لا يوجد شيء أجمل من أن نعيش في مكان لا تعكّر صفوه أصوات الرصاص، أماكن هادئة نأوي إليها ونحن على يقين تام بأنه لن تصيبنا رصاصة طائشة. ادعوا السلام ليدخل بيوتكم، وحاراتكم، وبلداتكم، وكل مكان تتواجدون فيه، فبوجود السلام فقط نستطيع أن نحيا، ويحيى معنا أبناؤنا وأحفادنا.
بهذه الكلمات الملهمة، ألقى الدكتور موسى شاهين أستاذ القانون الجنائي محاضرته التي نظمها المركز الجماهيري بقيادة المربية عبلة جورج، وبحضور نخبة من الشباب الشغوف ببناء مجتمع خالٍ من العنف والجريمة. لقد عاهد هؤلاء الشباب أنفسهم على العمل المستمر لكي ينعم الجميع بالحياة الكريمة التي يستحقونها؛ فلا عنف بعد اليوم، ولا خوف من الخروج من المنازل دون معرفة ما إذا كان المرء سيعود سالماً أم لا، متصديين لكل من يسعى لترويع الناس ونشر الخراب.
وخلال المحاضرة، تطرق الدكتور موسى إلى الجريمة النكراء التي شهدتها مدينة الكرك الآمنة في الأردن؛ حين أطلقت مجموعة خارجة عن القانون النار على مشيعين في ساحة الكنيسة كانوا يودعون جثمان امرأة. وقد أسفر هذا الهجوم الغاشم عن سقوط تسعة شهداء، من بينهم أربعة أطباء، إضافة إلى إصابة آخرين بجراح متفاوتة نُقلوا على إثرها للمستشفيات. وفي تلك اللحظة العصيبة، بادر راعي الكنيسة إلى إغلاق أبوابها لحماية الحاضرين بالداخل ومنع تفاقم الفاجعة.
وحتى لا تتكرر هذه الجرائم، يجب على الدولة تكثيف جهودها للبحث عن هذه الخلايا التي تعبث بأمن المجتمعات والقضاء عليها، وهذا ما أثبتته الأجهزة الأمنية في الأردن حيث لاحقت الجناة وألقت القبض عليهم. وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا يستفيد هؤلاء من استهداف أشخاص كانوا في مكان مقدس يصلون للرب نفسه الذي تعبدونه؟ هل يبرر اختلاف الدين أو ادعاءات التكفير استباحة الأرواح؟ ومن أعطاهم الحق ليحاسبوا الناس نيابة عن الخالق؟
ولم تكد أصداء الكلمات تنتهي حتى خيم صمت عميق على القاعة، صمت يحمل في طياته الوعي والمسؤولية. وقف أحد الشباب وقال بصلابة: "لقد أراد الجناة غرس الفتنة، لكنهم نسوا أن دماء الشهداء امتزجت بتراب وطن واحد."
وفي تلك اللحظة، امتزجت أصداء أذان المسجد الملازم من المركز الجماهيري مع رنين أجراس الكنيسة القريبة. ابتسمت المربية عبلة جورج وقالت: "هنا تتجلى رسالتنا الحقيقية.. إن قوتنا تكمن في وحدتنا، وعندما يتعانق الصليب مع الهلال، ينتصر السلام ويهزم العنف إلى الأبد."

