشجر التي تداعبها النسمات. فتحتُ عينيّ ورأيتُ الجدول ينساب بنقاء، فشعرتُ لأول مرة منذ زمن أنني لا أريد الاختباء، بل أريد أن أركض في هذا الفضاء الواسع.
أخذتُ الزهرة منه، وتأملتُ بتلاتها الرقيقة التي تحدت قسوة التربة لتظهر للنور. في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لستُ الوحيدة التي تسكنها هذه المخاوف، فهناك آلاف القلوب التي ما زالت ترتجف خلف الأبواب الموصدة، بانتظار من يطرق عليها ليخبرها أن الكابوس قد انتهى.
قلتُ لمهند وعيناي تلمعان بتصميم جديد:
عندما نعود، لن أكتفي بالصمت يا مهند. سأبحث عن أولئك الذين ما زالوا يرتجفون في زوايا بيوتهم. سأخبرهم عن هذا الجدول، وعن القلعة الرملية التي أعاد الطفل بناءها. سأعلمهم كيف يفرقون بين صوت الهدم وصوت البناء.
ابتسم مهند وكأن نبوءته قد تحققت، ثم وقفنا معاً، ونظرنا إلى الشمس التي بدأت تميل نحو الغروب، لكنها لم تكن ترحل لتتركنا في الظلام، بل كانت تعدنا بفجرٍ جديدٍ خالٍ من الدخان.
مشينا جنباً إلى جنب، وكانت خطواتي على الأرض أكثر ثباتاً. لم يعد "السلام على المحك" مجرد احتمال سياسي بعيد، بل أصبح قراراً اتخذتُه في أعماقي.
لقد تركتُ خلفي عند ذلك الجدول مخاوفي العتيقة، وحملتُ معي يقيناً بأن الخير، مهما تأخر، هو الذي سيكتب الفصل الأخير في حكاية هذا الكون.
من هنا وهناك
-
‘ الحَرْبُ مَعَ إيرَان ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
قصة بعنوان ‘ أبناء الحياة ‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
حالة الطقس: أمطار متفرقة مصحوبة بعواصف رعدية احياناً
-
‘ أذكرُكِ أمّاه ولن أنساكِ ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
‘ العنصرية مأساة العالم ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
‘العنف سلوك شيطاني ومُعاداةُ الله‘ - بقلم :اسماء طنوس من المكر
-
قصة بعنوان ‘ حصاد الزيوان ‘ - بقلم : الكاتبة اسماء الياس من البعنة
-
‘ الرحمة للشيخ المغدور ‘ - بقلم : كمال إبراهيم
-
قصة بعنوان ‘ راكعة ‘ - بقلم : زهير دعيم
-
موشحات ‘ لَستم بَشَر ‘ بقلم: اسماء طنوس من المكر





أرسل خبرا