logo

قصة بعنوان ‘سفر بلا عودة‘ - بقلم: الكاتبة اسماء الياس من البعنة

01-10-2026 19:05:18 اخر تحديث: 02-10-2026 04:26:03

سفر بلا عودة: لم يخطر ببالي يوماً أن يأتي اليوم الذي أرى فيه نفسي أعيش في مكانٍ كهذا، فقد عشت طوال عمري في بيتٍ بسيطٍ، يطل على منظرٍ جميلٍ تألفه العين وتستريح له الروح .

عندما كنت صغيرة، كانت والدتي تأخذني كل يوم ونسير سويًا على أطراف النهر الذي ينبع من مجرى صغير، تشكّل جراء ذوبان الثلوج التي كانت تتساقط على رؤوس الجبال. كان منظراً لا يمكن نسيانه، وكأنه طُبع في ذاكرتي.

لكن الزمن لا يبقى على حاله؛ فقد تغير المناخ وارتفعت درجة حرارة الأرض، لأن الحروب التي شهدتها منطقتنا في السنوات الأخيرة جعلت الحرارة ترتفع بمستويات متفاوتة. والبشر أيضاً تغيروا؛ كل شيء أصبح مختلفاً عما كان عليه عندما كنت صغيرة، حتى نفوس البشر تغيرت.

تلك الفترة أعادت ذكريات كادت أن تندثر من قاموسنا اللغوي؛ حنين الماضي الذي أضحى شيئاً نعود إليه بين الفينة والأخرى، وأحياناً لا نتذكره إلا في مناسبات بعيدة.

كثيراً ما كنت أصحو من النوم وأنظر من النافذة، فتعود بي الذكريات إلى طفولتي الجميلة؛ يوم لم يكن صوت أزيز الرصاص هو ما يجعلني أنهض من نومي مرتعبة وخائفة، بل كنا نستمع إلى تغريد البلابل والعصافير. كنت أرى الجمال في الطبيعة الغناء، وفي الطيور والفراشات والسماء الصافية، وتدور في رأسي الكثير من التساؤلات: لماذا امتلأ كوكبنا بالنزاعات والحروب التي لا نهاية لها؟ وحتى متى سنبقى نتجرع كؤوس الحنظل دون أن نجد من يسقينا كؤوس المحبة الصافية؟

كثيراً ما كنت أسأل والدي:

لماذا أصبح كل شيء مختلفاً عما كان سابقاً؟

كان والدي يشرح لي بإسهاب:

يا ابنتي يا زينب، حب التملك والسيطرة هما الشيء الوحيد الذي يشغل بال من لديهم القوة والسلطان.


فأرد عليه:

لكن يا والدي، توجد شعوب مقهورة ومسحوقة تريد العيش بكرامة، ولا تريد أن تكون من القطيع الذي يُساق إلى الذبح دون أن يعترض.

صمت والدي برهة، ونظر في عينيّ بنظرة ملؤها الحزن والرجاء معاً، ثم قال بصوتٍ خافت:


صوت الحق يا زينب، مهما كان خافتاً، يظل أقوى من كل النشرات والأوامر والشعوب التي تعرف معنى الكرامة قد تُقهر يوماً، لكنها لا تستسلم أبداً.


أغلقت النافذة، وأنا أعلم أن السفر وإن كان بلا عودة، فإن الروح تستطيع دائماً أن تعود إلى جذورها، ولو في فكرةٍ لا تموت.