صورة شخصية
الحياة ليست كلها اختيارات بأيدينا، فالإنسان يولد في ظروف لم يخترها، وفي زمان ومكان وأسرة وأمور كثيرة لا يملك تحديدها. وهذه من الأمور التي لا يُحاسَب عليها الإنسان لأنها لم تكن بإرادته.
لكن هناك مساحة أخرى في حياتنا هي مساحة القرار والاختيار.
أنت لا تختار أين ولدت، ولكنك تختار ماذا تفعل بعد أن تكبر.
لا تختار كل ما يحدث لك، لكنك تختار كيف تتعامل معه.
لا تختار كل الأبواب التي تُغلق في وجهك، لكنك تختار أي باب تطرق بعد ذلك.
ولا تختار كل الظروف التي تحيط بك، لكنك تختار طريقك داخل هذه الظروف.
وهنا يبدأ الحساب.
فالإنسان لا يُحاسَب على ما لم يختره، وإنما على ما كان له فيه إرادة وقدرة واختيار. ولذلك فإن أخطر ما يملكه الإنسان ليس المال ولا القوة، بل قراره.
ومن أعظم القرارات أن يختار الإنسان علاقته بالله.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
فالدعاء ليس مجرد كلمات نرددها، وإنما هو اعتراف بأن لنا ربًا نرجع إليه، وأننا لسنا وحدنا في هذا الكون، وأن فوق قدرتنا المحدودة قدرة الله الواسعة.
قد يمر الإنسان بضيق، ثم يبحث عن كل الأبواب وينسى باب الله.
وقد يبحث عن الناس قبل أن يرفع يديه إلى خالقه.
وقد يتعلق بالأسباب وينسى مسبب الأسباب.
وهنا علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا اخترنا؟ وأين وضعنا ثقتنا؟
إن الإيمان لا يعني أن نتوقف عن العمل، ولا أن نترك الأخذ بالأسباب، بل أن نعمل ونختار ونسعى، ثم نعلم أن النتائج بيد الله.
فالحياة بين قدر لا نملكه، واختيار نُحاسَب عليه.
وما لم يكن في أيدينا فلا ينبغي أن نحمل أنفسنا وزره، أما ما كان في أيدينا فعلينا أن نتوقف أمامه طويلًا: لماذا اخترنا هذا الطريق؟ ولماذا اتخذنا هذا القرار؟ وهل كان قرارنا يقرّبنا من الله أم يبعدنا عنه؟
لا تجعل الدنيا تبيعك شيئًا بأغلى ما تملك: قلبك وعلاقتك بالله.
لا تبع طمأنينتك من أجل مال، ولا مبادئك من أجل مصلحة، ولا ضميرك من أجل منصب، ولا الحق من أجل رضا الناس.
فقد يخسر الإنسان شيئًا من الدنيا حين يتمسك بمبدئه، لكنه لا يخسر نفسه.
أما من باع كل شيء من أجل الدنيا، فقد يكتشف في النهاية أنه خسر أغلى ما كان يملك.
ولذلك، قبل كل قرار اسأل نفسك:
هل هذا الاختيار يرضي الله؟
هل فيه خير لي ولغيري؟
هل أستطيع أن أقف أمام الله بهذا القرار؟
ثم اختر.
فأنت لا تستطيع أن تختار كل أحداث حياتك، لكنك تستطيع أن تختار موقفك منها، وتستطيع أن تختار طريقك، وتستطيع أن تختار لمن تلجأ، وبماذا تؤمن، وعلى أي مبدأ تعيش.
الحياة قرارات واختيارات، وكل اختيار يكتب صفحة من قصتك.
فاختر ما لا تخجل منه أمام الله.
وادعُ الله، واسعَ، واعمل، ولا تيأس؛ فربك يقول:
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
ولا تجعل بُعدك عن الله سببًا في أن تغلق بنفسك الباب الذي فتحه الله لك.
